للأديب والفنان والمفكر حاسة يستشرف بها المستقبل وبصيرة تاريخية تلتقط سر الحاضر المرتبك, وتجعله يرى الحقيقة خلف غلالات الاحداث العابرة والتفاصيل المزعجة واستار الأوهام السائدة. ولأن الفكر يسبق الواقع دائما, ويحّركه غالباً, أو يقيد حركته أحياناً, ينشب الصراع الأبدي بين الخير والشر, القبح والجمال, الحق والباطل وتظهر مقاومة الشر والباطل كفكرة أولاً وكحلم يرمز لانتصار الحق والخير, ويستشرفه قبل وقوعه, وتتحول الفكرة الى مهماز يلهب ظهور الاجيال ويدفعها على طريق ربما لا يرون له افقاً او نهاية, ومع ذلك يثقون في النصر النهائي. ولمن لا يقتنع بقدرة الفنان والمفكر على رؤية المستقبل ببصيرته, أو (حدسه), بلغة الفلسفة, عليه ان يراجع علاقة الزعيم العربي الراحل جمال عبدالناصر بالأديب المفكر توفيق الحكيم, وكيف ألهمت رواية الحكيم (عودة الروح) عبدالناصر ووضعته على أول طريق الثورة للخروج بمصر وبالوطن العربي كله بل وافريقيا من نفق الاستعمار وفساد الحكم المظلم. على أن هذه مقدمة طويلة لما فعله الشاب الفلسطيني ابن الناصرة والذي تفتحت عيناه على مشهد النكبة واغتصاب الصهاينة لوطنه, فنشأ تحت وهج نيران المقاومة الصامتة لعرب 48, وانفطم على حكايات الجدة حول تراث وحكايات فلسطين العروبة, وعندما تملك ادواته كمخرج سينمائي قدم فيلماً مدهشاً مشحوناً بالرؤى الثاقبة, والمشاهد الثرية التي تصور ارض فلسطين تتفجر ثورة على الاحتلال, وتقهر بحضارتها الراسخة اعتى ادوات الدمار الاسرائيلي. ففي فيلمه (عُرس الجليل) وقبل اندلاع الانتفاضة الأولى (1988) استشرف المخرج ميشيل خليفي ما سيجري وتوقع أن تنتفض الارض الفلسطينية على مغتصبها وان تقهر شجرة الزيتون وبيارات البرتقال وحقول القمح همجية الدبابات والمدرعات. وقال في فيلمه بوضوح ان جنود الاحتلال المدججين بأحدث ادوات القتل سينهزمون امام الحجر الفلسطيني, وسوف يسقطون فاقدي الوعي امام الحضارة العربية الاسلامية التي تنطق بها جدران القدس وبيت لحم والناصرة. ولأنه ليس ممكنا سرد حكاية (عُرس الجليل) حتى لا نشوه جمال الفيلم وصوره المرئية, نقول باختصار انه فيلم عن (مختار) قرية فلسطينية يجهز لزواج ابنه البكر, ويدخل في دوامة لا نهاية لها من المفاوضات مع سلطات الاحتلال الاسرائيلي وفي النهاية يحصل على تصريح بإقامة (العرس) بشرط حضور قائد المنطقة العسكرية وعناصر المخابرات واجهزة الامن السرية. ويقع (المختار) فريسة ضغوط عائلته وشبانها الرافضين لحضور ممثلي الاحتلال, ويعتبرونهم سبباً كافياً لافساد العرس, ومن جهة اخرى ينساق لحلمه برؤية ابنه البكر على ظهر جواد عربي اصيل في زفة فلسطينية تعيد له بهجة خاصمته وتبدد كآبة لا تفارق قسمات وجهه منذ دنس الاحتلال ارضه, ولسان حاله يقول (مكره اخاك لا بطل). وتتوالى الاحداث, وتقع انتفاضة الشباب الذين يردون على قوات الاحتلال بالحجارة بعد أن قلبوا (العرس) (مأتماً) قبل ان تهضم بطونهم الطعام الفلسطيني الثري.