في لمحة من الماضي القريب الموصول بالحاضر يلخص لنا الاعلامي الفلسطيني المخضرم سعيد أبو الريش كيف يصنف الغرب الزعامات العربية. وهو تصنيف لا يخلو من طرافة اذا تجاوزنا مغزاه الجاد. في كتابه (صداقة وحشية) الذي يقدم فيه سردا تحليليا مثيرا لعلاقة العالم العربي مع الغرب لمدى الحقبة الزمنية الطويلة قبيل نهاية الحرب العالمية الاولى عام 1918 وحتى عقد التسعينيات في القرن المنصرم, يخلص أبو الريش الى ان الزعامات العربية تنقسم الى خمس مجموعات من وجهة النظر الغربية. المجموعة الاولى هي (الاصدقاء الثابتون) وهم الذين تبنوا او يتبنون سياسات مقبولة لدى الغرب وتحوز رضاه. مثل هؤلاء القادة لا يتعرضون لنقد غربي على الاطلاق بغض النظر عن الكفاءة الشخصية. ومن أبرز هؤلاء في الماضي القريب نوري السعيد الذي كان رئيس وزراء في العراق أربة عشرة مرة وحكم بالحديد والنار قبل ان يلقى مصرعه عام 1958 على أيدي الانقلاب الذي أطاح بالنظام الملكي. وهنا يقول أبو الريش ان (نهاية الرجل وما تبعها اوضح مثال بقصر النظر الغربي في ترفيع قادة غير أكفاء مقبولين لدى الغرب الى مستوى رجال دولة ومن ثم الاعتماد عليهم). المجموعة الثانية هي النقيض الكامل للأولى: (الاعداء الثابتون) ومن النماذج التي يذكرها المؤلف جمال عبدالناصر في الماضي وجورج حبش في الحاضر. وهذا الاخير ــ الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ــ يصفه الكاتب بأنه (زعيم شعبي ذو سجل نظيف وذو جاذبية خاصة للمثقفين الفلسطينيين) أما عبدالناصر فيكفي انه الزعيم القومي العربي الذي لم يساوم اطلاقا على موقفه تجاه الاستعمار البريطاني والهيمنة الامريكية. اصحاب المجموعة الثالثة يطلق عليهم أبو الريش (المتنقلين).. أي الذين لا يثبتون على موقف و احد وبالتالي تعامل معهم الغرب كأصدقاء أو أعداء اعتمادا على القضية المطروحة وحالة العلاقات بينهم وبين الغرب في ظرف زمن ما. ومن النماذج المثيرة للجدل التي يوردها المؤلف هنا الرئيس السوري حافظ الاسد والرئيس العراقي صدام حسين. الاسد مثلا كان صديقا عندما شاركت سوريا في (عاصفة الصحراء).. تلك الحملة العسكرية الضاربة التي شنها الغرب بقيادة الولايات المتحدة لتحرير دولة الكويت من الاحتلال العراقي عام 1991. لكن الرئيس الاسد اعيد تصنيفه عندما تصلب في مفاوضات السلام مع اسرائيل فصار عدوا. واذا كان الرئيس صدام حسين يعتبر اليوم ومنذ حرب الخليج الثانية عدوا من الدرجة الاولى فإنه عندما كان يقاتل ايران في حرب استمرت ثماني سنوات (80 ــ 88) كان صديقا بدرجة ممتازة. اما المجموعة الاخيرة فهم الذين بدأوا كأعداء لدودين للغرب ثم صاروا اصدقاء له. هنا يورد المؤلف اسم ياسر عرفات وتحوله من النضال المسلح الى سلام اوسلو. ولكن الآن ومع غليان الانتفاضة الفلسطينية داخل الارض المحتلة دون ان تبدر عن عرفات عبارة ادانة او اي معارضة لها فإنه لن يكون معلوما بصورة قاطعة لحين من الزمن ما اذا كان عرفات سوف يعاد تصنيفه غربيا ليكون مرة أخرى زعيما (ارهابيا). هذه التصنيفات بالطبع محصورة في زعامات السلطة. اما زعامات المعارضة فإنها عموما مصنفة غربيا في خانة العداء باستثناء تلك الزعامات التي تظهر بمظهر معارضة في اطار اتفاق لتوزيع الادوار مع السلطة القائمة داخل ديمقراطية ديكورية. وإجمالا فإن المغزى الذي يمكن الخروج به من التصنيفات الغربية التي احتواها كتاب أبو الريش هو ان الغرب يتعامل مع العرب من منظور المصالح الحيوية الوطنية العليا. بالتالي يبقى سؤال: هل تتعامل الانظمة العربية مع الغرب من منظور مضاد؟