أبجديات _ تكتبها: عائشة إبراهيم سلطان

عندما سجلت الطفلة النابلسية (لينا) اسمها في سجل شهداء انتفاضة عام 1987 كأول الشهداء الفاتحين بوابات النهار في ليل الصراع مع العدو الصهيوني في ذلك العام, فقد رثاها الشعراء وغنَّاها أحمد قعبور (لينا كانت طفلة تصنع غدها, لينا سقطت لكن دمها, كان يغني..) ومثل (لينا) التي لم يدعها الرصاص الأمريكي والحقد الصهيوني تكمل صناعة غدها كما كانت تحلم ويحلم لها أبواها, كان محمد الدرة, وصلاح, ونبيل, وهلال, وبلال, ومحمود وغيرهم وغيرهم من الأطفال الذين كانوا يصنعون غدهم بالحجارة, ورائحة احتراق اطارات السيارات. ويتوقف مجد الكلمات, وتصبح القصائد والمقالات أشلاء حروف وبخور بلا داعٍ في معبد مهجور, عندما تطالعنا الكاميرات بصورة ذلك الأب الفلسطيني النازف قهرا منذ سنوات, وهو يطبع قبلة الوداع الأخيرة على جبين ابنه الشهيد, أو بصورة تلك الأم الصامدة كالجبال وهي تنعى ابناءها الذين جاءها خبر استشهادهم وهي لا تزال واقفة عند الباب تنتظر عودتهم. لينا, ومحمد ومحمود و... يصنعون غد كل الأطفال الذين يولدون اليوم في فلسطين أو سيولدون غدا, يصنعونه بالحجارة, بالدم, بالعظام المكسورة, وبالقهر المتراكم جبالا, القهر الذي راكمته خطايا السياسة والمصالح الغربية والأمريكية والأنظمة العربية بلا استثناء. ولان لينا ومحمود ومحمد الدرة, ليسوا أطفالا أمريكيين, وليسوا انجليزيين أو اسرائيليين, فلا حق لهم في الحياة, وسواء حصدهم الرصاص الصهيوني بليل أو في عز الظهيرة, وسواء أكان هذا الرصاص مطاطيا أو حيا, وسواء أهدمت منازلهم على رؤوسهم ورؤوس أمهاتهم وآبائهم أو عاجلهم الموت من بندقية قناص يهودي حقير, فإن موتهم مباح, ودمهم مستباح, وممنوع بأوامر سادة البيت الأبيض والكنيست وكل أعوانهم أن يطالب أحد بالقصاص من قتلتهم وجلاديهم, لان هذه المطالبة ستسجل ضدنا وسنسجل بسببها في قائمة الارهاب والارهابيين وأعداء السامية, وسنطرد من جنة البيت الأبيض الأمريكي. وبينما يرتفع عدد الشهداء, وتتزايد بيوت العزاء, وبينما تتكاثر القبور وينمو مزيد من شقائق النعمان على كل الأرصفة والشوارع الفلسطينية, لا يزال الساسة والدبلوماسيون وموظفو الجامعة العربية يفكرون في آليات تنفيذ مقررات القمة العربية وينظرون في (تطورات) العنف في فلسطين! فهل ما يجري في عروق السياسيين عندنا دم حقيقي, أم مياه مثلجة؟ وما حكاية هؤلاء الذين يصرخون مطالبين باسقاط كل الخيارات في مواجهة (إسرائيل) وأمريكا وذلك ـ من وجهة نظـرهم المشئومة ـ لان العرب متخلفون وضعفاء ولا يستطيعون الاعتماد على أنفسهم!! أحدهم وفي محطة فضائية, قال: (الحرب خيار غير مطروح اطلاقا, والمقاطعة كلام فاضي, والمظاهرات لا معنى لها, وحرق العلم الاسرائيلي لن يحرر القدس, و...) إذن ما هو المطلوب؟ ومن قال ان الحرب خيار غير مطروح اطلاقا؟ نحتاج اليوم في اعلامنا إلى المزيد من التضامن حول فكرة الحق الفلسطيني والعربي, والمزيد من التضامن والتلاحم حول اذكاء وتقوية الانتماء للقضية العربية الأولى, وخاصة في قلوب الأجيال الشابة التي يريد لها الاعلام الأمريكي والصهيوني أن تتشبع بثقافة السلام الاسرائيلي, وان تتقمص شخصية الإنسان المنسلخ من كل انتماءاته وعروبته ودينه وعدائه للصهيونية, هذا الجيل يجب أن يكون هدفا للاعلام العربي اليوم وان يوجه له خطاب الوعي والعقل والعاطفة وان نراهن عليه باعتباره الأمل وعود الثقاب وبرميل البارود وروح الأمة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات