التسوية السياسية على مسار أوسلو وتداعياته دخلت (عنق الزجاجة) و(الاستعصاء) باكراً, فالاختلال واسع في ميزان المفاوضات وفي ميزان القوى في الميدان وعلى الأرض. مرجعية المفاوضات وزمام المبادرة بيد اسرائيلة (ولا خطوات ولا مواعيد مقدسة في التنفيذ عملاً بأجندة أوسلو والملاحق والتداعيات), وزحف الاستيطان يتواصل مع جرجرة المفاوضات والاتفاقات. وسياسة الخطوة خطوة الأوسلوية تلهث متخلفة إلى الوراء عن (استحقاقات أوسلو الاسرائيلية) بينما الجانب الآخر نفذ كل التـزاماته على ثقلها وتراجعاتها, والأخطر تداعياتها التنازلية. من هنا تشكلت اللوحة على جانبي المفاوضات, والحالة الفلسطينية لا تتطور في الميدان, ولا في ميزان المفاوضات, وساعة النهاية الزمنية والقانونية لأوسلو وملاحقها حتى الواي مربوطاً بها مفاوضات (الوضع الدائم) تسرع الخطى بسقف مايو 1999. عناصر القوة الفلسطينية غائبة, فالانقسام في صف الشعب الفلسطيني عميق وواسع منذ أوسلو أ ( سبتمبر 1993) وقد بدأ صاخباً عشية مؤتمر مدريد بالاضراب العام الشامل في الوطن والشتات, ثم بالرايات السود عند توقيع أوسلو أ, الوحدة الوطنية الغائب الأكبر ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية الائتلافية مشلولة, منقسمة على نفسها, ومعطّلة, والبرنامج السياسي الجديد المشترك, برنامج القواسم المشتركة الكفيل بتوحيد شعب الوطن المحتل والشتات مفقود منذ خروج فريق أوسلو على البرنامج المشترك وكسر قرارات المجلسين الوطني والمركزي عشية مؤتمر مدريد. وثانيا التضامن العربي الذي انهار بحرب الخليج الثانية لم يتم ترميم جراحه العميقة النازفة على غير صعيد, وفي هذا كله ربح صاف للدولة العبرية والمفاوض الاسرائيلي, وخسائر صافية في مسار ومصير الشعب الفلسطيني والأمة العربية وجبهات التفاوض العربية ـ الاسرائيلية. المحرمات الثلاثة الأزمة عميقة بين السلطة الفلسطينية والشعب, بين المعارضة والسلطة وفي صف المعارضة بطيفها العريض, والممنوعات الاقليمية على الشعب والحركة الفلسطينية تسحب نفسها منذ الغزو الاسرائيلي الشامل للبنان الشجاع عام 1982 وتداعياته, الممنوعات/ المحرمات الثلاثة (لا لإعادة الوحدة الوطنية في اطار منظمة التحرير الفلسطينية الواحدة الموحدة), (لا للمعارضة الوطنية الناهضة الفاعلة, متحدة وغير متحدة), (لا للمقاومة الفلسطينية في اقطار الجوار العربية). وعلى هذا ومنه نبدأ, بادرت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين باطلاق مبادرة فبراير 1997 للحوار الوطني الشامل بين الجميع ومع الجميع فصائل وقوى وشخصيات وطنية, وصولاً لبرنامج قواسم مشتركة جديدة, واقعي, يقف على قدمي الالتزام المتبادل ووضع الاليات الضامنة,, وعليه تتم اعادة بناء وحدة الشعب في الوطن والشتات تحت مظلة البرنامج الجامع, الواقعي المستند والمشتق من برنامج منظمة التحرير في تقرير المصير والدولة المستقلة عاصمتها القدس والعودة, والمشتق من قرارات الشرعية الدولية والقمم العربية واخرها قمة القاهرة ( يونيو 1996) وعلى هذا يتم رفع السقف الوطني الفلسطيني بمنسوب قرارات الشرعية الدولية, فأوسلو وتداعياته هبط عن سقف ومرجعية الشرعية الدولية, وبتداعياته تراجع إلى الخلف بعيداً عن قرارات الشرعية الدولية لبناء سلام شامل متوازن, وعلى قاعدة برنامج القواسم المشتركة الجديد تنهض عملية اعادة بناء ائتلاف منظمة التحرير من جميع الوان الطيف الوطني الفلسطيني, الفكري والسياسي. لم يأخذ الحوار الوطني الشامل مداه, استجابت السلطة الفلسطينية للحوار بافق استخدامي, تكتيكي, مؤقت وقصير الرؤيا والنفس فانتهت حوارات نابلس وغزة ورام الله (فبراير ابريل 1997) إلى الجدار, وعلى جانب آخر شنت (معارضة الشعارات اللفظية الكبيرة) والفاقدة حتى يومنا أي برامج ملموسة سلسلة من المعارك السياسية والدعاوية ضد مبدأ الحوار الوطني الشامل وعليه ضد مبادرة الجبهة الديمقراطية. ومن جديد يتضح ان تداعيات غزو 1982 تمد اذرعها حتى يبقى السقف السياسي والوطني الفلسطيني (منخفضاً وجدرانه من زجاج يسهل رشقها بالكلمات) (فالحيط الواطي كل الناس بتنط عليه) كما تقول الحكمة الشعبية الموروثة. مطلع عام 1998 اطلق المؤتمر الوطني العام للجبهة الديمقراطية في مايو مبادرة (الدولة المستقلة وتجسيد السيادة الوطنية/ مبادرة شاملة لتجاوز مظالم أوسلو واستعادة الوحدة) وقدمت المبادرة الاليات للحوار الشامل والاعمال التحضيرية وعلى مساحة عام كامل لاعلان استعادة السيادة المعطلة وتجسيد سيادة الدولة الفلسطينية المستقلة بحدود 4 يونيو 1967 بسقف 4/5/1999 حيث تنتهي المدة الزمنية والقانونية لاتفاقات أوسلو, ودعت المبادرة لعقد دورة خاصة للمجلس المركزي لمنظمة التحرير (المعطل منذ 1993 بينما نظامه الداخلي يشترط عقده دورياً كل ستة اشهر) لاعلان تجسيد سيادة الدولة على الارض المحتلة عاصمتها القدس واستعادة السيادة المعطلة عملاً بالشطر الآخر من قرار الامم المتحدة 181 لعام ,1948 وقرار اعلان الاستقلال عن المجلس الوطني الفلسطيني في 15/11/ 1998 (الجزائر, الدورة 18). على مدار عام كامل انطلق قطار الحوار في صف الشعب, والحوار والصراع في صف الفصائل والقوى والشخصيات الوطنية نحو اعلان سيادة الدولة بحدود 4 يونيو 1967 عاصمتها القدس نهاية قانونية أوسلو في 4/5/1999 أم التأجيل تحت ضغط اسرائيل والادارة الامريكية, أم الانتظار المفتوح حتى يتم الاتفاق التفاوضي مع اسرائيل على الدولة وحدودها وبلا سقف زمني طالما المرجعية والاجندة الزمنية لخطى المفاوضات بيد اسرائيل؟ مرجل قطار اعلان واستعادة السيادة المعطّلة أخذ بالغليان في صف الشعب والفصائل والشخصيات مع اقتراب وصول اتفاقات أوسلو إلى نهاية السقف القانوني لها في 4 مايو 1999. الاعلان الذي أجهض جال رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات وتنقل على 67 دولة في 60 يوماً متلاحقة, تحضيراً لاعلان تجسيد سيادة دولة فلسطين, ووجد استعداداً من اغلبية دول الاتحاد الاوربي وخاصة فرنسا على الاعتراف بسيادة الدولة على اراضيها المحتلة عند اعلانها في 4 مايو 1999. وروسيا, الصين, فييتنام, كل الدول الاسيوية, الافريقية , ومعظم دول امريكا اللاتينية أكدت استعدادها للاعتراف بسيادة الدولة بعاصمتها القدس عند اعلانها. بريطانيا, المانيا, كندا, اليابان اكدت حق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير والدولة المستقلة غير القابلة للاعتراض (أي الاسرائيلي) وتمنت تأجيل الاعلان بين 6 ـ 8 أشهر ( سبتمبر 1999 والاقصى نهاية 1999) وبأمل الوصول خلالها إلى تسوية شاملة لمفاوضات (الوضع النهائي) على المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي. وحدها الولايات المتحدة طالبت بتمديد عمر أوسلو إلى مايو ,2000 ووحدها اسرائيل هددت باتخاذ اجراءات ضم اراضي من الضفة والقطاع وتسريع تهويد القدس, حيث لا تعتبر هذه الخطوات الكبرى احادية الجانب مستندة إلى عدم وجود أي نص باتفاقات أوسلو وتداعياتها من بروتوكول الخليل إلى واي بلانتيشن إلى شرم الشيخ تشير إلى وقف الاستيطان, فضلاً عن التجاهل الكامل للقدس التي تعلنها الدولة العبرية من جانب واحد (عاصمة ابدية موحدة لاسرائيل) وهذا كله يتناقض مع قرارات الشرعية الدولية 242 بعدم (جواز الاستيلاء على اراضي الغير بالقوة) و252 بإعتبار قرار ضم القدس باطلاً وغير شرعي و(465) باعتبار الاستيطان غير شرعي وغير قانوني فضلاً عن اتفاقات جنيف لعام 1949 وميثاق الامم المتحدة وشرعة حقوق الانسان. تجربة الشعب على الارض وغول زحف الاستيطان, واختلال الميزان في المفاوضات, والصراع على اعلان السيادة والقطع مع سياسة الخطوة خطوة الأوسلوية على مساحة عام كامل بعد اطلاق مبادرة الجبهة الديمقراطية, وجولة رئيس السلطة الفلسطينية الاخ عرفات الدولية والاقليمية, دفعت إلى التطورات المتسارعة التالية قبيل سقف مايو 1999: * اتفاق فصائل منظمة التحرير, ولأول مرة منذ ست سنوات, على عقد دورة خاصة للمجلس المركزي الفلسطيني بين 27 ـ 29 ابريل ,1999 على جدول اعماله (اعلان سيادة دولة فلسطين على الارض الفلسطينية المحتلة عاصمتها القدس) ولاول مرة بعد مقاطعة الجبهة الديمقراطية اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي لمنظمة التحرير منذ أوسلو (13/9/1993) تعلن الديمقراطية مشاركتها في اعمال المجلس المركزي وتقدم (وثيقة للخلاص الوطني) تقترح اعلان تجسيد السيادة في 4 مايو 1999 وتقترح الآليات الضرورية, وتعلن حماس مشاركتها برئاسة الشيخ احمد ياسين اعمال المجلس بصفة مراقب (فحماس ليست عضواً في ائتلاف ومؤسسات منظمة التحرير منذ اعلان تشكيلها في اغسطس ,1988 ولم تكن عضواً في منظمة التحرير. عندما كانت حتى 1988 بصيغة الاخوان المسلمين). * لأول مرّة منذ اتفاق أوسلو (سبتمبر 1993) وبعد سلسلة لم تتوقف من الحوارات والصراعات حول (إعلان تجسيد سيادة دولة فلسطين على الارض المحتلة بعدوان يونيو 1967): وسلسلة من التحركات الجماهيرية الواسعة بشأن استحقاق مايو 1999 لاعلان الدولة المستقلة واستعادة السيادة المعطّلة (مهرجانات, مسيرات, اعتصامات, كتابات, صدامات مع المحتلين والمستوطنين... إلخ)... لآول مرّة تلتقي وتتقاطع فصائل منظمة التحرير (منظمة التحرير) على مربع وطني بارز مشترك لتجاوز مظالم أوسلو, والدعوة (لعدم تمديد الحكم الذاتي والمرحلة الانتقالية (اتفاقات أوسلو) باي شكل من الاشكال). * تداعت قيادات فصائل منظمة التحرير في القدس والضفة الفلسطينية وقطاع غزة قبل اربعة ايام من عقد دورة المجلس المركزي الفلسطيني, واصدرت دعوة ومطلباً سياسياً مشتركاً يقضي بمغادرة سياسة أوسلو, والانتقال إلى مرحلة جديدة باعلان (تجسيد سيادة دولة فلسطين المستقلة على الارض المحتلة بحدود 4 يونيو 1967) وما يترتب عليه من اعادة صياغة الاستراتيجية النضالية لشعب موحد والاستراتيجية التفاوضية في اطار قرارات الشرعية الدولية وبالاستناد إلى اعادة بناء الوحدة الوطنية, وبذا وصل النضال لوقف سياسة الخطوة خطوة الأوسلوية وتداعياتها ومظالمها , والانتقال إلى برنامج سياسي جديد عنوانه (تجسيد سيادة الدولة بحدود محددّة) إلى مفترق طرق, إمّا وإمّا بين معسكر الشعب والفصائل والقوى والشخصيات الوطنية وبين متاريس الجانب الآخر من جبهة سياسة الخطوة خطوة (فريق أوسلو الفلسطيني, اسرائيل, الادارة الامريكية, و الذين يصبون في دهاليز طاحونة تمديد سياسة أوسلو في الدوائر الاقليمية والدولية). المطلوب سياسة مختلفة * في حمّى الصراع بين سياستين في الشارع بالارض المحتلة والشتات, وفي صف الحركة الفلسطينية داخل الارض المحتلة, ومع اقتراب استحقاق مايو 1999 وحصاد سياسة الخطوة خطوة الفقيرة والثقيلة التراجعات والتداعيات المتزامنة مع زحف غول الاستيطان ومصادرة ارض الوطن التي لا تتوقف, انتهت المدة القانونية لمؤسسات الحكم الذاتي (السلطة الفلسطينية) في 9 مارس 1999 واصبح التمديد لها بالتهريب والامر الواقع خارج قوانين اتفاقات أوسلو (المجلس الفلسطيني الاشتراعي, مجلس السلطة, رئاسة السلطة), فهذه المؤسسات تحت سقف قوانين أوسلو الانتخابية, وعليه فقد انتهت مدتها (الشرعية) وعليه يكون الضروري والقانوني الشروع باجراء انتخابات جديدة وليس تهريب التمديد لهذه المؤسسات بالامر الواقع اذا كان اهل أوسلو ما زالوا مع الايغال بسياسة الخطوة خطوة وحصادها المرّ. البديل (عدم تمديد فترة الحكم الذاتي والمرحلة الانتقالية) واعلان (تجسيد سيادة دولة فلسطين بحدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس) كما تقاطعت واجمعت عليه فصائل منظمة التحرير قبل خمسة ايام من عقد دورة المجلس المركزي الفلسطيني, وعشرة ايام فقط من استحقاق 4 مايو 1999 (باعلان تجسيد السيادة الوطنية المستقلة). وجولات رئيس السلطة الفلسطينية الدولية والاقليمية تدور وتواصل الاعلان اليومي بأن (الدولة المستقلة سيتم اعلانها في 4/5/ 1999) مع تأكيدات عرفات العلنية ان (لا تأجيل لاعلان السيادة). الارض الآن تميد بالجميع, وتحفر في صف اهل أوسلو فلسطينيين واسرائيليين وادارة امريكية وعواصم عربية ودولية. احمد قريع ( ابو علاء) بمطالعته بعد ست سنوات على (تجربة) أوسلو كما يطلق عليها اهلها, تقدم احد ثلاثي اتفاق أوسلو الذي وقّع الاتفاق من وراء ظهر الشعب الفلسطيني والفصائل ومؤسسات منظمة التحرير ووفد واشنطن برئاسة حيدر عبد الشافي, واعلن ضرورة استقبال استحقاق مايو 1999 بسياسة جديدة. وهو يقول: (لقد غدت قضية اعلان الدولة مطروحة على كل المستويات السياسية الرسمية.. التي تمثل مركز القرار الفلسطيني, والحزبية المختلفة بأطيافها السياسية, اضافة إلى القوى والفعاليات السياسية المستقلة, ناهيك عن حالة الحراك الفكري والسياسي التي تمحورت حول هذه القضية في اوساط المثقفين.. من كتاب وصحافيين ومفكرين من كل الاتجاهات.. والخارطة السياسية المحلية تتجاذبها رؤى مختلفة توزعت بين: ـ اتجاه داعم لمسألة اعلان الدولة. ـ واتجاه معارض لهذا الاعلان. ـ واتجاه محبط ويائس.. ولا يتوقع رؤية الضوء في نهاية النفق. ـ وهناك الاتجاه اللامبالي, المهيأ دائماً لكي (يميل حيث الريح تميل). ويصل إلى الاقرار بأن (الغالبية العظمى من القوى الفلسطينية والمنظمات والمؤسسات والجماهير تدعم اعلان الدولة في 4/5/1999 ). ويقدم شهادته بعد عرضه لأسانيد الذين مع والذين ضد, وبعدها يعلن (استناداً إلى ذلك, فانني ارى ان الموقف الفلسطيني يجب ان يكون مع اعلان الدولة في الموعد المحدد, مساء الرابع من مايو 1999 وصباح اليوم التالي الخامس من مايو 1999) ويقدم الاسباب الموجبة لهذا الاستحقاق.