القدس قضية, نعم, لكنها ليست القضية, بل احد مفردات القضية الفلسطينية فحسب. وهى من أهم هذه المفردات, وليست أهمها. انها واحدة من المكونات الرئيسية للقضية الوطنية الفلسطينية, الى جانب اللاجئين, والمستوطنات, والحدود, والمياه.. الخ فيما الأرض جوهر القضية الفلسطينية, شأن كل المستعمرات, وإن احتلت الأرض فى القضية الفلسطينية موقعا أكثر أهمية, منه فى بقية المستعمرات. ذلك أننا فى فلسطين ازاء استعمار استيطانى, اجلائى, احلالى, يضع الأرض نصب عينيه, أولا وأخيرا. لذا فإن حل القضية الفلسطينية يكمن فى حسم أمر الأرض, فبتحريرها, فحسب, يمكن حل القضايا الجزئية (القدس, اللاجئين, الحدود, والمياه). باختصار القدس جزء من القضية الفلسطينية, وليست قضية قائمة بذاتها. على ما فى الحالة الأخيرة من أضرار تلحق بالقضية الأم, سواء قصد القائلون بـ (قضية القدس) أم لا يقصدوا. فالنوايا هنا لا تقدم ولا تؤخر. والطريق الى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة. وسواء الحق بعضهم الضرر بالقضية الفلسطينية, صادرا عن وعي أم جهل, فالنتيجة واحدة! المحذور الأول قد يوحي التركيز على (قضية القدس), دون قضية فلسطين, بأن الصراع العربى, الاسرائيلى دينى فى جوهره. مايفضى الى جعل الصراع محصورا بين المسلمين وبين اليهود, فيما يحيد المسيحيين, أو يستبعدهم, تماما, بل إن بعض المتهورين يضعون المسيحيين فى خانة الاعداء! إلى ذلك فإن التركيز على القدس, وجعلها (القضية) يحصر الصراع على (الأماكن المقدسة) فحسب! لذا كثيرا ماسمى بعض القائلين بـ (قضية القدس) المدينة المقدسة (القدس الشريف), مع مايحمله هذا الاسم من مضمون دينى. فيما لا نختلف مع عدو الأمة فى الشعائر, أو الطقوس, أو ما إليه, بل بصدد الحقوق, والأرض, أساسا. المحذور الثانى إن التركيز على القدس, باعتبارها (القضية), واسقاط القضية الفلسطينية, قد يعنى بأن التحرير سيقتصر على القدس, دون غيرها فى الأراضى الفلسطينية, وكأن الجيوش التى ستحرر القدس, ستهبط على المدينة المقدسة بالباراشوت, حتى تتجنب تلك الجيوش المرور بأية أراض أخرى, لم يرد ذكرها فى (خطة التحرير)! الأمر غير العلمى. المحذور الثالث إن الذين يكتفون بالقدس, باعتبارها (القضية), يفعلون ذلك وقد استمرأوا تفتيت ماسبق تفتيته. فبعد (تحرير فلسطين من البحر إلى النهر), نراهم يكتفون بـ (إقامة السلطة الوطنية فوق أى أرض يتم تحريرها), قبل أن ينزلقوا الى (اتفاق أوسلو) سيئ الصيت. بل إنهم يتنازلون عما سبق لهم أن نالوه فى الاتفاق الموصى إليه. لذا نراهم فى (قضية القدس) يقزمونها الى مجرد الأماكن المقدسة), ثم يكتفون بالمطالبة بمجرد (المسجد الأقصى), حيث عرج الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم), قبل أن يتفاوضوا مع عدو الأمة على (السيادة) على المسجد, أم مجرد (الإدارة), وهل تشمل هذه أو تلك مافوق الأرض, أم تشمل ماتحت الأرض, أيضا! المحذور الرابع إلى ذلك فإن الذين يصرون على أن القضية هى القدس, هم من هواة التمسك بالمظهر دون الجوهر. وقد هاودهم العدو الصهيونى, فعقد معهم, خريف ,1995 (اتفاق أبومازن بيلين), الذى يقضى قرب القدس عاصمة لدولة فلسطين المرتجاه, على أن تسمى هاتان الضاحيتان (القدس), فيما يسمى الصهاينة ماتبقى من (القدس الكبرى) (أورشليم). المحذور الخامس كما أن تركيز هذا البعض على القدس, بصفتها القضية, ورفع العقيدة فى الحديث عنها, بصوت متهدج, وخشوع مؤمن, يشي بأن ثمة تنازلات ذات شأن قدمها هذا البعض فى بقية أجزاء القضية الفلسطينية, وأن التركيز على (قضية القدس) ليس الا من باب صرف الأنظار عن تلك التنازلات. يكفى فى هذا الصدد, ماحدث غداة قمة كامب ديفيد الثانية, صيف هذا العام, أكد كبير المفاوضين الفلسطينيين, صائب عريقات بأن الاتفاق بين الطرفين ــ سلطة الحكم الذاتى والعدو الصهيونى ــ قد تم على ثمانية فى المائة من قضايا الخلاف العالقة بينهما. ولما تجرأ أحد قادة (حماس) (د.عبدالعزيز الرنتيسى), وسأل عن ماهية هذه الثمانية فى المائة, أودعوه السجن, بتهمة مثيرة للضحك, وهى: (انتهاك قانون النشر)! المحذور السادس يصل الأمر بذلك (البعض) حد المطالبة بـ (القدس, كل القدس) ولا ينسى هذا البعض أن تلحق هذه المطالبة بالأغنية الممجوجة إياها: (شاء من شاء, وأبى من أبى. ومن لم يعجبه فليشرب من البحر الأبيض, ومن لم يكفه فليشرب من البحر الأحمر, والا فالبحر الميت). المحذور السابع هذا يوصلنا الى موضوع (أية قدس المعنية)؟! فثمة (القدس القديمة), التى تغطي كيلو مترا مربعا واحدا, (والقدس الشرقية) بما فيها القديمة ومساحتها 6 كيلومترات مربعة, الى (القدس الجديدة) أو (الغربية), التى احتلها الصهاينة فى حرب ,1948 فيما ثلث مبانيها وأراضيها ملك العرب الفلسطينيين, وتحتل (الجديدة) 56 كيلو مترا مربعا, بحيث غدت مساحة القدس مجتمعة بشرقها وغربها فمجرد أن احتلت القوات الاسرائيلية القدس الشرقية (العربية), نحو 72 كيلو مترا مربعا. ثم هناك المستوطنات الخمسة عشر, التى ضمتها اسرائيل الى القدس الكبرى وغطى 123 كيلو مترا من اراضى الضفة الغربية بما يقترب من خمس مجموع مساحة الضفة. والأخطر أن الجسم الأخير يشطر الضفة الى شطرين, عدا أن المستوطنات والطرق الالتفافية تمزق الضفة الى مئتين وأربعين جزيرة, معزولة عن بعضها البعض. المحذور الثامن من يفعل هذا كله, لا يتورع ان يرى فى التركيز على القدس, وتحويلها الى (قضية) عن استخدام هذا الأمر فى مجرد دغدغة المشاعر الاسلامية, دون الالتفات الى ضرورة توفير شروط النصر فى المواجهة مع عدو الأمة, الأمريكى الصهيونى. بدءا من اشاعة الديمقراطية, وافساح المجال لقيام أحزاب سياسية قوية وفاعلة, مؤهلة لتقديم قيادات سياسية جسورة, وقارئة جيدة لواقعها, وواقع أعدائها, مسترشدة بنظرية الثورة, بمايؤهلها لاجتراح برنامج سياسى سليم, ونسج تحالفات صحيحة, محلية, واقليمية, وعالمية. ناهيك عن (القضية العادلة) المتوفرة, موضوعيا, وليس بفعل قدراتنا. ماذا عن الغد؟ حتى (انتفاضة الاقصى) الأخيرة لا يرى فيها (البعض) سوى مايعزز موقف المفاوض الفلسطينى, فحسب. فيما وفرت هذه الانتفاضة سانحة ذهبية لرفع سقف مطالبنا الوطنية, وتفعيل السند العربى. فضلا عن أن تلك الانتفاضة وفرت فرصة للقيادة الفلسطينية المتنفذة كى يظهر صفوف دوائر الحكم الذاتى عموما, وأجهزة الأمن على وجه الخصوص, من الفاسدين والمفسدين, وممن أسمتهم نشرة (فتح) الداخلية (نوفمبر 1998) (جنرالات اسرائيلية فى اجهزة الأمن الفلسطينية!