دروس السيدة الأولى ، يكتبها اليوم: علي عبيد

شكرا يا سيدتي.. ها أنت تقدمين لنا كل يوم درسا جديدا.. وها نحن نتلقى منك الدرس تلو الآخر.. لكننا لا نتعلم أبدا لاننا أمة بلا ذاكرة. حسنتنا الوحيدة ــ في نظرك طبعا ـ أننا متمسكون بالقول المأثور لدينا (من علمني حرفا صرت له عبدا). ومنك تعلمنا كل حروف الجر والنصب والصفع إن كان ثمة حروف صفع, وأحسبها كثيرة في اللغة التي تخاطبيننا بها. ها أنت يا سيدتي ترفعين يدك وتوجهين لنا صفعة جديدة وأنت تعلنين أنك ستردين تبرعا ماليا قيمته خمسون ألف دولار من منظمة تحالف المسلمين الأمريكيين بحجة أن المنظمة مؤيدة للحقوق الفلسطينية, وتقول إن قرارات الأمم المتحدة تؤكد حق الفلسطينيين في المقاومة المسلحة إذا فشلت الوسائل السلمية في تأمين مسعاهم لإقامة دولة مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وها نحن ندير لك الخد الثاني وأنت تقولين صراحة إنك مؤيدة لإسرائيل, ولا يمكن أن تخسري الصوت اليهودي, وإنك لم تكوني تعلمين أن التبرعات المالية التي جمعت في بوسطن كان وراءها اتحاد المسلمين الأمريكيين رغم حضورك حفل العشاء الذي أشرف فيه الاتحاد على جمع التبرعات لصالح حملتك الانتخابية تكريما لجهودك في المجالات الإنسانية! كم كنا نتمنى يا سيدتي لو كنت أكثر إنسانية معنا وأنت تتعهدين باعادة الدولارات الخمسين ألفا حتى آخر بنس فيها ـ على حد تعبيرك ــ بعد أن وصفها منافسك الجمهوري بأنها أموال مغموسة بالدم. وكم كنا نتمنى لو كنت أكثر صدقا مع نفسك وأنت تنفين علمك بأن تكون المنظمة الإسلامية هي التي تولت تنظيم الحفل الذي جُمعت خلاله التبرعات بالرغم من الصور التي التقطت لك وأنت تتلقين هدية تذكارية من منظميه. صدقيني يا سيدتي أننا كنا سنجد لك العذر وأنت تخوضين معركة الترشح لمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية نيويورك التي نعدّها مقاطعة يهودية لو كنت رفضت أيادينا الممدودة إليك منذ البداية.. أما وأنك قد أهنتنا بهذا الأسلوب الموجع وعلى الملأ فلا أقل من أن ننشّط ذاكرتنا التي بنى عليها العنكبوت بيوتا أوهى منها بيوتنا ذات الحيطان المائلة المتداعية المتصدعة. وسنوجه لك الشكر مرة أخرى لأنك قد سهلت مهمتنا وأودعت في الذاكرة المثقوبة كثيرا من المواقف التي يبدو أننا لم نتعلم منها درسا بعد. أولم تقرري قبل ذلك يا سيدتي أن تسحبي اسمك كرئيسة شرف للاحتفال السنوي الذي أقامته مؤسسة (موزاييك) الخيرية العربية الأمريكية معللة انسحابك بأن المشاركات في الاحتفال كلهن نساء السفراء العرب في العاصمة الأمريكية وشخصيات نسائية أخرى ليس بينهن واحدة من السفارة الإسرائيلية التي لم تُوجَّه لها الدعوة للمشاركة في هذا الاحتفال؟ أولم تقولي في تبريرك لرفض الدعوة إن القائمات على تلك الأمسية قررن عدم توجيه دعوة لممثلات عن الحكومة الإسرائيلية لأن بعض الدول العربية لا تعترف بحق إسرائيل في الوجود, وإنك لهذا السبب لا تستطيعين أن تكوني رئيسة شرف في ذلك الاحتفال؟ أولم تذهبي لأبعد من ذلك عندما طلبت من القائمات على الحفل أن يُعْلِنَّ رسميا وعلنا في تلك الليلة عن سحب اسمك والأسباب التي دفعتك لذلك؟ عفوا يا سيدتي فقد كانت صفاقة من سيداتنا أن يدعونك لرعاية حفل شرير كهذا, وكنت في منتهى اللباقة وأنت ترفضين رعاية حفلهن الشرير ذاك. أولست أنت يا سيدتي من دفع قبل ذلك السلطة الفلسطينية إلى التنصل من اتهامات السيدة سهى عرفات لإسرائيل بتسميم مياه الفلسطينيين وإلى الاعتذار عن تصريحاتها إبان زيارتك لرام الله لافتتاح مشروع صحة الأمومة والطفولة؟ ألم يهج اليهود في بلدك ويموجوا ويفردوا صفحات جرائدهم الأولى كاملة لصورتك وأنت تقبلين السيدة سهى ويعلقوا عليها (يا للعار يا هيلاري) ويتهموك بالصمت أمام التشهير الدموي بإسرائيل؟ ألم يقل أحد معلقي التلفزيون إنه كان عليك بدلاً من تقبيل سهى أن تصفعيها على وجهها؟ ألم يعتبروا عناقك لزوجة الرئيس الفلسطيني إهانة لهم ويضطروك إلى إصدار بيان رسمي في اليوم التالي تصفين فيه تصريحاتها بأنها لا أساس لها من الصحة وتدمر عملية السلام؟ ها هي عملية السلام يا سيدتي قد دُمِّرت فعلاً ولكن ليس بسبب تصريحات السيدة سهى وإنما بسبب دموية أصدقائك اليهود وعنصريتهم وصلفهم وبفضل مناصرتك أنت وشعبك لهم. أولست أنت يا سيدتي من أكد مرارا وتكرارا انحيازه للإسرائيليين وقال بالحرف الواحد: (أعتقد ان علينا جميعا أن نساند الحكومة الإسرائيلية والشعب الإسرائيلي في اتخاذ القرارات التي تصب في صالح وأمن إسرائيل)؟ أولست أنت يا سيدتي من أيّد نقل السفارة الإسرائيلية إلى القدس وقال بالنص: (أودّ أن يتم ذلك قبل نهاية العام) وكنت تقصدين عامنا هذا؟ ها هم أصدقاؤك المتحضِّرون يحرقون القدس ويقتلون أطفالها وينسفون بيوتها.. فهل تراهم يعدّونها لاستقبال سفارات أصدقائهم المخلصين؟ المؤسف يا سيدتي انه رغم مواقفك المؤيدة لهم هذه, ورغم كل ما تبذلين من جهود للوصول للكتلة الانتخابية اليهودية الكبيرة في نيويورك فقد أظهرت استطلاعات الرأي أنك لم تقدمي بعد الأداء الجديد الذي يجب أن تنجزيه لارضائهم.. ولن ترضى عنك اليهود حتى وإن اتبعت ملتهم. أليس ذلك هو ما دفع زوجك إلى الدفاع عنك عندما اتهموك بالادلاء بتعابير معادية للسامية ضد أحد مساعديه خلال حملته الانتخابية لتولي منصب ممثل عن ولاية أركنسو عام 1974؟ ألم تجدي نفسك في حاجة إلى صكِّ براءة بأنك (لم تتفوهي طيلة تسعة وعشرين عاما بأي كلمة تنطوي على معنى عنصري ضد أي كان) كما قال السيد الرئيس الذي لم تتخلي عنه في أشد أزماته وأكثرها مدعاة للشفقة عليك بالطبع؟ معذرة يا سيدتي إن كنا قد أثقلنا عليك بأسئلتنا.. ولكنها أسئلة مشروعة لأناس دفعتهم نياتهم الطيبة أو غفلتهم, وإن أردت الحقيقة فقد دفعهم ضعفهم وقلة حيلتهم وهوانهم على الناس إلى التعلق بقشة فإذا بالقشة تغرقهم وتدوس كرامتهم.. وإذا بالقشة ترفضهم وإلى الأعماق تجرجرهم. ومعذرة إن كنا قد اخترنا توقيتا غير مناسب لطرح هذه الأسئلة, لكن دافعنا قهر قد لا نستطيع التعبير عنه بعد يومين إذا ما أفلحت جهودك في إرضاء اليهود فصوّتوا لصالحك في الانتخابات, وعندها تزدادين حصانة فوق الحصانة التي حاولت يهودية تدعى مونيكا لوينسكي أن تنال منها ذات يوم فكان الدرس الذي تعلمته أنت جيدا لنكون نحن بعد ذلك الضحية التي عليها أن تتلقى كل هذا السيل من الدروس من سيدة النظام العالمي الجديد.. ولكنها دروس قاسية لا تقوى عليها نفوسنا التي تجرعت من ألوان الهوان كؤوسا ما عادت معها تفرّق بين عدوٍّ وصديق حتى غدونا لا نعرف موضع السيف من موضع الندى. وفي زمن أصبحت الحكمة فيه ضالة المؤمن حق لنا ــ يا سيدة البيت الأبيض ــ أن نسترجع ما قاله شاعرنا العربي العظيم أبو الطيب المتنبي قبل ألف عام ونيّف كأنه كان يعلم الحال التي سنؤول إليها حين قال: وَوَضْعُ النَّدَى في مَوْضِعِ السَّيْفِ بالعُلَىْ مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضِعِ النَّدَى

طباعة Email
تعليقات

تعليقات