شكلت انتفاضة الاقصى المبارك منعطفا قويا في النضال الوطني الفلسطيني والعربي وفي الصراع مع اسرائيل, سواء في توسيع رقعة المقاومة الشعبية للعدوان الاسرائيلي او في دفع الموقف العربي الرسمي والشعبي الى مواقع متقدمة نحو استعادة العمق العربي والاسلامي للقضية الفلسطينية, فقد نقلت الانتفاضة النضال الفلسطيني من طور الالتزام الامني بما نتج عن مسيرة اوسلو الى طور استعادة الحق المغتصب حق العودة وتقرير المصير واقامة الدولة المستقلة, اذ شق الدم الفلسطيني طريقه الى شرم الشيخ والقمة العربية غير العادية والاتصالات السرية الجارية في صيرورة ذاتية تنم عن تصميم اكيد لاسترجاع الحقوق المغتصبة. ومع ان القمة العربية موضوعيا ربما لم تكن قادرة على الخروج بقرارات اكثر مما خرجت بها بشأن دعم الفلسطينيين واتخاذ مواقف حيال اسرائيل لاسباب تتعلق بالوضع العربي والاقليمي والدولي فإن العمل على استمرار الانتفاضة ودعمها امر ينبغي ان يحظى باهتمام الدول العربية والاسلامية في مواجهة تمادي اسرائيل وعدوانها البشع ضد الشعب الفلسطيني ومشاريعها الهادفة الى قضم المزيد من الاراضي والمقدسات هذا من جهة, ومن جهة ثانية فان اهمية هذا الدعم ينبع من ان خيار الحرب النظامية ضد اسرائيل لاستعادة الاراضي غير مطروح عربيا في وقت تشكل فيه الانتفاضة افضل الطرق لتحقيق ذلك, اذ ان الحجارة والزجاجات الحارقة والصبر والصمود وتحمل الخسائر والعمليات الموجعة.. كلها كفيلة بارباك الاستراتيجية العسكرية الاسرائيلية خاصة مع انتقال المواجهات الى داخل اراضي عام 1948 وتحول الجيش الاسرائيلي الذي اشتهر بنظرية الردع والمبادأة من خلال القصف الجوي الى جيش من الشرطة يلاحق الاطفال والنساء والشبان في الشوارع والازقة, ومن جهة ثالثة فان الانتفاضة شكلت الارضية السياسية لاستعادة التضامن العربي والتأسيس لمرحلة التفكير المشترك بإزاء القضايا القومية, فبالرغم من التباينات العربية بشأن القرارات التي اتخذت خلال القمة حيال اسرائيل الا ان ما تم التوصل اليه وتشكيل لجنة لمتابعة مقررات القمة وقرار الانعقاد الدوري السنوي للقمة كلها عناوين في مضمار العمل العربي المشترك الذي ينبغي ان يكون على مقربة فعلية من الداخل الفلسطيني لا في مجال الدعم المالي فقط بل الاعلامي والسياسي والدبلوماسي والامني ايضا, ومن جهة رابعة فان الانتفاضة الى جانب الهزيمة التي منيت بها اسرائيل في جنوب لبنان وضعت المؤسسة السياسية الاسرائيلية في ازمة خانقة, اذ ان باراك الذي وعد في برنامجه السياسي بتحويل اسرائيل الى دولة لكل المواطنين العرب والاسرائيليين تجاوز نتانياهو في عنصريته وتطرفه, وشارون الذي يهرب من ظل نتانياهو الانتخابي تحول الى نازي من الدرجة الاولى ينبغي محاكمته بصفته مجرم حرب امام المحاكم الدولية فيما حلم اسرائيل بالتحول الى دولة معترف بها في المنطقة يتراجع يوما بعد آخر, فضلا عن هذا فإن الاعتداءات الاسرائيلية الوحشية على المواطنين الفلسطينيين العزل مرغت صورة اسرائيل الوديعة السلمية في وحل العنصرية الصهيونية القاتلة وأضحت في موقع التنديد الاقليمي والدولي, كما ان خسائر اسرائيل اليومية تقدر بملايين الدولارات من جراء استمرار الانتفاضة. وهكذا لم يعد العدو بمفهوم اسرائيل الجيوش العربية التي تملك الاسلحة بل الانتفاضة التي نقلت الصراع الى الداخل الاسرائيلي وأضحت المؤسسة السياسية الاسرائيلية في مأزق جدي, فهي تدرك ان العنف لن يحل لها مشكلة وفي الوقت نفسه ترفض مبدأ الحوار المتكافىء مع الفلسطينيين وتصطدم مفاهيمها العنصرية بالواقع الذي يحمل في دلالاته التاريخية والقانونية والسياسية والثقافية حق الفلسطينيين والعرب في اراضيهم ومقدساتهم وبما نصت لهم ولغيرهم المواثيق الدولية من حق تقرير المصير والسيادة على الارض التاريخية. في الواقع بقدر ما تشكل الانتفاضة بدلالاتها المختلفة حالة نضالية متطورة في مواجهة التحديات الاسرائيلية فانها في ظل الظروف الداخلية الصعبة والتي تمر بها بحاجة الى الدعم العربي والا فانها معرضة للتراجع والانكفاء والتوقف تحت وطأة الصعوبات والظروف الامنية خاصة اذا ما لجأ باراك الى تحقيق هدفه هذا عبر اعادة التنسيق الامني. وعليه فإن استمرار الانتفاضة التي عمت ارجاء الاراضي الفلسطينية يتطلب تشكيل قيادة مشتركة من كافة القوى والاحزاب والقطاعات الشعبية الفلسطينية تقوم بمهمة ادارة الانتفاضة وآلياتها ونشاطها متعدد الجوانب كي لا تكون معرضة للانحياز في لحظة ما او ان تتحول من مسار مواجهة الاحتلال الاسرائيلي الى حالة امنية فلسطينية داخلية تكون سببا للشقاق بدلا من الوحدة الوطنية, مع التأكيد على اهمية الانتفاضة في الصراع مع اسرائيل واسترجاع الحقوق المغتصبة واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة فان العوامل الذاتية للانتفاضة معرضة للتآكل ما لم يكن هناك دعم عربي فالخسائر البشرية والاقتصادية كبيرة, اذ ان عدد الشهداء في الاسابيع الثلاثة الاولى تجاوز 150 شهيدا والجرحى نحو سبعة الاف جريح فيما قدرت الخسائر الاقتصادية خلال الفترة نفسها بنحو 186 مليون دولار وهو مبلغ مرشح للزيادة بنسب كبيرة بسبب توقف الدورة الاقتصادية في الاراضي الفلسطينية, والمبالغ التي قررتها الدول العربية خلال القمة لدعم الانتفاضة غير كافية لتأمين البديل المالي جراء الخسائر الكبيرة التي يتكبدها الفلسطينيون ولاستمرار الانتفاضة وتحقيق اهدافها الوطنية. لقد دخلت الانتفاضة الحياة السياسية العربية كأهم حدث منذ مؤتمر مدريد, وبالرغم من انه من المبكر تقييم نتائجها السياسية بسبب المحاولات الرامية الى اجهاضها واستثمارها الا انها في الوقت نفسه برهنت بصورة ملموسة قدرة الشعب الفلسطيني التصدي للمشاريع الاسرائيلية وامتلاك ارادة المقاومة من اجل استعادة الحقوق والتحرير بدلا من الركون والاستسلام لسياسة الامر الواقع والتسوية. كاتب سوري