من الواقع ، النقد ومرايا الأدب

يحكى ان رجلا عاش معظم ايام حياته في قرية على قمة جبل ولم يكن قد شاهد يوما نهرا ولا بحرا, وعندما رأى يوما النهر صاح مبتهجا: البحر.. البحر! حال هذا الرجل تشبه الى حد بعيد حال نقادنا اليوم, فمع ما امتازوا به من تقصير في الاطلاع على الادب العربي المعاصر فانهم ما ان يقرأوا قصة او قصيدة حتى يطغى عليهم الزهو بأمتهم وقدرتها على انجاز الطاقات المبدعة فيكتبون في المديح بغير حساب صائحين: الله اكبر هذا هو الابداع المطلوب والتجديد المرغوب! مع ان مجرد تقويم جاد يصنف صاحب هذا العمل ـ ان جاز لنا التعبير ـ تلميذا مقلدا لمعلميه الذين مازالوا احياء ينتجون, ومازالت كتبهم تطبع وتنشر وتوزع وتباع, غير ان كتبهم تلك ليس لها الجرأة وليس لها الاقدام الذي يمكنها من الوصول الى مخادع النقاد الذين يعلق عليهم الامل في ان يكشفوا للناس حقيقة النهر وحقيقة البحر! وقديما قال الشاعر: الشعراء فاعلمن اربعة.. ونسي حضرته ان الادباء اربعة اصناف, فالصنف الاول: عاش حيا ومات وهو حي.. انهم المبدعون حقا الذين عاشوا آلام وامال مجتمعاتهم وتحسسوا مشاكلها وعالجوها واعطوها ابداعاتهم دون منٍ او اذى, فعاشوا احياء بحياتهم وماتوا لكن ذكراهم ظلت متقدمة في وجدان كل من لا يحني جبينه ولا يخضع رقبته..! والصنف الثاني: عاش ميتا ومات ميتا.. وهو صنف التافهين الذين لا يساوون شيئا وهم يريدون ان يكونوا شيئا وهم لا شيء عاشوا امواتا لتفاهة ما يأتون به من شبه ادب كل ما فيه نفاق وغش وحقد صادر عن اغراض شتى .. بعيدا عن المعاناة! والصنف الثالث: عاش حيا ومات ميتا.. وهم المنافقون الذين لا يستطيعون عيشا بدون فتات الموائد الذي يقتاتون منه.. والذين يرقصون على اشلاء الابرياء ولا يقولون سوى ما يرضي ذوي النعم واصحاب الموائد والولائم, ولذلك يعيشون احياء لديهم وامواتا لدى الاحرار! والصنف الرابع عاش ميتا ومات حيا وهم المظلومون المقهورون الذين حاربهم القدر والناس وكسرت اقلامهم واحرقت محابرهم, وحوصرت الكلمة في صدورهم وفي اوراقهم خشية تسربها الى المجتمع, وظلت على هذه الحال الى ان اتاح لها الزمن فرصة الخروج فخرجت واستفيد منها.. لهذا عاش اصحابها امواتا لكنهم ماتوا احياء!! محمد خليفة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات