أذكر أن الأشهر المعدودة التي قضيتها في مدرسة قرية (طبهار) الاعدادية المشتركة, وهي إحدى قرى محافظة الفيوم, كانت تجربتي الأولى في العمل الحكومي, ومصدر خبراتي الأولى في التعامل مع الواقع الجهم بعيدا عن عوالم الأحلام الوردية والأوهام الذاتية.. ورغم كثرة الوقائع المحبطة التي عانيتها في هذه القرية, فإنني ما زلت أذكر الشهور التي قضيتها فيها بالعرفان, فقد تحولت في مدرستها من شاب حالم, غارق في تصوراته المثالية التي أسقطها على العالم حوله, الى شاب يعاني أوجه فساد الواقع الفعلية, ويصطدم كل يوم بما يزيده وعيا بحقائق الحياة التي لم تعد وردية بحال. ويبدو أن شخصية التلميذ الذي يحرص على أن يكون الأول دائما كانت بمثابة دافع دفعني الى النجاح في مهنة التدريس, والى الفوز بمحبة الطلاب والطالبات الذين أحاطوا بي, وجعلوني أبتهج بهم, وأبذل جهدي في تعليمهم, الأمر الذي جعلني أندمج في عالم التدريس من غير أن أشعر, وأمضي في ابتكار وسائل تعليمية أرتجلها ارتجالا لاجتذاب المزيد من الطلاب والطالبات الى عوالم المعرفة اللانهائية. وصادقني الأساتذة الذين كانوا يحرصون على الجدية في العمل, ويؤمنون بدور المعلم في الحياة. وفي الوقت نفسه, كان لابد من الاصطدام بأولئك الذين جعلوا التدريس تجارة مربحة, بعيدا عن معنى العلم وقيمه وأخلاقه. ومرت الأيام الى أن جاءني زملائي مدرسو اللغة العربية يبلغونني بقدوم سيادة المفتش للتفتيش, وطلبوا مني بعض الجنيهات القليلة لشراء هدايا لسيادته (طيور ولحوم وأصناف من الجبن والزبد). ولسذاجتي وبراءتي رفضت إعطاء أحدهم شيئا, معلنا أن هذا يدخل في باب الرشوة التي أرفضها, فسخروا مني وتركوني بعد أن حذروني من نتائج موقفي. وجاء سيادة المفتش الذي كان أول ما طلبه مني أن أريه بعض كراريس الطلبة, فأعطيته الكراريس التي وجدتها أمامي. ولم أكن أعرف أن زملائي المدرسين كانوا يجهزون كراريس خاصة للتفتيش, يتولون تصحيحها بعناية فائقة على عكس بقية الكراريس التي لم يكونوا يصلحون أخطاءها إلا فيما ندر. وظل المفتش يقلب في الكراريس التي قدمتها له, ويعدد لي الأخطاء التي فاتتني في تصحيح كلمات مثل (استنصر) المكتوبة بخط النسخ, وتحملت التأنيب في صبر, كما تحملت عجرفة المفتش الذي عاملني بطريقة عدائية, ربما لأن بعض الزملاء أبلغوه برفضي الاسهام في شعيرة تقديم الهدايا المعتادة. وعدت الى حجرتي المقبضة بعد ذهاب المفتش محملا بالخيرات التي اشتراها زملائي الذين أعلن رضاءه عنهم جميعا, كما أنذرني بضرورة الانتباه الى عملي وتحسين ادائي في التدريس. وشعرت أنني كالمنبوذ في غرفتي التي توحدت فيها. وحاولت الهروب من إحباطي بالجلوس الى المكتب (المخلع) والانهماك في تحضير دروس الغد, لكنني لم أستطع, فقد وصل إحساسي بالظلم الى مداه, وجلست استرجع الأحلام التي انطويت عليها بعد تخرجي مباشرة, وتفوقي الذي فتح أمامي أبواب الأحلام الوردية على مصراعيها, والواقع المقبض الذي أصبحت أعايشه, ولا أدري كيف تسلل الي صوت جمال عبدالناصر وهو يلقي إحدى خطبه, بل كيف ارتفع الصوت الذي كان صادرا من المنزل المجاور. وأخرجني كلام الخطبة من التداعيات الحزينة التي انغمست فيها, وبدأت أنتبه الى حديث عبدالناصر عن العدل الذي لابد من تحقيقه, وقلت لنفسي: هذا الرجل يتحدث عن عدل غير موجود, ويتوهم وجود نظام عادل يرأسه مع أن كل ما حولي يؤكد الظلم. ولم أدر إلا وأنا أمسك بالقلم, وأكتب إليه في الصفحة الخالية أمامي من كراسة التحضير خطابا عن العدل الغائب, شارحا حالتي, محدثا إياه عن النهاية التي انتهيت اليها رغم كوني الأول على كل أقسام اللغة العربية, ورغم حصولي على تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف, وأحسب أن الانفعال جرفني فكتبت له عن عدم تصديقي وجود العدل في العالم الذي يسعى الى صياغته من جديد. وبعد أن انتهيت من كتابة الخطاب, وأفرغت انفعالي فيه, وضعت الخطاب في مظروف, وألصقت عليه طابع بريد, بعد أن كتبت عنوان رئاسة الجمهورية. ولم أشعر بالراحة إلا بعد أن وضعت الخطاب في صندوق بريد القرية في اليوم نفسه. ومضت الأيام بعد ذلك, ودخلت في دوامة التدريس, محاولا اكتشاف الأبعاد الموجبة في الوضع الذي اضطررت اليه, محاولا ملاحقة محاضرات الدراسات العليا بفضل الأصدقاء الذين كنت أستعير منهم المحاضرات التي فاتتني. ولكنني رغم كل محاولاتي لم أنجح في التكيف, وعجزت عن إقناع نفسي بالصبر, وأسهم في توتر الموقف سيادة المفتش الذي لم يكف عن استفزازي لرفضي الاسهام المالي في هداياه, ووصل به العداء الى ذروته في إحدى الزيارات التفتيشية, فانتهى بى الأمر الى الانفجار والثورة عليه أمام التلاميذ, ودفعتني ثورة الغضب الى الخروج من المدرسة, عاقدا العزم على ألا أدخلها مرة أخرى. وعدت الى القاهرة أعاني من الكآبة التي زادها الشعور بالظلم. وما كدت أستقر في منزلي بالقاهرة في المساء حتى أخبرني زميلي في السكن بأن الدكتورة سهير القلماوي رئيسة قسم اللغة العربية أرسلت من يستدعيني لمقابلتها في مكتبها بمجرد عودتي, وذلك لأمر بالغ الأهمية. ويبدو أن متاعب اليوم وإحباطاته دفعت بي الى النوم سريعا, فظللت نائما الى الصباح. وكان أول ما فعلته بعد استيقاظي ارتداء ملابسي والخروج لمقابلة الدكتورة سهير القلماوي التي لم أكن أعرفها معرفة حميمة بعد, وما كانت هي تعرفني شخصيا رغم حصولي على الدرجات النهائية في المواد التي تولت تدريسها لي. وكانت المفاجأة السارة الأولى في اللقاء ترحيبها الحار بي, وعتابها لأنني لم أحاول التعرف اليها, أما المفاجأة السارة الثانية فكانت ابلاغي أن موضوع تعييني معيدا في القسم قد انتهى الى ما يسعدني, وأن علي الذهاب لمقابلة رئيس الجامعة لتحيته والتعرف به. وخرجت من عند أستاذتي الى مكتب رئيس الجامعة وأنا أكاد أطير من الفرح, غير بعض التردد الذي عاودني عندما دخلت غرفة مدير مكتب رئيس الجامعة الذي صدني أكثر من مرة, ولم يسمح لي بمقابلته لأشكو له الظلم الذي حال دون تكليفي معيدا. ولكن التردد اختفى عندما رأيت علامات الترحيب على وجه مدير المكتب الذي طلب مني الانتظار, وغاب قليلا ليعود طالبا مني الدخول الى مكتب رئيس الجامعة الذي ما إن رآني حتى نهض من كرسيه وأقبل على مهللا مرحبا. وكانت دهشتي كبيرة عندما احتضنني الرجل, وظل يربت على كتفي في حنو أبوي قائلا: لماذا لم تأت الي من قبل وتحدثني عن عدم تعيينك؟! ولم أستطع الاجابة, فقد جئت الي مكتبه أكثر من مرة, وفي كل مرة كنت أعود مدحورا. ويبدو أن الرجل استشعر شيئا من صمتي فقطعه بقوله: على كل حال, لقد أصدرت قرار تعيينك معيدا, فاذهب الى أمين الجامعة لاستكمال أوراق التعيين, ولا تنس أن بابي مفتوح لك دائما إذا احتجت الى أي شيء. وخرجت من مكتب رئيس الجامعة قاصدا مكتب أمين الجامعة , وأنا أدعو للدكتورة سهير القلماوي من أعماقي, متصورا أنها هي التي كانت وراء هذا التحول في الموقف. ووصلت الى مكتب أمين الجامعة الذي بادرني بقوله: أأنت الذي فعلت بنا كل ذلك؟! فقلت له: أنا لم أفعل شيئا, وبارك الله في أستاذتي التي ساندتني ودافعت عني, فنظر الرجل الي نظرة تعجب, وقال: أستاذتك؟! هل تهزأ مني يا ابني؟! ألم ترسل شكوى الى رئيس الجمهورية؟؟ وأخرج الرجل من أحد أدراج مكتبه الخطاب الذي كنت قد أرسلته الى جمال عبدالناصر ونسيته مع الوقت. وأعطاني الرجل الخطاب لأرى ما فيه, فوجدت تذييلا على الخطاب بقلم عبدالناصر, وجهه الى وزير التعليم العالي, آمرا بالتحقيق, وتحته تعقيب من وزير التعليم العالي الى رئيس جامعة القاهرة آمرا بالتعيين والتحقيق, وتحته خط رئيس جامعة القاهرة الذي أصدر قرار التعيين الفوري. وبعد أن قرأت هذا كله, أعدت لأمين الجامعة الخطاب دون أن أنطق حرفا, فقد ضاعت مني كل الكلمات, وظللت صامتا, متوترا, مرتعشا, تناوشني شتى الانفعالات التي لم تفارقني طوال الجلسة, وأثناء توقيعي على الأوراق التي طلب مني أمين الجامعة توقيعها. وخرجت من عند الرجل لأعود الى كلية الآداب لأكمل اجراءات تعييني في القسم الذي لا أزال أعمل به منذ التاسع عشر من مارس سنة ,1966 بسبب ذلك الخطاب الذي أرسلته من قرية نائية الى جمال عبدالناصر طالبا العدل الذي تحقق على يديه.