تذكر واقعة حرق المتظاهرين الفلسطينيين للعلم المصرى إحتجاجا على ضعف قرارات القمة الطارئة التى دعا لها الرئيس حسنى مبارك, بحادثة مشابهة شهدتها الخرطوم أواخر الخمسينيات على يد طائفة الإتصال الموالية لحزب الأمة, فلما بلغ جمال عبدالناصر الخبر كانت له عبارة تاريخية مشهورة قال فيها: (إرفعوا لمصر علما جديدا فى السودان, فالذى يجمع بين شعبى وادى النيل من علاقات أزلية ومصير مشترك أبقى وأثمن من قطعة قماش) ومن هنا نحسب أن التعليق الصادر عن وزير الخارجية عمرو موسى يأتى فى سياق الوعى القومى الذى تجذر فى ضمير الشعب المصرى منذ عهده بالمرحلة الناصرية, وإدراكه المسئول عن القضية الفلسطينية فى مواجهة المشروع الصهيونى, حين وصف مسلك حفنة موتورة من الفلسطينيين, وتداعياته المهوله فى الصحافة المصرية بأنها لا تعدو (مجرد سحابة صيف مآلها الى زوال)! أذكر كذلك بالمناسبة عام ,1969 عندما كنت أتابع مسئولياتى الصحفية فى جريدة (فتح) اليومية التى كانت تصدر من عمان ويرأس تحريرها ماجد أبوشرارة الذى استشهد فيما بعد, حين وصلت إلى اسماعنا أصوات مظاهرة صاخبة, فلما خرجنا لاستطلاع الموقف, رأينا ويا للأسف حمارا يتصدر المظاهرة التى نظمتها الجبهة الديمقراطية التى يتزعمها نايف حواتمه وقد وضعت فى رقبته صورة الرئيس جمال عبدالناصر, وترديد الهتافات التى تتهمه بالخيانة لقبوله بمبادرة روجرز, ثم لم تمض شهور حتى كانت مأساة (ايلول الأسود) عام ,1970 وعندئذ دعا عبدالناصر الى قمة عربية عاجلة فى القاهرة لحماية الثورة الفلسطينية, ثم لم تمض شهور أخرى حتى أدركت اسرائيل أن عبدالناصر خدعها, وأن قبوله لمبادرة روجرز كان لحماية العمال المصريين من صعيد مصر, الذين كانت تطولهم الطائرات الاسرائيلية ويستشهدون بالمئات, خلال عملية بناء قواعد الصواريخ السوفييتية, التى وفرت الحماية لربوع مصر ولقواتها المسلحة خلال حرب الاستنزاف ثم عبورها الى سيناء فى حرب أكتوبر 1973! من هنا يتعين على الشعب العربى فى كل موقع ومكان, توخى الحذر من الطابور الخامس الصهيونى الأمريكى الذى يسعى بوسائل ذكية وخبيثة لشق وحدة ارادة الأمة التى اجتمعت حول حتميات دعم الانتفاضة الفلسطينية وتواصلها النضالى الجسور, حتى تحقق أهدافها فى تحرير الأرض السليبة واعلان الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس, وتجنب الانزلاق إلى مهاترات الانصرافية التى تثلج صدور قادة الدولة العبرية, فى الوقت الذى أعلن فيه ايهود باراك التهرب من استحقاقات السلام, وحشد قواته العسكرية إيذانا باجتياح الأراضى التى استردتها السلطة الفلسطينية, والتهديد بضربة اجهاض للقوات السورية وتدمير البنية التحتية فى لبنان, وربما جر مصر بالتالى إلى ساحة الحرب فى ضوء اعلان عمرو موسى فى دمشق عن التزام القاهرة بالوقوف الى جانب سوريا حال تعرضها للعدوان من جانب اسرائيل, ولعلنى لا أجد مايؤكد على مصداقية وضرورات التخلى عن الممارسات السياسية والاعلامية العربية المشبوهة التى دأبت على الوقيعة و التشكيك والتشرذم, سوى العودة لمراجعة أحداث الاجتياح الاسرائيلى لبيروت, التى كشفت أبعاد الاختراق الخطير للفصائل الفلسطينية, وان بعض كوادرها الموثوق بهم كانوا من العملاء الذين زرعهم الموساد, وكذا ماكشفت عنه وقائع الانتفاضة الراهنة, حيث انتشر هؤلاء العملاء وسط مظاهرات أطفال وشباب الحجارة, يرددون هتافاتهم ويمارسون مهامهم تحت ساتر إتقانهم اللهجة الفلسطينية, ثم وفى التوقيت الملائم يوجهون طلقات المسدسات إلى ظهورهم أو يوقعون بهم فى الأسر, وربما التقاط صورهم تمهيدا لتعقبهم كما حدث فى أعقاب اغتيال المتظاهرين الفلسطينيين لاثنين من الجنود اليهود المحتجزين, الأمر الذى يفسر ظاهرة الملثمين واخفاء ملامح المتظاهرين وراء الأقنعة بين شباب الانتفاضة من قبيل التمويه! فإذا وضعنا فى الاعتبار ان الهزيمة التى منى بها نابليون ومن بعده هتلر فى أعقاب انتصارهما الساحق فى أوروبا, تعود الى فتح جبهة ثانية مع روسيا ثم الاتحاد السوفييتى, فمن باب أولى أن يستفيد من دروس التاريخ أولئك الذين أخذوا على عاتقهم من الكتاب والسياسيين من ضيوف القنوات الفضائية, جر الرأى العام العربى الى معارك جانبية بعيدا عن التحشد لدعم الانتفاضة, تارة وعبر اشاعة اليأس والاحباط فى جدارها بدعوى استنزاف الاحتياطى البشرى الفلسطينى فى مواجهة تفوق الآلة العسكرية الاسرائيلية الجبارة, وانحياز أمريكا والاعلام الغربى للتعنت والصلف الإسرائيلى, والمساواة بين الظالم المحتل وبين المظلوم الذى يقاوم الاحتلال بالحجارة, وتارة أخرى عبر اثارة الشعوب العربية ضد حكامها فى هذه الظروف القوية العصيبة, بدعوى تخاذلهم عن دعم الانتفاضة, بينما المطلوب والممكن انجازه الكثير لدعم الانتفاضة حتى تطور آلياتها النضالية الى مستوى الحرب الشعبية, وبينها التحريض على مقاطعة البضائع والخدمات الأمريكية التى تجاوزتها قرارات القمة العربية, وحث الملوك والرؤساء العرب على تشكيل قمة دائمة مصغرة لمتابعة تنفيذ هذه القرارات على وجه السرعة وخاصة مايتعلق بتعويض الفلسطينيين عن خسائرهم الاقتصادية والمعاشية الفادحة, وكفالة أسر الشهداء والمصابين والعاطلين عن العمل, وتوسيع وعاء التبرعات المالية عبر قرار من الحكومات العربية لخصم مجرد أجر أو نصف يوم يوم من المرتبات ونسبة من الضرائب على المنتجات البترولية والترفيهية, وقيام المثقفين العرب بتنظيم ندوات سياسية واعلامية فى الداخل والخارج لتنوير الرأى العام العالمى بعدالة الانتفاضة ومأساة الشعب الفلسطينى الذى يواجه الإبادة فى الهلوكوست الصهيونى والفصل والتمييز العنصرى على يد اليهود, ثم لماذا لا يفكر هؤلاء المشككين والمتخاذلين فى مطالبة حكامنا العرب, بتوجيه خطاب تاريخى حاسم الى الرئيس كلينتون يدين انحياز أمريكا المتعسف الى جانب اسرائيل وضربها الحائط بكل قرارات الأمم المتحدة على مدى نصف قرن, بينما مصالحها الاقتصادية والنفطية والاستراتيجية فى المنطقة العربية يتهددها هذا الانحياز و.. فى ذلك فليتنافس المتنافسون على ابتكار الصيغ والآليات الكفيلة بدعم الانتفاضة.. لا إجهاضها بحسن نية أو سوئها لا قدر الله! كاتب مصري