ان معنى حالة بنية القطب الواحد في مجتمع الدول ــ بوصف الولايات المتحدة هذا القطب ــ كانت في بداية هذه الحالة غامضة بالنسبة الى واضعي السياسة في العالم, ولم تنشأ حالة مماثلة من حالات القطب الواحد منذ قرون عديدة, طوال قرون حدد توازن القوة المركزي جدول الاعمال الرئيسي للسياسة في العالم, وفي الحقيقة ان انقطاع فترة توازن القوة, وهو انقطاع يبقى طوله موضع تخمين, يعد تحولا كبيرا حقا. ويتوقف مستوى او عمق هذا التحول على مدة الوقت الذي تسود فيه حالة وجود القطب الواحد, ان الاستراتيجيات التي تختارها الولايات المتحدة احد العوامل الهامة في تحديد طول تلك المدة الزمنية, وتكفي هذه المدة ــ مهما كان طولها ــ لاحداث تغييرات ملموسة بدأت فعلا في تغيير بعض التقاليد والمعايير الاساسية التي حكمت المجتمع الدولي منذ وقت طويل, يتوقف طول هذه المدة الزمنية في المقام الاول على (المسافة) العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية والتكنولوجية التي يتعين على الدول العضمى الاخرى التي يمكن حسب الافتراض ان تكون دولا متحدية لهيمنة الولايات المتحدة الراهنة ــ الدول التي يحتمل ان تكون دولا نظيرة منافسة للولايات المتحدة ــ ان تقطعها قبل ان ينشأ لديها اساس معقول لايجاد هذا التحدي, وجود هذه المسافة بدوره يعني ضرورة النظر في المؤهلات اللازم ان تتوفر لتصبح دولا عضمى اعضاء في توازن يقوم في النهاية على قطبين او اقطاب, حينما يحل هذا التوازن محل البنية الحالية القائمة على قطب واحد. ولا تختلف هذه المؤهلات اختلافا كبيرا عن تلك التي امتلكتها الدول التي كانت مشاركة في التوازنات المركزية الماضية, غير انه تنبغي مراعاة الاختلافات في النطاق بين توازن القوة بين الدول الاوروبية في القرن التاسع عشر وتوازن القوة على الصعيد العالمي في اواخر القرن العشرين والسنوات المقبلة من القرن الحادي والعشرين, سيكون توازن القوة على المستوى العالمي قائما على وجود دول عملاقة: القدرة التنظيمية والادارية على اتخاذ القرار السريع في حالة الازمة, واراض شاسعة وعدد كبير من السكان والموارد الكثيرة, وتوفر المهارات التكنولوجية والاقتصادية المتطورة, وقدر لا بأس به من التماسك الاجتماعي والسياسي, وتوفر القوة العسكرية المتطورة واظهارها والاستعداد لاستعمالها وقدرة الدول العظمى على جعل دول اخرى تغير سلوكها بما يتفق مع ارادة الدول العظمى. كثيرون من المعلقين يعتبرون الصين الدولة التي يحتمل احتمالا اكبر ان تشغل مركز الدولة المنافسة النظيرة للولايات المتحدة في المستقبل, ويحتمل ان تكون مصالح واشنطن وبيجين على مسار تصادمي في بحار الصين وشرقي آسيا, ان تحالف الولايات المتحدة مع اليابان وبقاء تايوان واحتمالات اقامة نظام للدفاع بالقذائف يمكن ان يشمل اليابان وتايوان والحضور الاكبر للولايات المتحدة في المنطقة, بما في ذلك القوات البحرية الامريكية, كما كان الامر في ازمة سنة 1996 في مضيق تايوان ــ هذه كلها يحتمل ان تستمر في ايجاد حالات الاثارة والاحتكاكات. وفيما يتعلق بالقدرات في المستقبل يحتمل ان تكون الصين اقوى من دول اخرى يمكن ان تكون منافسة وتشكل سعة اراضي الصين وتعدد مواردها وعدد سكانها اساسا لذلك الانطباع, ومما يقوي ذلك الانطباع معدل النمو الاقتصادي الصيني في العقود القليلة الماضية, وحققت الصين منجزات في المجال التكنولوجي ومن ميزات حكم الحزب القائم في الصين انه يتخذ قرارات سريعة وقت نشوب الازمة. غير انه توجد وجوه ضعف قد تكون اقل وضوحا في الصين. يعاني الاقتصاد الصيني من صعوبات بنيوية وتعتوره اختلالات, من هذه الصعوبات مشكلة التباين الكبير بين الداخل الفقير والمناطق الساحلية الاكثر ازدهارا ومشكلة اعادة بنية صناعات الدولة التي تتكبد الخسارة وعدم كفاية تطور القانون التجاري وضعف القطاع المصرفي واندفاع كثيرين من سكان الريف الى الاقامة في المدن, وخصوصا المدن الكبيرة وبطالة اكثر من مئة مليون شخص من القوة العاملة, وذلك عدد لا يستهان به ويمكن ان يكون التحكم السياسي الذي تمارسه حكومة الصين بأراضيها واطرافها هشا. لقد اشترت الصين بعض الطائرات والغواصات الروسية المتقدمة وحصلت على عدد من الاسرار العسكرية الغربية. غير ان المؤسسة الدفاعية الصينية ينبغي لها ان تقطع شوطا طويلا في مجال الاستحداث العسكري قبل ان يكون في مقدورها ان تستهين بالاسطول السابع الامريكي, ربما باستثناء الاماكن القريبة من الشاطىء الصيني. وتشير دلائل على ان واضعي الاستراتيجية في الصين يدركون القيود على قدرتهم على اظهار القوة. ان ادراك الحكومة الصينية لضعف الصين الاستراتيجي الراهن قد يلاحظ في ان الحكومة الصينية سمحت للاستراتيجيين الصينيين بالاهتمام بـ (الثورة في الشئون العسكرية) الثورة التي هي الحد الامامي للتفكير الاستراتيجي الامريكي المتقدم تعي الصين ان الولايات المتحدة سبقتها في مجال منظومات الاسلحة من الجيل الحالي. وقد تسبق الولايات المتحدة الصين في مجال منظومات الاسلحة في الجيل القادم, وتولي الصين اهتماما لمستقبل استراتيجي ابعد, اي الاسلحة التي تتضمنها (الثورة في الشئون العسكرية) وبالنظر الى ان جيل الاسلحة يدوم في هذه الايام مدة خمس عشرة سنة على الاقل فان ذلك يعني تأخر حصول الصين على مركز الدولة المنافسة النظيرة للولايات المتحدة في المجال الدفاعي والعسكري مدة سنوات عديدة. وينطوي الاستحداث العسكري على نفقات باهظة الكلفة تؤدي الى اضعاف الاقتصاد, والتجربة السوفييتية مثال على ذلك لقد سعى الاتحاد السوفييتي الى منافسة الولايات المتحدة في المجال العسكري خلال مدة الحرب الباردة التي استغرقت ثلاثا واربعين سنة, وانطوى السعي السوفييتي على تخصيص اكثر من عشرين في المئة من الناتج القومي الاجمالي في السنة لذلك المجهود وكانت احدى النتائج الفشل في اللحاق بالولايات المتحدة والحاق الضرر البالغ الذي لا يعوض بالاقتصاد السوفييتي, وهو الضرر الذي لا نزال نشاهد آثاره في اقتصاد الاتحاد الروسي. ويبدو ان اداء القوات التقليدية للاتحاد الروسي, كما تجلى في اماكن منها الشيشان على مستوى متدن والقوات الضاربة النووية الروسية لا تحظى بالصيانة الكافية ويبدو ان الاتحاد الروسي يحتاج الى سنوات كثيرة قبل ان يتخلص من هذه المشاكل. ولعل السؤال الاكثر تحييرا في التاريخ الحديث هو لماذا يبدو ان فقدان الثقة والعقيدة في صفوف الصفوة السياسية السوفييتية ادى الى انهيار في جوانب كثيرة من الحياة الروسية من قبيل تردي الصيانة والنقص في وسائل المواد الغذائىة وفي وسائل ايصالها وتوزيعها والتضخم النقدي وتفشي البطالة وتهريب المخدرات والاتجار بالاسلحة والجريمة المنظمة ونظام تصريف المياه والاقذار بواسطة البواليع, وحتى يشكل الاتحاد الروسي مصدر منافسة ينبغي انشاء اساسية وادارة ناجحة وايجاد اقتصاد حديث واقامة مؤسسة دفاعية حديثة شاملة للاسلحة الاكثر حداثة ومن بالغ الصعوبة ان تنجز بسرعة هذه المهام. وعلى الرغم من ان روسيا القديمة/ الجديدة قد لا تستطيع ان تشغل الحيز الاستراتيجي الذي شغله الاتحاد السوفييتي الزائل فانها تمتلك مصدر قوة من ماضيها قد يتضح انه ذو صلة واهمية في البنية ذات القطب الواحد الراهنة لقد كانت روسيا في القرن التاسع عشر عضوة مؤسسة لـ (وفاق الدول الاوروبية) القديم ومشاركة فيه من سنة 1815 الى سنة 1914. لقد كتبت خلال العقد الاخير مقالات وكتب كثيرة عن معدل النمو الاقتصادي الياباني الباعث على الاعجاب ان من الخطأ الافتراض بأن المعدلات النسبية للنمو الاقتصادي هي العامل الوحيد الذي ينبغي ان يؤخذ في الحسبان عند تقييم توازن القوة في المستقبل وبأن ذلك النمو سيبقى دائما عاليا, واذا بلغت اليابان مركز الدولة المنافسة النظيرة للولايات المتحدة فان شغلها لذلك المركز سيعتمد على عوامل منها كفاءة اليابان الاقتصادية والتكنولوجية وقدر كبير من تماسكها السياسي. ان مساحة اليابان صغيرة من الناحيتين النسبية والمطلقة, وبالتالي ليس لديها عمق استراتيجي, ومواردها, باستثناء مواردها البشرية, شحيحة, وتزداد بسرعة نسبة المتقدمين بالسن من سكانها وهذه السرعة اكبر من سرعة الزيادة في بلدان اخرى كثيرة وتمتلك اليابان قوات مسلحة اسلحتها متطورة جدا ولكن ليس لديها اسلحة نووية. ومما يسهم في اضعاف اليابان انها تقع على ملتقى مناطق مصالح لثلاث دول نووية: الاتحاد الروسي والولايات المتحدة والصين, ويمكن ان تقع على ملتقى مناطق مصالح اربع دول نووية, اذا اصبحت كوريا دولة حائزة للاسلحة النووية. والقوات الصينية, حينما تبلغ ذروة نموها, سترابط في المناطق المجاورة لليابان ــ بحار الصين والشاطىء الصيني ــ على نحو لم يكن يصدق ابدا على القوات السوفييتية خلال الحرب الباردة, لقد ورثت الصين وليس الاتحاد الروسي الجلباب باعتبارها الدولة الاكثر احتمالا ان تكون المتحدية لهيمنة الولايات المتحدة. ولذلك ليس مما يبعث على الدهشة ان اليابان تعير اهتماما اكبر للعلاقات بينها وبين الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة مما فعلته خلال العقود التي سبقت نهاية هذه الحرب ويلزم الاتفاق الدفاعي الثنائي الامريكي ــ الياباني المبرم سنة 1997 اليابان بالقيام بمشاركة اكثر فعالية مع الولايات المتحدة في آسيا اكثر مما كان الحال عليه سابقا, ويدل ذلك على شعور اقوى بالضعف في صفوف النخبة اليابانية وشعور اقوى بانخفاض التأثير الياباني في اطار التحالف الثنائي.