منذ اللحظة الأولى التي تولى بها باراك مقاليد الحكم في إسرائيل, والتي جاءت على أنقاض الانهيارات التي أحدثها سلفه الليكودي بنيامين نتانياهو, ظن غالبية المحللين السياسيين والمختصين بشأن الصراع العربي الإسرائيلي, أن مرحلة سياسية جديدة قد بدأت تلوح في الأفق, خاصة وأنه الأكثر تمثلاً وتمثيلاً, للاتجاه السلمي داخل إسرائيل, والذي ينادي بسلام شامل وكامل مع الأطراف العربية ذات الصلة بشكل مباشر مع إسرائيل, إن لجهة الجوار الجغرافي, أو لجهة مشكلات الأراضي المحتلة في عام 1967وبعض ملحقاتها الأمنية والمائية اللوجستية. وقد بدأ البعض يرى أن ثمة اتجاها في إسرائيل أرساه إسحاق رابين, وأن باراك هو الممثل الحقيقي لهذا الاتجاه, حتى بعض الدوائر السياسية في أوروبا والولايات المتحدة التي ترى من مصلحتها حل الصراع في الشرق الأوسط, وجدت في باراك المخلص والشريك الوحيد في هذه العملية الشاقة والمضنية هي الأخرى, وأنه الأقدر على بناء الشراكة وحمايتها, نظراً لسجله العسكري المليء بالانتصارات على العرب, التي عكست ثقة الشارع الإسرائيلي بسياسته ورؤيته المستقبلية لكيفية وشكل العلاقة المستقبلية مع المحيط العربي, وأن من واجب الأطراف العربية بما في ذلك الطرف الفلسطيني العمل من أجل إنجاح مساعي باراك ومنحه الدعم السياسي الكبير, الذي سيعكس نفسه بشكل إيجابي على المستوى الداخلي الإسرائيلي من أجل التقدم في هذه العملية. ولعل هذه الاتجاهات غربية كانت أم عربية, لم تخبئ قناعتها وبدأت تشيعها على الملأ من خلال المؤتمرات الصحافية والتصريحات السياسية التي تبثها وسائل الإعلام بكل أصنافها ومسمياتها, بعد كل لقاء تفاوضي أو اجتماع تداولي وتنسيقي. وليس من الغرابة بمكان إذا ما قلنا أن جملة هذه القناعات التي سادت, هي التي فتحت الطريق وبسهولة منقطعة النظير, أما العديد من القنوات السياسية والدبلوماسية والعلاقات الاقتصادية والتجارية, أمام إسرائيل باتجاه المنطقة العربية, والتي صبت كلها في تشجيع باراك ودعمه على خصومه الداخليين بداية من اليمين القومي وانتهاء باليمين الديني وما بينهما من ألوان الطيف السياسي والحزبي, ككتل معادية للسلام مع العرب, للمضي قدماً في إنجاز العملية السلمية بالمنطقة, وفض فتائل التوتر, وإرساء حالة من الاستقرار والأمن وبناء علاقات متوازنة على المستويين المحلي والدولي, بما يؤمن لجميع الشعوب حاجاتها ومتطلباتها. ولا غرابة أيضاً, إذا ما قلنا أن الواقع العربي بكل مؤسساته بما في ذلك الشعبية والرسمية انطلاقاً من هذه الرؤية والقناعة المتفائلة, بدأت ترى أن تحقق السلام أصبح قاب قوسين أو أدنى, وأن التوصل للحل النهائي مرهون بعامل الوقت وبعض التفاهمات الإجرائية, التي سترتسم معالمها على الأرض, بداية من استكمال مراحل الانسحابات التي اتفق عليها في وقت سابق وصولاً إلى إعلان بيان الاستقلال الفلسطيني المتزامن مع تشييد الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية, بما في ذلك عودة اللاجئين الفلسطينيين حسب الاجندة التي يتم الاتفاق عليها. لكن على ما يبدو أن التخلي عن السجل الشخصي قد يصل حد الصعوبة الكبرى, التي لن يعرف صعوبتها إلا أولئك الذين يطلب منهم التخلي عن جلدهم إن كان ذلك لجهة السلوك الخير أو السلوك الشرير, وإذا كانت القضية بهذه الصعوبة فالسؤال الذي يحتل حيز الزمان المحدد والمكان الضيق, كيف سيتخلى ذاك الذئب عن جلده ليلوذ بجلد الحمل ؟ فللإجابة عن هذا السؤال لابد من التطرق إلى تاريخ باراك المليء بالقتل والاغتيالات والتآمر حتى على أقرب المقربين, فهو وحسب اعترافات حلفائه على المستوى السياسي بأنه لا يقيم للعلاقة السياسية الموضوعية حسب برنامج حزبه السياسي الذي وضعه بين ليلة وضحاها في أعلى درجات السلم السلطوي في إسرائيل, وأن سقف سياسته, ترتكز بمجملها لحساباته الشخصية, فهو ظل يسعى لاسترضاء حركة شاس الدينية الشرقية على حساب حلفائه الطبيعيين في حركتي ميرتس وشينوي العلمانيتين وحتى على حساب حزب المركز, الذي يعتبر من أكثر الأحزاب قرباً لسياسته, بل وقطاع واسع من حزب العمل نفسه. ناهيك عن سلوكه الشخصي المبني على أخلاقية بوليسية مطلقة تحمل كل أنواع الشك التي فاقت الشك الديكارتي ذاته, وتستند إلى الإقلال بالكلام, وتلوذ في التعالي والتذاكي على الآخرين ليس في الداخل فحسب وانما إزاء الخارج أيضاً. واستناداً لذلك فهو رغم التبشير بإنجاز العملية السلمية مع الفلسطينيين, إلا أنه أنجز كل المشاريع الاستيطانية حتى التي أوجلت في عهد سلفه بنيامين نتانياهو, اليميني المتطرف, وهو الوحيد الذي أمر بقصف المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية بالداخل, وضرب بيد من حديد عبر أجهزة الأمن والشرطة فلسطينيي عام ,1948 رغم أنهم يعتبرون من مواطني الدولة, انطلاقاً من مفهوم وأخلاقية عنصرية واضحة لا لبس فيها. أي أنه سرعان ما تراجع, عن القرار الذي أصدرته الحكومة الإسرائيلية بقيادة باراك مؤخراً, بإصدار طابع بريدي يحمل عبارة بلد الأديان الثلاثة, إضافة إلى رموز الهلال والصليب والشمعدان اليهودي, وقد أثار هذا الطابع عاصفة في الأوساط الدينية اليهودية المتزمتة, وأعلن عضو الكنيست ابراهام رايتس من يهوديت هاتوراه في رسالته الاحتجاجية إلى وزير الاتصالات بأن أرض إسرائيل ليست بلدا للأديان الثلاثة, إنها أرض الميعاد. وهنا ما أردت إيصاله من هذه الحادثة, القول بأن ما نشهده من خطوات لباراك جاءت بعد جملة المشكلات التي أحدثتها هذه الخطوة, و قد كانت وبالاً على الشعب الفلسطيني في كل المناطق الفلسطينية دون استثناء. وعلى ما يبدو وانطلاقاً من الخلفية العنصرية المتأصلة عند باراك, ودعم الصهيوني المتطرف شارون كانت جباً لخطيئته التي ارتكبها, ومحاولة لاستقطاب القوى الدينية مرة أخرى لترميم حكومته المتداعية. ولم يقف بعنصريته عند هذا الحد بل سبق نظام الابارتيد الذي كان قائماً في جنوب إفريقيا, فقد وصل باراك بكل عنجهية وصلف غير مسبوقين بطرح قضية المعازل, من خلال بناء كانتونات وبنتوستونات للمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية, وعزلها عن بعضها البعض من خلال الطرق الاستيطانية الالتفافية التي كان قد أنجزها بالنيابة عن سلفه نتانياهو, لكن هذه المرة بالإضافة إلى الطرق الالتفافية, أحزمة من الأسلاك الشائكة المكهربة, ومحطات الإنذار والرقابة الدائمة, ليذكرنا بمعازل النازية, وكأن الشعب الفلسطيني والعربي هو الذي اخترع المحرقة. وذلك كخطوة أولية لعزلها عن محيطها العربي مع الأردن ومع مصر, ووضعها إلى أبعد مدة زمنية حتى يستكمل كل المشاريع الاستيطانية على الأرض, ويهجر الجزء الأعظم من الشعب الفلسطيني من خلال التجويع المنظم لهم. ومن نافلة القول أن هذه الخطوة هي التي كانت متأصلة لدى العقل العنصري الإسرائيلي, خاصة باتجاه الضفة الغربية, وهذا ما كانوا يريدوه كحل دائم لمستقبل الفلسطينيين, لكنه يمرر هذه الأيام من خلال التصريحات على أنه حل مؤقت, ولا يوجد خيارات عند كل الاتجاهات الإسرائيلية بكل مسمياتها غير هذا الحل العنصري المقيت, الذي ينطلق من محاسبة الآخر والنظر إليه, انطلاقاً من المقولات العرقية والدينية الضيقة, التي عفا عنها الزمن وأصبحت على المستوى العالمي مجرد ذكرى لعصور بائدة. وليس من المستغرب إذا ما قلنا أن هذا الحل الذي تقدم به باراك ويعمل على تعميمه عند بعض الدوائر الغربية والأمريكية, هو الثمن الذي يقدمه لشارون كهدية لبناء ما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية. وهذا يؤكد لنا من جديد أنه لا فرق على الإطلاق بين ما يطلق عليهم باليسار أو اليمين أو الوسط, وأنه في أي لحظة قد ينتقل هذا الطرف إلى الخندق الآخر, وبالعكس. والخطورة في هذه الرؤية الأمنية العنصرية, تكمن في محاولة السيطرة على كل الأراضي الزراعية, وابقاء المناطق الفلسطينية دون فضاءات تحيط بها ومن ثم يصل الفلسطينيون إلى لحظة لا يجدون أية إمكانية على الأرض حتى للمطالبة ببقايا أشلاء دولة فلسطينية مستقلة, لأنها لا تمتلك أية مواصفات الدولة. لكن السؤال هل سيتمكن باراك وغيره من تنفيذ مأربه على الأرض ؟ أم أن ما يجري هو مقدمة لحرب طويلة قد تؤدي في نهاية الأمر إلى إحداث تغيير في السياسة والجغرافيا على حد سواء؟ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق