منذ 130 سنة قد تقل قليلا وقد تزيد عرفت مصر تجربة البرلمان للمرة الأولى. كان ذلك في عهد الخديوي اسماعيل الحاكم شديد الطموح حاصد الأحلام, مبسوط اليد الى حد الاسراف, تعيس الحظ الى حد أن كانت نهايته في غربة المنفى بعيدا عن الأهل والعز المؤثل، والوطن الذي أحبه اسماعيل باشا وأراد في أيامه أن يجعله قطعة من أوروبا فكان أن جاءت أوروبا شخصيا فاغتصبت قطعة من الوطن نفسه اسمها قناة السويس وكان ذلك مقدمة لكي تأتي انجلترا من بعد فتجثم على أنفاس الوطن كله في احتلال دام 73 عاما بالتمام دون الكمال. تقول حوليات عصر اسماعيل في مصر ان أعيان الريف ووجهاء المدن تم اختيارهم لكي يكونوا نواب الرعية الخديوية. وحين أدخلوهم الى قاعة البرلمان أفهموهم أن مؤيدي الحكومة يجلسون في جانب اليمين وأن معارضيها يجلسون الى اليسار.. وما كان من النواب جميعا إلا أن يمموا شطر اليمين وتركوا اليسار خاويا بغير جلوس.. إذ كانت التجربة وليدة ومن ذا الذي تسول له نفسه في مهد الممارسة أن يعارض الحكومة التي طالما خلعوا عليها وربما لا يزالون يخلعون وصف (سنية) من مادة سنا بمعنى ارتفاع القدر وعلو الشأو وربما واكب ذلك فوق البيعة لمعة الضوء ــ ضوء الحكومة طبعا مما يخطف أبصار المحكومين. قال الراوي: وما أن اطمئن النواب الجدد المحدثون الى مراكزهم, وما أن انخرطوا في سلك التجربة الجديدة وعركتهم خبراتها.. حتى اشتد عودهم وعرفوا بالفعل مواطئ أقدامهم وبدأوا يدركون مع توالي الأيام وتراكم الخبرات أن الحكومة أو الدولة ــ التي هي سنية كما أسلفنا ــ ليست كائنا خرافيا ولا هي تنين الأساطير على نحو ما كتب يوما فيلسوف انجليزي اسمه توماس هوبز في مؤلفه الشهير عن الدولة بعنوان ليفاياثان ــ المارد التنين ــ لقد عايش النواب الجدد في مصر وزراء حكومة الخديوي وربما لمسوا عن قرب كيف أنهم بشر يخطئون ويصيبون هذا اذا كانت نياتهم سليمة في الأساس ولم يكونوا شطارا من المؤلفة قلوبهم يظهرون الولاء للخديوي ويبطنون الولاء الحقيقي لمآربهم في اكتناز الثروة ونزح الموارد على حساب الفلاح الكادح أو الصانع البسيط أو التاجر الصغير لهذا بدأت لهجة النواب المصريين تتغير فتصبح أكثر صلابة مع دور الانعقاد الثاني أو الثالث للبرلمان.. وقتها انفتحت شهية الاخوة النواب.. قالوا في أدب وربما على استحياء مصطنع ان بودهم الاطلاع على بنود ميزانية الدولة الخديوية.. وفي دور الانعقاد الذي تلاه قدموا عريضة طالبوا فيها بقلب جامد كما قد نقول بأن تعرض عليهم الميزانية بوصفهم ممثلي الشعب.. وفي دور انعقاد تال أسقطوا الوزارة التي كانت قائمة في ذلك الحين. تعود مثل هذه الذكريات الى الخاطر وسط معمعة الانتخابات الجارية في شمال وادي النيل في هذه الأيام.. وهي معمعة بمعنى معركة سياسية حقيقية أسندوا الاشراف على سيرها للقضاء فكان أن اكتسبت في أعين الناس احتراما ونزاهة وشرعية ومصداقية. ومن ثم سقطت واختفت وجوه ظلت تفرض ملامحها على أهل المحروسة على مدى كثرة من السنين.. كي تفسح المجال لوجوه جربت حظها فنالت ثقة الناخبين وبدأ أصحابها يشقون طريقهم الى ساحة البرلمان. وجعبة الانتخابات في أرض المحروسة ظلت عبر النصف الأول من القرن العشرين حافلة بالحكايات والمفاجآت.. في أوائل القرن المذكور تقدم للترشيح واحد من أعلام المثقفين المصريين هو (أحمد لطفي السيد) في بلدته محلة أبو علي بمنطقة الدقهلية. كان ينتمي الى أسرة محترمة من بيوتات الريف حسب تعبير لطفي السيد نفسه.. وكان من أوائل الشباب الوطني خريجي المدارس العليا وهم نخبة في ذلك الحين.. ناهيك عن أنه دخل الانتخابات وفي يده ليسانس الحقوق الذي كان جواز المرور أو كان الطريق الملكي كما نسميه الى كرسي النيابة ومقعد الوزارة ومدارج المجد والشهرة والنفوذ.. فما بالك وقد دأب لطفي السيد على تدبيج المقالات ينشرها في صحيفة (الجريدة) التي يرأس تحريرها مبشرا بأفكار القرن الجديد في الليبرالية وكان يسميها (مذهب الحريين) بمصطلحات عصره. ولم تطل حيرة منافسه في الانتخابات بل استخدم مكر الفلاحين التاريخي.. وبدأ يجتمع الى جماهير الناخبين وكانوا في جملتهم طيبين ساذجين بقدر ما كانوا أميين.. قال: لطفي بك ابن سيد باشا أبو علي رجل متنور ومتربي لكن يا خسارة.. لطفي السيد ديمقراطي للأسف الشديد. سأله الفلاحون تفسيرا لحكاية ديمقراطي هذه, تلك التي يرويها مع مصمصة الشفاه وزفرات الأسف الشديد. قال المرشح المنافس: ديمقراطي يعني من هؤلاء الذين يسمحون للمرأة أن يكون لها أكثر من زوج.. بل يمكن أن يكون لها زوجان أو ثلاثة وربما أكثر والكذب خيبة ودونكم لطفي السيد اسألوه أهو ديمقراطي أم لا.. وذهب الناخبون من فورهم يسألون: ــ لطفي بك.. هل أنت ديمقراطي؟ ــ نعم.. ولي الشرف أن أكون ديمقراطيا. وطبعا سقط لطفي السيد سقوطا بائنا ذريعا ومدويا, لأنه كان ديمقراطيا. وبقدر ما كان سقوط ذلك المثقف البارز مدعاة للأسف, كان سقوط مسئول كبير آخر مدعاة للفخر الحقيقي والاعتزاز: كان اسمه يحيى باشا ابراهيم.. من مواليد بني سويف في صعيد مصر الأوسط.. كان أستاذا في مدرسة الحقوق ورئيسا لمحكمة الاستئناف تولى وزارة المعارف (التربية والتعليم) ثم وزارة المالية الى أن تقلد رئاسة الوزارة وحمل لقب حضرة صاحب الدولة وكان عمره 62 سنة وقتها. وفي عهد وزارته قصيرة العمر أجريت أول انتخابات برلمانية في سبتمبر عام 1923 وكان من الواضح أن يعقد قصب السبق فيها لحزب الوفد الذي كان زعيمه التاريخي سعد زغلول في أوج قوته وشعبيته بعد أن برز كزعيم لثورة 1919 وكخصم لدود للانجليز الذين أرسلوه مرتين الى المنفى وها هو سعد باشا يعود ليحصد ثمار جهاده على شكل فوز ساحق له ولأنصاره في الانتخابات التي أجرتها حكومة يحيى باشا ابراهيم الذي كان قد رشح نفسه على ما تعي الذاكرة في إحدى دوائر شرقي دلتا النيل.. ولأن الانتخابات كانت نزيهة حرة فقد سقط فيها دولة رئيس الوزراء شخصيا أمام مرشح وفدي شاب تعي الذاكرة أيضا أن كان اسمه أحمد مرعي وهو والد المهندس الزراعي سيد مرعي الذي لمع اسمه بعد منتصف القرن وزيرا ورئيسا للبرلمان في عصر الزعيم ناصر ثم في مرحلة الرئيس السادات. الانتخابات يواكبها دوما مظاهرات واحتفالات وكرنفالات وشائعات وتدبيرات ومؤامرات وتربيطات.. ربما تكون هي الموسم الوحيد الذي يشعر فيه المواطن البسيط العاطل من ألقاب الأبهة أو امتيازات السلطة والنفوذ.. أو العاطل حرفيا بغير عمل دائم يسد الرمق ويفتح أبواب الرزق هذا المواطن يشعر أن هناك من يخطب وده ويسعى إليه في الحي الشعبي الفقير الذي يسكنه.. لأنه بحاجة الى صوته الى بطاقة تأييده توضع في الصندوق السحري الذي يفرزونه غداة يوم الاقتراع وفي هذا الاطار تنبغ بل وتنتعش فئات من محترفي جلب الأصوات وحشد التأييد وتعبئة الأنفار واقناع خلق الله بتأييد المرشح فلان على حساب المرشح علان وفي الأدبيات الشعبية يستخدمون في وصف هذه الفئة عبارة اجرائية محترمة بعض الشيء هي: مفاتيح الانتخابات وأحيانا يستخدمون مصطلحا طريفا وفصيحا هو (الهتيفة) طبعا من احتراف الهتاف ورفع العقائر في الفاضي والمليان بشعارات يحيا فلان أو يسقط علان وربما صادف الشاعر الشعبي عمنا بيرم التونسي هذه الفئة من الهتيفة فأرسل أبياته يصف واحدا من أفرادها يقول: أوحت اليه السياسة يشتغل هتاف والهتافين ينجحوا طول ما البلد في خلاف سألته أول سنة قال لي أنا وفدي سألته تاني سنة قال لي أنا سعدي سألته ثالث سنة قال لي أنا وحدي اذا قبضت الدراهم أخدم الفريقين