من أي وجه أو وجوه يمكن لقادة الانتفاضة الفلسطينية الباسلة الاستفادة من تجربة انتصار حركة التحرر الوطني الفيتنامية ــ اعظم حركة من نوعها على الاطلاق خلال النصف الثاني من القرن العشرين وحتى يومنا هذا على الولايات المتحدة.. اعظم قوة عسكرية في التاريخ المعاصر؟ مع التصاعد اليومي للانتفاضة الفلسطينية فإن هذا السؤال يتردد كثيرا الآن في اوساط النخب السياسية العربية, والمقابلات والندوات التلفزيونية والاذاعية. لقد شاهدت وقائع الفصل الاخير من الملحمة القتالية الشرسة بين قوات الحركة الثورية لفيتنام الجنوبية والجيش الحكومي لجمهورية فيتنام الشمالية المتحالف معها وبين قوات امريكية قوامها نصف مليون جندي مدعومين بترسانة اسطورة من الدبابات والصواريخ والقوة الجوية والقوة البحرية. وكدبلوماسي أجنبي مقيم في الصين المجاورة خلال النصف الاول من عقد السبعينيات كنت اتابع بشغف مجريات اكبر اشتباك قتالي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. رأيت اعضاء الهيئة الدبلوماسية في سفارة كل من جمهورية فيتنام الديمقراطية (الشمالية) وجمهورية فيتنام الجنوبية في العاصمة الصينية بكين يتناوبون في السفر عبر الحدود الى الوطن للالتحاق بالمعارك القتالية. ورأيت اعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني يقفون لتجديد مبايعة فام فان دونج رئيس حكومة فيتنام الشمالية, وقد وقف الى جواره شو إن لاي رئيس الحكومة الصينية, على مواصلة الدعم العسكري والاقتصادي للثورة الفيتنامية. ورأيت الدعم نفسه على هيئة قطارات طويلة تغادر بكين صوب العاصمة الفيتنامية الشمالية هانوي عبر الحدود وهي محملة بالاغذية والادوية ــ بالاضافة الى الاسلحة والذخيرة. ورأيت رئيس الولايات المتحدة ريتشارد نكسون يصل الى بكين لانهاء ثلاث وعشرين سنة من القطيعة الامريكية للصين (الحمراء) لكي يستنجد بها طالبا وساطتها لمساعدة امريكا في ايجاد مخرج مشرف من الورطة الفيتنامية. فما هو سر انتصار الثورة الفيتنامية المسلحة وإلحاق هزيمة عسكرية تاريخية بأقوى دولة عظمى.. مما يمكن ان يستفيد منه قادة الانتفاضة الفلسطينية ضد دولة اليهود؟ هناك خمسة عوامل لنجاح الحركة الوطنية الفيتنامية يجمع عليها المؤرخون وهي: * وحدة القيادة.. فعلى مدى 21 عاما لم يسمح اعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي الفيتنامي لاختلافات الرؤى السياسية بأن تتطور الى اشتباكات تصرف انظارهم عن معركة التحرر العظمى. * جماهير منظمة بصورة دقيقة ولها استعداد متجدد للتضحية. * ايديولوجية توحد الصفوف الجماهيرية كعقيدة قتالية يؤمن بها الجميع. * الصبر والمثابرة وعدم تعجل النتائج. * قوة خارجية حليفة لتوفير امدادات السلاح والذخيرة بصورة متجددة. العوامل الاربعة الاولى اما متوفرة او يمكن ان تتوفر للانتفاضة الفلسطينية. اما بالنسبة الى العامل الاخير فإن الثورة الفيتنامية كانت تعتمد في امدادات السلاح المتجددة على (المعسكر الاشتراكي) (بما في ذلك الاتحاد السوفييتي والصين) باعتبار عضوية فيتنام في ذلك التكتل. والسؤال الذي سوف يظل مطروحا بالحاح مع تطور مسار الانتفاضة الفلسطينية هو هل يأتي يوم تقبل فيه مجموعة الدول العربية طوعا او اضطرارا ان تكون المصدر الامدادي للانتفاضة على غرار ما كان عليه دور (المعسكر الاشتراكي) بالنسبة الى الثورة الفيتنامية؟