لو طرحنا أسئلة مستقبلية تقول: ماذا نريد لمدينتنا أن تكون؟ وكيف نريد أن يراها الجيل القادم؟ وكم نتوقع أن يكون عدد سكانها؟ أسئلة في غاية الأهمية, ولكن قبل الاجابة عنها, لابد وأن نتعرف على تجارب مدن عصرية في الدول المتقدمة مثل باريس ولندن, أو مدن أصغر مثل ميونيخ وجنيف وبرايتون.. لابد أن نعرف كيف كانت هذه المدن, وكيف أصبحت الآن؟ مدينة مثل باريس هي بلا شك من أجمل المدن الأوروبية تخطيطا وعمارة.. شوارعها واسعة, وأرصفة المشاة فيها أوسع, ناهيك عن وجود مواقف السيارات في بعض الشوارع تحت الأرض اضافة إلى وجود شارع مثل الشانزلزيه الذي لا يوجد له مثيل في العالم من ناحية سعته وجماله واسلوب التناسق في المباني والمحلات التجارية به تتوسطها أشجار الزينة.. ومع ان نظام التخطيط والمباني في باريس لا يسمح فيه بزيادة ارتفاع المباني عن عشرة أدوار إلا نادرا, إلا ان أهلها يشكون من الازدحام وقلة مواقف السيارات. هكذا تبدو باريس, أما لندن فحدث ولا حرج. أغلبنا شاهد ذلك بأم عينيه, حتى ان أغلب أصحاب السيارات يتمنون لو كانت هناك وسائل نقل مريحة أخرى لاستخدموها, وذلك من شدة ازدحام المرور, وحتى المدن الصغيرة التي ذكرناها وصلت إلى ذروة المشكلة, ولا حل يبدو في الأفق بل تزداد مشكلة الازدحام عاما بعد عام, ناهيك عن التلوث والمشاكل الصحية والاجتماعية والاقتصادية حتى وصلوا إلى طريق مسدود, فمهما صرفت الحكومات وبذلت من الجهود, فالقضية ليست توفير مواقف سيارات تحت الأرض أو فوقها بقدر ما هي وصول تلك السيارات إلى الأماكن المراد الذهاب إليها, والسبب ازدياد عدد السيارات وعدم استيعاب الشوارع لها. هذا هو حال هذه المدن وبشكل ملخص وبسيط مع انه عند انشائها لم تكن كذلك. أما الآن, فجميع مستخدمي السيارات ان كانوا من أصحاب المصالح البسيطة, أو كبار رجال الأعمال, أو المسئولين وحتى السياح والزوار يشكون باستمرار من ذلك. هذه المقدمة كان لابد منها قبل الاجابة عن الأسئلة التي طرحناها في البداية, ولنرجع إلى أصل الموضوع إذن: كيف نهيئ مدينتنا (دبي) للأجيال القادمة؟ هل نتركها كهذه المدن التي ذكرناها وغيرها الكثير والكثير من المدن الأسوأ منها, والتي تشتكي من الازدحام والمشاكل المرورية, والازعاج والتلوث والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية؟! نعم (دبي) مدينة جميلة وقد تكون حاليا من أوائل المدن الصغرى الجميلة وذلك في أعين السائح والزائر قبل المقيم, حيث تنتشر فيها أجمل وأنظف الشواطئ والفنادق, وبها أكبر المحلات التجارية والأماكن السياحية والترفيهية لمختلف الأذواق, للأوروبي والعربي ولذوي الدخل المحدود والعالي, بها الأسواق القديمة والحديثة, بها البضائع الرخيصة والغالية الثمن, بها العمارات الشاهقة, والشقق الفاخرة والفلل الجميلة, وفوق كل هذا وذاك فيها الأمن والأمان, يرتاح فيها الساكن ان كان ذلك بشكل دائم, أو السائح والزائر بشكل مؤقت, لذا فهي محببة للجميع. ومن خلال الدراسات التي قامت بها الدوائر المسئولة فإن مستوى الخدمات في مجال الطرق وحركة السير والمرور تعتبر معقولة حسب المواصفات العالمية حتى الآن. ولكن علينا الانتباه للمستقبل خصوصا مع ازدياد نسبة السيارات وحركة المرور, أما بالنسبة للتلوث فتصل النسبة وسط المدينة إلى درجة مقبولة, مقارنة بالمدن المتقدمة والمماثلة لها, وعموما التلوث في المدينة بشكل عام لا يقلق ولا يضر بالصحة العامة, والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية نسبتها قليلة ومقبولة. لكن نحن نتحدث عن مدينة الجيل القادم, فالمدينة لا تبنى إلا للمستقبل, إذن علينا ألا ننظر تحت أقدامنا بل إلى المستقبل. ولكي تبقى دبي كما هي عليه الآن وللأجيال القادمة, لابد أن نأخذ دروسا وعبرا عن مدن سبقتنا ووصلت إلى مرحلة (HOPLES CASE) خصوصا ومدينتنا ما زالت بكرا بكل معانيها, وباستطاعتنا التغلب على الكثير من المشاكل المتوقعة في المستقبل, شريطة أن تتضافر الجهود ونتغلب على مصالحنا الوقتية قصيرة الأمد. إذا أردناها مدينة نظيفة وجميلة ومنسقة كما هي عليه الآن, علينا أن نحدد سياستنا هل نريدها مدينة عمالية؟! أم نريدها مدينة مال وأعمال كما أطلق شعارها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع وتخطط لها حكومتنا الرشيدة, إذا أردناها كذلك علينا التركيز على استقطاب العقول قبل الأيادي علينا اختيار النوعية قبل الكم. إذا أردناها مدينة مال وأعمال علينا الاهتمام بالمعارض التجارية ودعمها وتنويعها, والاهتمام بالمؤتمرات والندوات الاقليمية والدولية والتركيز عليها, وتشجيع واستقطاب الشركات الكبيرة وتسهيل معاملاتها بافتتاح مكاتب وأفرع لها. علينا ايجاد صناعات متطورة تتناسب مع مدينة عصرية نموذجية, علينا التركيز على السياحة والسياح, فمدينة دبي لديها امكانيات لم تستغل بعد خصوصا انها امارة في دولة لها امتداد جغرافي في الخليج العربي إلى بحر العرب, لذا لابد من تشجيع القطاع الخاص على اقامة مشاريع سياحية وصناعية جديدة بابداعات وأفكار غير مكررة, تعتمد على التكنولوجيا أكثر من الأيادي العاملة مما يعني التقليل منها, والاعتماد كذلك على التكنولوجيا واستثمارها بأسلوب علمي في مؤسساتنا العامة والخاصة. أما فيما يتعلق بأنظمة البناء والتخطيط, فعلى الجميع التقيد بها وعدم محاولة تجاوزها تحت أي ظرف وأي مسميات, حتى لا تكون مدينتنا مزدحمة, وللتوفيق بين المصالح الخاصة والتقيد بالنظام علينا ايجاد البدائل وذلك ممكن. وحتى لا نورث للأجيال القادمة مدينة ملوثة موبوءة تكثر فيها المشاكل الاجتماعية والاقتصادية, والمناظر غير المقبولة والمؤذية, والأيادي العاطلة عن العمل والذي قد يزعج المواطن والزائر معا, وبالتالي تكون شبيهة لبعض المدن الآسيوية والافريقية, في وقت نحن في غنى عن ذلك. وأخيرا علينا عدم تجاوز الحد الأقصى لسكان مدينة نموذجية بمساحة دبي. إذا أردناها مدينة مال وأعمال فعلا فلنخطط على هذا الأساس, ولنترك مدينة أحلام للجيل القادم.. هل هذا ممكن؟! نعم ممكن جدا.