ثمة متغيرات باتت تجد طريقها بالتدريج في سياق الأدبيات السياسية العربية والدولية مواكبة في ذلك أحداث بل ملاحم انتفاضة الشعب العربي في فلسطين. ومن شأن القراءة المتأنية لهذه الأدبيات المتمثلة في الأخبار المنقولة عبر وسائل الميديا المختلفة وفي البيانات والتعليقات والتحليلات الصادرة, أن توضح كيف أن الخطاب السياسي العام أصبح يستخدم مصطلح (الاحتلال) الاسرائيلي و(مقاومة) الاحتلال كما يصدقا على ما يجري في الأرض العربية المحتلة منذ عام 1967. وعندنا أن الخطاب الاعلامي السياسي العربي ينبغي له أن يركز دوما على استخدام واشاعة هذين المصطلحين سواء باللغة العربية أو باللغات الأجنبية التي نبث بها الاعلام الموجه خارج حدود الوطن العربي. بمعنى أن نكرس من جانبنا تعبير الاحتلال الاسرائيلي أو الاحتلال الصهيوني ويقابله حركة المقاومة الوطنية أو حركة التحرير الوطني في فلسطين التي تجسدها انتفاضة شعبنا بأساليب شتى تجمع بين المواجهة الجهادية المباشرة لقوات الاحتلال, وبين النضال المتواصل على الجهات السياسية والاقتصادية والاعلامية والدبلوماسية في اطار منظومة كفاحية متكاملة ومتشابكة يحوطها دعم مادي وعملي ومعنوي من جانب الأمة العربية والعالم الاسلامي اضافة الى قوى التحرير والتقدم في شتى انحاء العالم. استمرار الانتفاضة بيد أن الأمر يقتضي التحلي بالنهج الواقعي والعملي في النظر الى الأمور, صحيح أن المواجهة المباشرة بين شباب بل وأطفال أرضنا المحتلة وبين الآلة الحربية الغاشمة للعدو العنصري المحتل شكلت وتشكل عملا كفاحيا واستشهاديا نبيلا بالدرجة الأولى, لكن الصحيح أيضا أن النضال الوطني الفلسطيني لا ينبغي له أن يسير في هذا الخط الواحد أو على هذا النهج الوحيد.. أفواج من الشهداء الأبطال.. وأنهار من الدم الزكي ومئات من الجرحى.. فكل ذلك مخصوم في التحليل العملي الأخير من رصيد قدرة المقاومة التحريرية الفلسطينية وعندنا أن الأصح هو استمرار الانتفاضة الوطنية بأساليب أخرى قد لا تشمل بالضرورة هذا النمط من المواجهة اليومية بين شعب أعزل وبين قوى باطشة مدججة بأحدث وأبشع أسلحة العصر. والأصح عندنا هو استمرار نضال التحرير باسلوب حرب العصابات الفدائية التي تفيد من كل دروس ملاحم التحرير السابقة وقد تميزت بالنفس الطويل وبالصبر الأطول وبابتداع الأساليب الكفيلة بالحاق أكبر الخسائر البشرية والمادية بالعدو المحتل دون أن يكون من بينها بالضرورة أسلوب المواجهة المباشرة السافرة والعلنية.. وأما من دروس المسيرة الكبرى للصين التي استغرقت نحو عشرين سنة وكانت تمنى بحكم مقتضيات الواقع بمشاكل وانحسارات ونكسات ويومها كان زعيمها ماوتسي تونج يقول: هذا هو فشلنا الرابع عشر أو السابع عشر ثم يعمد الى وعي دروس الفشل المستفادة ومن ثم يواصل المسيرة من جديد.. وأمامنا بداهة دروس حرب التحرير الشعبية في فيتنام حيث كانت موازين القوى المادية العسكرية في صالح الطرف الأمريكي على طول الخط, ناهيك عن وجود ظهير لأمريكا كان مجسدا في عقد الستينيات الماضي في النظام العميل لواشنطن في جنوب فيتنام. والذي حدث هو أن استنفر الشعب الفيتنامي طاقاته الوطنية مما أتاح ذلك التوحد والتلاحم التاريخي بين قواعده الشعبية وبين قياداته. (وتلك عبرة لابد وأن تعيها قيادات النضال الفلسطيني بحيث تتخلص دوما من بيروقراطية السلطة لصالح استمرارية الثورة).. ويومها أبدع المناضلون في جنوب شرقي آسيا في انتهاج أساليب مبتكرة من النضال ضد الأمريكان المحتلين وعملائهم في سايجون.. ومن تلك الأساليب ما كان ينطوي على استخدام أو استغلال عناصر الطبيعة ما بين قدرات الاستخفاء وأساليب الخداع والتمويه واستغلال الحشرات ومنها أسراب النحل القارصة ونصب الشراك الخداعية واجادة لعبة الكر والفر يستقوي بها الطرف الضعيف موضوعيا لكي يتغلب على الطرف القوي المغرور. ثم هناك اسلوب النضال المتوسل بالصبر الطويل الجميل الذي انتهجه مناضلو جنوب افريقيا وقدموا على طريقه التضحيات والشهداء الى أن تكلل الكفاح الأفريقي باقرار حكم الأغلبية الافريقية السوداء والاسقاط التاريخي لنظام الابارتيد العنصري الذي كرسه أخلاف المستوطنين البيض في جنوب افريقيا. هذا الاستعمال الاستيطاني وبمناسبة قضية المستوطنين, فنحن نطالب من جانبنا تغيير مصطلح الاستيطان لكي يحل محله في الخطاب السياسي الفلسطيني العربي مصطلح الاستعمار (كولونيالزم) وليس لك أن تظن أن الأمر مجرد اجتهاد متحمس من جانبنا.. والاجتهاد مأجور في كل حال.. ولكن استرعى اهتمامنا مقال مهم نشر مؤخرا للكاتب السياسي الأمريكي ويليام بفاف (جريدة هيرالد تريبيون عدد 29/10/2000) واختار له عنوانا بالغ الدلالة هو: المستوطنات (المستعمرات الصهيونية) مسئولية ثقيلة (أو عبء ثقيل). ولأن الكاتب رجل يحترم قلمه بقدر ما يحترم قارئيه فقد عمد الى تصدير مقاله برأي قال فيه بالحرف: ان احتلال اسرائيل لكل من الضفة الغربية والقدس الشرقية ومرتفعات الجولان (السورية) وقطاع غزة, أدى الى تدمير علاقات اسرائيل بالعرب قاطبة على مدى 30 عاما). ويمضي الصحفي الأمريكي ليصف هذا الاحتلال بأنه كان (غلطة اسرائيل الكبرى) في ضوء ما يصفه أيضا بأنه ( التأثير المسموم والانقسامي الذي نجم عنه بالنسبة للحياة السياسية في اسرائيل) وفي هذا السياق يحيل الاستاذ (ويليام بفاف) الى كتاب نود أن نلفت اليه أنظار المحللين السياسيين العرب وقد أصدره الباحث الأمريكي (ميتشل كوهن) وقد تكون أصوله يهودية كما يبدو من اسمه والكتاب يدور حول الجذور العقائدية لاسرائيل الحديثة. والكتاب المذكور ينقل عن بن جوريون الذي يعدونه المؤسس الأول للدولة الصهيونية قوله محذرا من وجهة نظره طبعا لإدامة أوضاع الاحتلال الاسرائيلي. خطيرة هي النتائج المترتبة على ضم اسرائيل لمناطق تشمل أعدادا كبيرة من السكان العرب (ومن رأيي) يضيف بن جوريون أن الأمر يقتضي تنازلات اقليمية في القضايا المتعلقة بالأرض ومعالجتها باسلوب الاعتدال بعد ذلك يوضح الكاتب بفاف كيف بدأ عملية المستوطنات بشكل جدي وقد اسميناها المستعمرات الصهيونية في الأرض المحتلة (الضفة الغربية وغزة والجولان) في عهد حكومة الليكود برئاسة مناحيم بيجين عام 1977 (وهو بمصادفة تاريخية ليست بالسعيدة عام زيارة الرئيس المصري السادات لاسرائيل). اجماع صهيوني وقد انفتح هذا الباب الشرير أمام حركة الاستعمار الاستيطاني أو هو الاستيطان الكولونيالي للأرض العربية المحتلة (بعد عام 67) على مصراعين أساسيين:- الأول: يتصل باليمين الصهيوني الرافع لشعار الدين أو التدين , وقد طالب أصحابه وقتها باستعمار ما وصفوه بأنه الأرض التوراتية المقدسة. الثاني: يتصل بخصومهم من أهل اليسار العلماني الاسرائيلي الذين طالبوا بما وصفوه وما زالوا يصفونه بأنه (اسرائيل الكبرى) معلنين في هذا السياق بالذات كما يضيف ويليام بفاف أن لاسرائيل الحق في الاحتفاظ بهذه الأراضي (العربية) بحكم نبوءة التوراة وبحكم احتلالهم السابق لها قبل أن يقوم الرومان بتدمير الهيكل الثاني, واذا كان الصحفي الأمريكي الذي نحيل اليه في هذه السطور يعلق قائلا في موضوعية بديهية ان كل هذه الادعاءات مخالفة للقانون الدولي, فقد نعلق من جانبنا على غرابة أن لم يكن خطورة هذا الطرح الصهيوني إذ يطالبون بأرض زعموا أنهم كانوا يحتلونها في العصر الروماني قبل الميلاد. وعلى فرض جدلي بصحة هذا الادعاء وهو بحد ذاته أمر تدحضه جمهرة من المؤرخين, فهل يحق للعرب, مثلا, أن يطالبوا بشبه جزيرة ايبيريا أسبانيا المعاصرة والبرتغال وقد أمضوا فيها نحو 7 قرون باجماع تاريخ البشرية القديم والوسيط والحديث بل شادوا في ايبيريا حضارة الأندلس المتقدمة المزدهرة التي كانت ثمراتها العلمية والفكرية جسورا وطيدة عبرت على متنها أوروبا والعالم من حيث القرون الوسطى الى عصر النهضة ومن ثم الى العصر الحديث؟ بل هل يحق لايطاليا الحديثة, وريثة روما القديمة أن تطالب مثلا بفرنسا (بلاد غالة التي فتحها يوليوس قيصر لحساب امبراطورية الرومان) أو يحق لفرنسا أن تطالب بانجلترا وقد غزاها ويليام الفاتح في سنة 1100 بعد ميلاد السيد المسيح عليه السلام.. ناهيك أن يحق لتركيا أن تطالب باعادة امتلاك منطقة الشام (وفيها الآن الخنجر الاستعماري الصهيوني المغروس) ومصر أيضا على أساس أنها كانت تلك أرضا عثمانية تركية حتى الأمس القريب عام 1914 بل ورسميا حتى زوال الامبراطورية العثمانية عام 1923؟! إن الكاتب الأمريكي يستخدم في مقاله المنشور كما أسلفنا في واحدة من كبريات الصحف الأمريكية الدولية يحرص على استخدام كلمة استعمار (كولونيزيشن) في وصفه للاستيطان الصهيوني في الأرض المحتلة.. وهو يحيل في هذا السياق الى المصادر الاسرائيلية ذاتها التي تفيد بأنه بعد اتفاق أوسلو (إياه) وقد لقى ما لقيه من دعايا المروجين توجه الى الأراضي (العربية) المحتلة أكثر من 78 ألف (كولوتست) بمعنى مستوطن مستعمر, والتعبير أيضا من عنديات الكاتب الأمريكي الذي يعني تماما ما يقول حيث المصطلح كولونست مشحون بكل دلالات تاريخ الاستيطان الاستعماري في أقطار افريقية مثل روديسيا وأقطار عربية مثل الجزائر التي كان المستعمرون الفرنسيون المستوطنون لها وقد حملوا نفس الاسم بالفرنسية كولون هم العقبة الكأداء في سبيل الاستقلال. ثم يوضح (بفاف) أن هذه الآلاف المؤلفة من الصهاينة استعمروا الأرض العربية في الضفة والقطاع والجولان فعلوا ذلك علاوة على المستوطنين المستعمرين الذين سبقوهم خلال العقود التي انصرمت من القرن العشرين وقد هيأت حكومة اسرائيل لسكناهم أكثر من أحد عشر ألف بيت. ومن أجل ذلك قام الجيش الاسرائيلي بهدم 895 من بيوت العرب. شعور بالعزلة في اسرائيل ويمضي بفاف ليوضح مؤكدا أن الأسابيع الأربعة الأخيرة, وهي عمر انتفاضة الشعب الفلسطيني الثانية, مازالت تشهد شعورا عميقا بالعزلة في داخل اسرائيل وبالخشية المتوجسة على مستقبلها. وهو ما يفسر في رأيه وفي رأينا أيضا خمود أو سكوت أصوات اليسار الاسرائيلي التي طالما ارتفعت عقائدها بشعارات السلام مع العرب وامكانيات التعايش معهم, ناهيك عن التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والثقافي على نحو ما بشرت به أفكار شيمون بيريز عن (الشرق الأوسط الجديد) وفي هذا الصدد يقول الكاتب الأمريكي: حتى اليسار الاسرائيل, وقد كان يقف دوما ضد الاستيطان الاستعماري, ويؤيد محبذا عملية السلام, أصبح الآن يرى أن اسرائيل مهددة بخطر مهلك أو مميت وقد عبر عن هذا الشعور في مقال نشرته مؤخرا صحيفة هاآرتس واسعة الانتشار قال فيه كاتبه: لقد عدنا من جديد لنواجه كفاح الحياة أو الموت (أصبح ظهرنا الآن الى البحر). ثم يعلق بفاف على هذه التصريحات واصفا اياها بأنها لا تنهض على سند من الواقع وذلك في ضوء التحالف الذي يربط بين اسرائيل وأمريكا. ما العمل إذن.. ما سبيل الخروج من الطريق الحالي المسدود؟ الرد العربي والصهيوني من جانبنا العربي يتمثل الجواب الوحيد في المزيد من الكفاح بكل ما ينطوي عليه من تضحيات وبكل ما يكلفه من مغارم وما ينجم عنه من تبعات واذا كان قدر الفلسطينيين أن يكونوا رأس الحربة كما قد نقول, فإن بدن الحرية ذاتها هو محيط أمتهم العربية وعالم اخوتهم الاسلامية فضلا عن مؤازرة شعوب شتى في كل أنحاء المعمورة. من الجانب الاسرائيلي الصهيوني باتوا يتحدثون عن مخططات تحمل عناوين الفصل والعزل واغلاق سبل الاتصال بين مجتمعي العرب واليهود. وقد نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت الاسرائيلية مؤخرا تقريرا عن مخطط جديد يرمي الى وضع الشرطة الاسرائيلية تحت قيادة الجيش مع دعمها بوحدات مكافحة الشغب (ولك أن تتصور تزويد الوحدات المذكورة بأسلحة الحرب الشاملة المستخدمة في الجيوش من دبابات وصواريخ ومدرعات وأسراب طيران.. الخ) ونحن لا نبالغ في هذا التصور فالتقرير الصهيوني يقول بأن التعرض للقوافل العسكرية الاسرائيلية أو التجمهر أو اطلاق النار على المستوطنات - المستعمرات الصهيونية سوف يقابل بـ(ردود انتقامية كثيفة وشاملة) وباستخدام (دبابات وصواريخ الهجوم). وبالنسبة لأركان الكيان الصهيوني المحتل, يمثل هذا المخطط كما وصفوه تحسينا لحالة واجراءات الأمن في اسرائيل. بالنسبة للمراقب من الخارج فإن ذلك يشكل سلوكا سادرا مستفزا في مجال استخدام القوة الموغلة المفرطة.. في حين أن للقوة ذاتها حدودا خاصة اذا كانت كما في حالة أمريكا في فيتنام أو في حالة اسرائيل في فلسطين قوة غاشمة تتميز بقدر غير محسود من الصلف والغرور. في هذا الخصوص يختتم الصحفي الأمريكي ويليام بفاف مقالته المهمة قائلا: بالنسبة للمراقب الخارجي, فإن هذه الاجراءات لا تشكل تحسينا للأحوال أنها تبدو بمثابة حصار تفرضه (اسرائيل) على نفسها ولأمد طويل طويل. كاتب سياسي من مصر