في بلد يتيح لمواطنيه هامشا لا بأس به من الحرية والممارسة الديمقراطية ضمن مؤسسات مختلفة من أحزاب ونقابات وجمعيات ومجالس إدارة مؤسسات أهلية ونواد وغيرها, لم ينج أحد من مشاهير الصحافة والاعلام والاقتصاد والسياسة وحتى الفن في مصر من الدخول في معمعة المشهد السياسي بكافة أطيافه وانتماءاته. واحد من ألمع نجوم الصحافة في مصر اعتزل الصراع والمنافسة واكتفى بأن يكون (أستاذا) تتنافس كبريات الصحف على الفوز بمقالاته وكتاباته, ذلك هو محمد حسنين هيكل, الذي اعتزل كل هذه الصراعات منذ خلافه مع السادات في الثمانينيات ودخوله السجن, وخروجه من رئاسة جريدة (الأهرام), منذ ذلك الوقت وهيكل يكتب خارج مصر وداخلها بنفس القوة وبنفس العمق والحرفية, معتمدا على أرشيف ضخم ونظام قراءة صارم يبدأ من الثامنة صباحا وحتى الثانية مساء, وشبكة علاقات متغلغلة في كل الأوساط السياسية والاقتصادية والثقافية الشديدة الحساسية والخطورة من كبار رؤساء الدول والحكومات والسفراء ومسئولي الهيئات الدولية. وبرغم كل هذا الفضاء الواسع, والعمق السياسي والتلاميذ والمعجبين, إلا ان هيكل لم يخض يوما, منذ ترك المعترك السياسي أيام عبدالناصر, أي نوع من الانتخابات والمنافسات وحتى عندما نشرت إحدى الصحف البريطانية خبر تأسيسه لحزب مناهض للسادات, فقد كتب لرئيس تحريرها رسالة يطالبه فيها بالاعتذار لانه لم يخطر له ولم يفكر في هذا الاتجاه وهو في غير حاجة لحزب معارض, فمقالاته وحدها أحزاب معارضة يقول فيها رأيه بكل صراحة ولا يمكن الوقوف في وجهها أو اغلاقها. وقد اعتذرت له الصحيفة فعلا. اليوم وفي ظل الانتخابات حامية الوطيس التي تخوضها مصر, يدخل (محمد حسنين هيكل) ساحة الانتخابات واضعا ثقله إلى جانب مرشح وفدي شاب, معتبرا انه لا يقف إلى جانب الشاب (منير) فقط وإنما يقف إلى جانب جيل بأكمله, بعد أن رصد بقلمه وعينيه سيطرة (العواجيز) على مجمل المراكز والوظائف والحياة السياسية في مصر, حتى بدا ظاهرة واضحة ارتفاع سن النخب السياسية ما يعني ترهل وشيخوخة المجتمع سياسيا, في مقابل تراجع المشاركة الشابة, فجيل من الشباب مقصي من الحياة السياسية الفاعلة وكذلك الاقتصادية والثقافية خاصة في مواقع صناعة القرار والتأثير. موقف هيكل, إذا كان حقيقة كما أعلن, وبأنه يسجل البادرة الأولى بوقوفه إلى جانب مرشح الوفد الشاب المخالف له في الآراء والتوجهات, فإنه يستن نهجا رائعا ومطلوبا بالفعل, فلا يمكن أن نتصور مجتمعا (ليس مصر وحدها بل أغلب الدول العربية) يسيطر الشيوخ على كل مراكز القيادة فيه, بينما معروف عن المجتمعات العربية انها مجتمعات شابة, فهل ذلك لعشق الكراسي التي لا يريد الشيوخ مغادرتها؟ أم لقلة ثقة في الشباب؟ المطلوب المزاوجة بين خبرة الشيوخ وثقافة الشباب وحماسهم, فهذا هو الطريق الصحيح والصالح للمجتمع.. أي مجتمع وخاصة مجتمعاتنا العربية.