منذ عام 1948 وحتى اليوم لا تترك لنا العدوانية الاسرائيلية وقتا كافيا لاحصاء شهدائنا او مداواة جراحنا. فليس من يوم او شهر او سنة تمر الا وتحمل ذكرى لمعركة او مجزرة او عدوان, بحيث بات العدوان الاسرائيلي حالة مكررة, والاستشهاد الفلسطيني حالة دائمة, وبات التشابه في ايامنا غير محصور في تساوي عدد ساعاتها, وإنما في تفاصيل الآلام والمعاناة التي تحملها. وما تشهده اجيالنا المعاصرة قاسى منه جيل الآباء والاجداد حتى لكأن الشهادة اصبحت إرثا للشعب الفلسطيني يتناقله الابناء عن الآباء. ويتقاسمونه فيما بينهم, وهو بالمناسبة الارث الوحيد الذي يتفوق فيه الفقراء على الاغنياء. في مثل هذه الايام وتحديدا في 29 اكتوبر عام 1956 شنت القوات الاسرائيلية عدوانها على قطاع غزة وسيناء في اطار العدوان الثلاثي على مصر, الذي شاركت فيه فرنسا وبريطانيا في اعقاب تأميم عبدالناصر لقناة السويس. وحين نستعيد هذه الذكرى نفعل ذلك: أولا: لاعادة قراءة التاريخ وتلقينه للأجيال التي لم تعد كتب التاريخ تسعفها في معرفته, او التي يراد لها ان تمحي ذاكرتها بحجة ان الذكرى تشعل الكره الاحقاد في عصر السلام الامريكي والاسرائيلي, وقد تفسده. لكن اسرائيل لا تترك لنا مجالا للنسيان, ولو نسينا نحن فهي تحرص على تذكيرنا. وتحرص ان يبقى خيط الدم موصولا بين ايامنا. ففي الاول من نوفمبر عام 1956 وفي الثالث والثاني عشر منه ارتكبت القوات الاسرائيلية ثلاث مذابح جماعية وبالترتيب في كل من غزة وخان يونس ورفح, كان مجموع الشهداء فيها (930) شهيدا و(215) مفقودا و(716 ) جريحا وهؤلاء لم يسقطوا في معارك المقاومة التي استشهد فيها من استشهد وإنما انتزع الناس من بيوتهم اطفالا وشبابا ونساء وشيوخا. كانت المشاهد مرعبة. يصف المواطنون على الجدران, اشقاء كانوا او آباء مع الابناء والاحفاد, وتطلق النيران عليهم. ثم يحملون بالجرافات والشاحنات الى حفر جماعية, لتجمعهم وحدة الموت في قبر واحد كما جمعتهم وحدة الحياة في دار واحدة. وبسبب العزلة المفروضة على قطاع غزة وقتها, والانشغال بالهدف الرئيسي للعدوان الثلاثي ظلت هذه المجازر مجهولة للرأي العام العالمي وحتى العربي ربما حتى يومنا هذا. وحين نشير اليها اليوم في ذكراها الرابعة والاربعين ونقرنها بما تفعله القوات الاسرائيلية في الاماكن نفسها, وعلى امتداد رقعة الوطن الفلسطيني, نستنتج ان قتل الابرياء وتطهير الارض من اهلها سياسة اسرائيلية ثابتة ومتصلة, وتنبع من صميم العقيدة الصهيونية التي تقوم على قتل الغير وطردهم. ثانيا: ان انحياز الغرب الامريكي, والاوروبي ايضا, للموقف الاسرائيلي الذي نشهده اليوم, وسكوته عن العدوان وتبريره, هو امتداد لذلك التحالف العسكري الذي تمثل وقتها بالاشتراك مع بقايا الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية في العدوان الثلاثي. ويأخذ شكله الابرز الآن بالتحالف مع العدوانية الامريكية وريثة الامبراطوريتين المنهارتين. وهذا التحالف القديم الجديد, والمتصل, يؤكد الحقيقة التاريخية التي لم يتحفظ اطرافها في التعبير عنها بسلوكهم الفعلي وهي ان اسرائيل مشروع استعماري غربي من اساسه, حتى وان تغطى بأساطير توراتية كاذبة, هدفه السيطرة على المنطقة العربية بأسرها ارضا وموقعا وثروة وتاريخا وحضارة, وليس الارض الفلسطينية وحدها, وأن الدور الاسرائيلي في هذا المشروع هو دور المنفذ لحساب الغرب, وأدواته التنفيذية, ويخطىء من يبرىء الغرب الامريكي وحلفاءه من مسئولية ما فعلته اسرائيل من قبل وما تفعله اليوم, ويخطىء بالتالي كل من يتوجه للادارة الامريكية, او يراهن عليها في انصاف الشعب الفلسطيني, او حمايته من العدوان الاسرائيلي. ثالثا: وللذين لم يستوعبوا هذه الحقيقة جيدا, او يتغاضون عنها, او يعتقدون ان اي طرف عربي يمكنه وحده ان ينجو بشعبه وأرضه من العدوان الاسرائيلي, بقليل من المهادنة او الممالأة للولايات المتحدة, او باسترضاء اسرائيل عبر مصالحتها او بإقامة نوع من العلاقات معها. فإن المشروع الامريكي الاسرائيلي المشترك لا يترك مجالا لأصحاب هذه الاوهام فهو لا يقبل بأقل من الهيمنة الكاملة على المنطقة. والعدوان الثلاثي على مصر وفلسطين عام 1956, وعدوان 1967 على مصر وسوريا والاردن وفلسطين ليسا المثالين الوحيدين, وليست الارض العربية المحيطة بإسرائيل ولا انظمتها وحدها هي المستهدفة. فالعدوانية الاسرائيلية لم تستثن لبنان, ويدها طالت تونس وبغداد. واصابعها تعبث بالخليج والبحر الاحمر وجنوب السودان. وبذلك فإن العدو نفسه يؤكد وحدة القضية العربية ووحدة الارض العربية, واذا كانت فلسطين قد خصت بالجزء الاكبر منه فإنما لتأمين قاعدة العدوان والانطلاق منها في كل الاتجاهات. هذه الحقيقة نذكر بها بعض العابثين الذين يفرقون بين الدم العربي المراق على ارض فلسطين او المراق من اجل فلسطين ودفاعا عن الارض العربية كلها. كما نذكر بها اولئك الذين يهينون هذا الدم العربي سواء بسلوكهم العبثي واللامسئول او بكتاباتهم الانتهازية التي تغضب الشعب ولا ترضي مسئولا. فهؤلاء لم يقرأوا جيدا الموقف الشعبي العربي الموحد الى جانب انتفاضة فلسطين اللهم الا اذا كان قد اغضبهم هذا الموقف فراحوا يسعون الى تخريبه. ويبدو انهم لم يقرأوا ايضا وقفة الامة العربية بأسرها مع مصر ضد العدوان الثلاثي عليها حين انتفضت الجماهير العربية ضد المصالح الغربية ففجرت أنابيب النفط, وأوقف العمال العرب تفريغ او تحميل البواخر الغربية في الموانىء العربية. وردا على ضرب الطائرات البريطانية والفرنسية لاذاعة صوت العرب بهدف اسكات صوت القاهرة, انطلقت اصوات المذيعين العرب من كل محطات الاذاعة العربية تعلن هنا القاهرة. وكان هذا الموقف العربي الواحد ردا على المعتدين من الخارج, والمشككين في الداخل. وانتصرت مصر وانتصر العرب بوحدتهم, وانهزم العدوان. وهذا يؤكد ألا مجال لهزيمة العدوان سابقا ولاحقا الا بوحدة الموقف العربي, وألا حماية ولا امن ولا استقرار لأ ي بلد عربي ما دامت العدوانية الاسرائيلية لم تكبح, وأن كبحها مسئولية عربية جماعية شعبية ورسمية, وعبر اجراءات ملموسة سياسية واقتصادية مؤثرة, ان كان استخدام القوة غير متاح او غير ممكن الآن. رابعا: ان مصر حين استهدفت عام 1956 بالعدوان الثلاثي البريطاني والفرنسي الاسرائيلي, وعام 1967 بالعدوان الاسرائيلي الامريكي لم تستهدف لذاتها وانما لانها مثلت الطموح العربي نحو مشروع نهضوي عربي موحد لبناء قوة عربية علمية وعسكرية واقتصادية وسياسية تستعيد الحقوق الفلسطينية, وتحجم من دور اسرائيل في المنطقة, وتقلص من النفوذ الغربي في الارض العربية, وتحمي الثروة العربية بأسره, وتنتزع للعرب مكانا عالميا يليق بتاريخهم وحضارتهم. وربما كانت الاسباب ذاتها وراء استهداف العراق بالعدوان الامريكي الغربي عام 1991, وادامة الحصار عليه حتى اليوم. وهذا يعني ان العدوانية الاسرائيلية الامريكية الغربية المشتركة لا تستهدف الحاضر العربي فقط وانما المستقبل ايضا. اي انها تريد ان تحتل المستقبل العربي قبل ان يأتي, بل هي تريد منعه, او صياغته على هواها ووفق شروطها. ووفق هذا المنظور الاوسع يمكن فهم العنف الذي تواجه به العسكرية الاسرائيلية, بتأييد امريكي, انتفاضة الشعب الفلسطيني لوأدها ووقف امتداداتها وآثارها العربية التي قد تشكل ولادة حقيقية للمستقبل العربي بأسره. وهكذا تبدو حماية الانتفاضة حماية للمستقبل العربي وحفاظا على تباشيره واشراقته.