يبدو أن هناك من يخطط لمزيد من الفراغ السياسي العالمي وترك الساحة للولايات المتحدة تصول وتجول فيها بلا منازع, فالاتحاد الأوروبي لم يكتمل بعد, ولم يصل إلى نضوجه المطلوب طبقا للمخطط له خلال البرامج السياسية والاقتصادية التي اتفقت عليها جميع الدول الأعضاء التي تكون هذا الاتحاد, الذي كان من المفترض أن يكون القوة الجديدة التي تحتل الفراغ الذي تركه اختفاء الاتحاد السوفييتي السابق, وكل الدلائل تشير إلى أن هناك البعض من دول ذلك الاتحاد يعملون من أجل ألا تنشأ تلك القوة أو تحتل ذلك المكان(!). يبدو هذا على الرغم من التوصل إلى اتفاق العام الماضي لوضع السكرتير العام السابق لحلف الأطلنطي السياسي الإسباني (خافيير سولانا) ليكون الصوت الخارجي الموحد للاتحاد الأوروبي, والمعبر عن رؤية دول الاتحاد الموحدة التي يجب أن تكون في عالم متحول لا بد من الحصول فيه على مكان محدد, قبل أن تغرق المصالح السياسية والاقتصادية الخاصة لكل دولة في ظل هجمة العولمة, التي تكرس لمزيد من امتداد النفوذ المالي لشركات لا تعرف سوى الربح والخسارة, في مواجهة تقلص الدور الفاعل للحكومات الوطنية. يبدو أن نشأة منصب المتحدث الخارجي باسم الاتحاد الأوروبي الذي يطلقون عليها اسم (المستر بيسك), ذلك الاسم الذي جاء من اختصار لقب المنصب, جاء عبر ولادة قيصرية لم يوافق عليها بعض الدول الأعضاء, أو وافقوا على مضض حتى لا يظهر الصراع الداخلي الأوروبي على السطح فيكشف عن وجود خلاف بين الدول الأعضاء, فجاءت الموافقة كالرفض, وإن كان ذلك الرفض جاء مغلفا تحت شعار التناغم المنظم بين جميع دول الاتحاد الأوروبي, فالمستر بيسك خصصوا له مناطق عمل (مطاطة) وغير محددة المعالم, وتتنازعها عدد من صلاحيات أخرى لأعضاء المستشارية الأوروبية, ومهمته تقف عقبة أمامها مهام الأعمال المكلف بها مستشار الشئون الخارجية. إضافة إلى بعض الشخصيات التي تعمل بشكل محدد وفي مناطق معينة كالعمل الذي يمارسه بلا فعالية مبعوث الاتحاد الأوروبي للشرق الأوسط ,السفير الإسباني أيضا (ميجيل أنخيل موراتينوس), الذي يختفي ويظهر عندما لا تدعو الحاجة إلى وجوده, ويعامله طرفا الصراع في الشرق الأوسط بطريقتين مختلفتين, بينما يحاول الجانب العربي أن يعطيه أهمية كنوع من إقامة التوازن مع الوجود الأمريكي المهيمن على القضية, نجد أن الجانب الإسرائيلي يرفض مجرد استقباله أو التحدث إليه, بل ويهمله تماما. لكن قمة شرم الشيخ الأخيرة التي عقدت في محاولة لوقف تدهور الأوضاع في الأراضي المحتلة, وإنقاذ ما يسمى بمسيرة السلام من الموت النهائي الذي كانت زيارة الإرهابي الصهيوني (ارييل شارون) لمنطقة المسجد الأقصى سببا فيها, هذه القمة شهدت وجودا أوروبيا واضحا بمشاركة (خافيير سولانا) كممثل للسياسة الخارجية الأوروبية في هذه القضية, وهو الأمر الذي اعتبره الكثير من المراقبين تحولا جذريا في تلك السياسة, وربما أكد هذا الاعتقاد الموقف الفرنسي الذي كان واضحا بلا لبس في إدانة إسرائيل واتهامها بحق أنها السبب في هذا التدهور, وتتحمل وحدها كل النتائج المترتبة على هذا التدهور. لذلك كان وجود خافيير سولانا في قمة شرم الشيخ كممثل وصوت وحيد للسياسة الأوروبية في منطقة الشرق الأوسط وقعه الخاص, لأن تلك السياسة الأوروبية المحددة الواضحة اختفت من تلك المنطقة منذ أزمة السويس عام ,1956 وحلت محلها الهيمنة الأمريكية التي أبعدت الأوروبيين عن تلك المنطقة الحيوية اقتصاديا وسياسيا واستراتيجيا. لكن هذا التحول الجذري في السياسة الخارجية الأوروبية سرعان ما بدا وكأنه مجرد (سحابة صيف), أو مجرد (سراب) لأمل طال انتظاره للخروج بالعالم كله من القطبية الأحادية وإيجاد توازن في العلاقات الدولية التي أصبحت في أمس الحاجة إليه, خاصة أن هذا التوازن كان من المنتظر أن يكون أفضل من (توازن الرعب النووي) الذي كان قائما في ظل المنافسة ما بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية. فجأة, وقبل أن يستيقظ الحالمون من حلمهم قام بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي بالسير باتجاه الخلف خطوات سريعة محت كل الخطوط التي تركتها عجلات عربة (المستر بيسك) في شرم الشيخ, فقد تمزقت السياسة الخارجية الأوروبية إربا بإعلان المستشار الألماني شرويدر ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير الاعتراف السياسي بنظام كوريا الشمالية قبل ساعات قليلة من القمة الأوروبية الآسيوية في سيئول, لينضم إليهما رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا أزنار, ودون تشاور مع الأعضاء الآخرين في دول الاتحاد الأوروبي, أو حتى مجرد التشاور مع الرئيس الفرنسي الذي يتولى رئاسة الدورة الحالية للاتحاد حتى يناير المقبل. كان الثلاثة يعرفون أن فرنسا التي تتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر الستة الأخيرة من العام 2000 تحاول أن تربط هذا الاعتراف بإشارات معينة يجب على نظام كوريا الشمالية أن يتخذها قبل أن يحصل على الاعتراف الأوروبي كاملا, وكان هناك اتفاق مسبق ومعلن من جانب جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على هذا. بل أن الزعماء الأوروبيين الثلاثة لم يبلغوا الرئيس الفرنسي جاك شيراك ورئيس وزرائه بما خططوا له من اعتراف سياسي بنظام كوريا الشمالية على الرغم من وجودهم معه في فرنسا قبيل هذا الاعتراف بأيام قليلة, مما اعتبره البعض إشارة إلى الانقسام الذي لا يزال يخيم على العلاقات الأوروبية في مجال السياسة الخارجية. بل ذهب بعض المراقبين إلى أن اعتراف ألمانيا وبريطانيا, وفي أعقابهما إسبانيا بنظام كوريا الشمالية يثبت إلى أي حد ترتبط السياسة الخارجية لبعض الدول الأوروبية بالسياسة الخارجية الأمريكية تجاه القضايا الدولية, فقد جاء الاعتراف بعد أن بدا واضحا أن الولايات المتحدة قررت تغيير سياستها تجاه (بيونج يانج) دون أن تتشاور مع الاتحاد الأوروبي ككتلة واحدة. هناك من يذهب إلى ابعد من ذلك, ويعتبر أن الولايات المتحدة استطاعت أن ترسل رسالة حازمة للرئيس الفرنسي بمدى تأثيرها في السياسة الخارجية لأعضاء بارزين في الاتحاد الأوروبي, وان الاعتراف بكوريا الشمالية دون التشاور مع فرنسا جاء كعقاب للرئيس الفرنسي على موقفه من القضية الفلسطينية, الذي بدا مخالفا تماما للموقف الأمريكي بعد أن قام جاك شيراك بتوبيخ أيهود باراك علنا, وتحميله وحده مسئولية أحداث العنف التي وقعت ولا تزال تقع ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة, خلال القمة التي عقدها مع ياسر عرفات في باريس. أعقب ذلك تباين اتجاه تصويت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار إدانة إسرائيل بسبب ممارستها أعمال القمع ضد الشعب الفلسطيني, فقد صوت لصالح الإدانة كل من فرنسا واليونان وإسبانيا وايرلندا, بينما صوتت كل من ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وهولندا ضد إدانة إسرائيل. بهذه الوقائع تأكد أن وجود خافيير سولانا في قمة شرم الشيخ كان مجرد سراب, ولم يكن يدل على أن الاتحاد الأوروبي عثر أخيرا على ضالته في توحيد سياسته الخارجية تجاه القضايا الدولية الحساسة والمؤثرة, وان الاتحاد الأوروبي عندما قرر إنشاء منصب (المستر بيسك) انشأ إناء فارغا بلا محتوى, ولا يعبر عن الرغبة الأوروبية الملحة في سياسة خارجية أوروبية موحدة تجاه القضايا الدولية الحساسة. لا تزال أوروبا تتخبط في تشكيل سياستها الخارجية والدفاعية المستقلة بعيدا عن الولايات المتحدة, ويبدو أن التوصل إلى تلك السياسة تحول دونه عقبات جدية, أخطرها يتمثل في أن العديد من دول الاتحاد الأوروبي المؤثرة, لا تزال تتعامل مع القضايا الدولية تحت تأثير الولايات المتحدة, ولا يتوقع المراقبون أن يصبح لأوروبا سياسة خارجية مستقلة ما لم تتخلى تلك الدول عن تبعيتها العمياء للسياسة الأمريكية. كاتب مصري مقيم في أسبانيا