عرفت العرب أسرار الجمال وصفاته وتفننت في رسمه ونقشه ببديع الوصف والكلام ونثرت من القصص والحكايات الكثير الكثير حتى عجزت كتب التراث عن استيعابها وتدوينها وتصفيتها وتتبعها. ونقف هنا عند بعض الشذرات, فنقتطفها عنوة وننثرها على صفحات الوجوه الندية فربما اختلفت الاسرار وتبدلت الأذواق وأصبح للغة الجمال معنى آخر غير الذي دوّنته وحفظته كتب التراث على امتداد التاريخ الطويل.. لنجرب ونرى ما حملته كتب التراث, وما رصدته رياح التغيير في زمن لا يعترف بالمقاييس الثابتة. يحكى أن مصعب بن الزبير وهو من أحسن الناس وجهاً كان جالساً بفناء داره يوماً بالبصرة, فجاءت امرأة ووقفت طويلاً تنظر إليه, فقال لها: ما وقوفك يرحمك الله؟ قالت: طُفئ مصباحنا, فجئنا نقتبس من وجهك مصباحاً. وقيل لاعرابية ظريفة: ما بال شفتيك مشققة؟ فقالت: إن التين إذا حلا وطاب تشقق, والورد يتشقق إذا مسه الندى. ولم تترك العرب صفة ووصفاً في الجمال إلا ونقشته شعراً, فقد وصفت الشعر والاصداغ والعيون والرموش والجفون والخدود والثغور ورقة البشرة والأرداف والخصور واللون والساق والأنف وغيرها كثير. ولأن اغلبنا يقيس الجمال بنفس المقاييس القديمة التي تسكن الذاكرة وتخرج سريعاً في حالة الاستدعاء والتداعي سنترك مساحة بيضاء بين الذاكرة التراثية والواقع لنرى ما يسفر عنه من الناحية الفلسفية والداخلية, فهل الجمال مطلق؟ وكيف يكون حكمنا الظاهر على الأشياء؟ لماذا نرى أن هذا الوجه جميل ورائع بينما يراه آخرون في منتهى القبح؟ من هنا نقف جبرياً عند فلسفة الجمال فنشير الى ان القبح لا يرتسم عادة على الوجه بقدر ما يسكن الذات, فهذا العالم الجميل بكل تفاصيله وأبعاده وحدوده يراه الكثيرون قبيحاً وموشحا لأنهم لم يدركوا نقاطه القصية, ولم يتركوا لذواتهم معاناة البحث عن تلك المعرفة الجمالية.. فالانسان بما يحمله من لغة إن كانت جميلة أو قبيحة يغزل عالمه ويحدده بطريقته في رؤيته للأشياء, وفي هذا يقول هيجل (لا يبدو الجمال في الطبيعة إلا انعكاساً للجمال في الذهن) فالأمور في ايامنا هذه تبدو متداعية بطريقة تثير التساؤل, ذلك ان اغلبنا يغرق الآن في بحر الماديات حتى أصبحت الرؤية عالماً ضبابياً ترتمي في احضانه جميع الأشياء, بينما الجمال يعاني نزيف الطعنات المتلاحقة والطلقات الخرافية على روحه وضميره وشعوره وفكره وطبيعته. ورغم النداءات المتكررة التي يرددها البعض لانقاذ الجمال الحقيقي وانعاشه ورغم صدق النوايا تظل الروح غريبة في هذا الزمن الغريب الذي تمتلئ زواياه برائحة سيئة ينفثها القبح الذاتي, ويظل هو مستباحاً في أرض طاهرة تسمى الطبيعة. لكن الأمر الذي أثار الكثيرين اليوم وأعطى بارقة أمل لمناصري الجمال الصادق النابع من الطهارة ان من بين رماد القبح وامتداد الطبيعة خرجت من قرية بيوبيكو الايطالية التي يقطنها حوالي ألف نسمة احدى الجماعات لاحياء ناد قديم اطلق عليه نادي المحرومين من الجمال, حيث يعكف النادي الذي تشكله اغلبية من دميمي الشكل على تأهيل هؤلاء نفسياً, خاصة وان الكثير منهم قبل ان ينضموا للنادي كانوا يهددون بالانتحار أو الاتجاه إلى دمامة السلوك بعد ان يئسوا من حياتهم. ويرى اياكو بيلي رئيس النادي الذي يعتبر من أشد الاعضاء دمامة في الشكل بخبرته الطويلة في الحياة ان الصفاء يظهر قاسياً لدى البعض رغم انه ليس كذلك, ذلك ان الوجه المتجعد الذي تعكس شكله المرآة ليس قاسياً إلا بالنسبة إلى من يعطون أهمية للتجاعيد.. كما يرى ان عالم اليوم اصبح زجاجياً براقاً ويعتمد على المظاهر الخارجية وهذا أمر يدركه المحرومون من الجمال الخارجي جيداً إلا أنهم رغم ذلك ليسوا ضد الجمال, بل يعارضون الديكتاتورية المتورمة لدى الجميل, والدليل على ذلك قبولهم ملكة جمال ايطاليا السابقة. وحتى لا نختم هكذا نرصد هذه الحكاية التراثية, فقد روي عن الجاحظ انه قال: ما أخجلني قط إلا امرأة مرّت بي إلى صائغ فقالت له: اعمل مثل هذا, فبقيت مبهوتاً, ثم سألت الصائغ فقال: هذه امرأة ارادت ان اعمل لها صورة شيطان, فقلت لها لا أدري كيف أصوّره, فأتت بك إليّ لأصوره على صورتك!! ان اصحاب الجمال البراق تعلموا ان يحصلوا على شيء مقابل لا شيء يدفعونه, أما الذين يتمتعون بجمال الذات فقد تعلموا ان يبذلوا جهداً مضاعفاً لكي يروا الحياة وهي أجمل وأرحب, ولكن يا ترى كم عدد الأندية التي سنحتاجها هنا لنتعلم الجمال الحقيقي؟