لا ريب ان اي انسان يستطيع بسهولة ان يشعر بوجود هوة سحيقة تفصل بين حسابات السلطة الرسمية, وتطلعات رجل الشارع في كل قطر عربي, فيما يخص الصراع مع اسرائيل. وربما تكون هذه الفجوة اقل اتساعا في مجالات اخرى. وقد شهدنا تجسيدا عمليا لذلك خلال مؤتمر قمة الاقصى في القاهرة. فأي الفريقين على حق, ومن منهما المخطىء ومن المصيب؟ هل الجهات الحاكمة في اتجاهاتها وقراراتها المعتدلة المهادنة نسبيا, أم الجماهير الغفيرة بهديرها الانفعالي ومطالبها المتشددة, هي الاقرب الى سواء السبيل؟ لا اعتقد ان بالإمكان اصدار جواب فوري حاسم وقاطع على هذا التساؤل, لأن الامر ليس بهذه البساطة, وإن كان المرء يشعر على الاغلب بالتعاطف والتجاوب مع نبض رجل الشارع الذي يتصرف وفقا لفطرته القومية. وعلى كل حال, فإن المسألة تحتاج الى روية وتمعن ونقاش, قبل الخروج باستخلاصات ونتائج محددة. وفي البداية دعنا نستعرض مواقف اصحاب القرار العرب الذين ينطلقون من الاعتماد على الحسابات الدولية وتوازنات القوى بيننا وبين اسرائيل, من جهة, وعلى مستلزمات مصالحهم الخاصة وكراسيهم, من جهة ثانية. وبتعبير آخر, فإن المسئولين الرسميين يفكرون بطرق سياسية وعلمية وعقلانية تأخذ في الاعتبار المعادلات السياسية والضغوط العالمية والمصالح الاقتصادية. فمثلا, اذا اختارت دولة عربية ما طريق رفض مبدأ الحل السلمي من اساسه, والتحضير لشن الحرب ضد اسرائيل, فإنها ستتعرض لضغوط دولية سياسية واقتصادية وربما عسكرية من جانب دول النظام العالمي الجديد, كما انها ستصبح في حالة مواجهة مباشرة مع اسرائيل والصهيونية والولايات المتحدة, مما قد يهدد استقرارها. ونتيجة لهذه الاعتبارات, نجد معظم اصحاب القرار العرب يتبعون سياسات مهادنة, مجاراة للاتجاهات الدولية التي تسعى الى تسوية النزاعات الاقليمية, وإحلال السلام في كل انحاء العالم, ولا سيما الشرق الاوسط. ومثل هذه الامور, لا يعرفها الكثيرون من رجال الشارع العربي,ولا يدخلونها في الحسبان. ولكن علينا ان نلاحظ ايضا ان هناك جهات رسمية عربية ما زالت تجاهر بعدائها المستمر لاسرائيل, ومعارضتها للحل السلمي, اما لاسباب قومية مبدئية تستحق التقدير, او لدوافع مصلحية, وبهدف الابقاء على البنى السياسية القائمة وعدم تعريضها للزعزعة والانهيار بعد التغييرات التي ستفرضها مرحلة السلام. اي اننا لا نستطيع القول ان كل من يعارض الحل السلمي هو مخلص وقومي, لأن للمصالح دورها في هذا المجال. ولنأت الآن الى الاتجاهات الشعبية الغاضبة التي تستقي مواقفها من ينابيع الانفعالات القومية ومعين الحماس الوطني. فالجماهير العربية لا يسعها التسليم بما قام به الاسرائيليون من عدوان صارخ واغتصاب فاضح للحقوق. لذلك نجدها تتمنى لي ذراع المغتصبين وشن حملات قتالية ونضال مسلح لا تلين له قناة ضدهم. ومع ان مثل هذه المواقف تنم عن الاخلاص والوطنية, الا انها تحتاج الى بعض التكيف مع الواقع العالمي القائم, وإلى الجمع بين الانفعال القومي من جهة والتخطيط السياسي والحساب العلمي, من جهة اخرى, فالانفعال المفرط لا يمكن ان يكون وحده معيار الحكم والتقويم وتقرير المواقف. ولكن نبض الشارع العربي يبقى على كل حال اكثر اخلاصا وقومية من كل الحسابات. وهكذا نجد من اتجاهات الطرفين الرسمي والجماهيري, ما لها وما عليها. فأصحاب القرار اكثر تفهما للظروف الدولية وهم يعرفون ان سياسات الدول الكبرى في الشرق الاوسط تقوم على اساس توجيه الضغوط نحو الطرف الرافض للتسوية. والجماهير الشعبية, وان كانت تملك حسا وطنيا سليما, ولا تقبل بأي تنازل او تساهل مع العدو, الا انها بعيدة بشكل عام عن تفهم الاجواء السياسية السائدة في العالم, وطبيعة العلاقات القائمة بين الدول, واهمية الالتزامات القانونية. وفي ضوء هذا التناقض والتعارض بين الرؤيتين الرسمية والشعبية, ما السياسات العربية التي يمكن رسمها للتوفيق بين النظرتين؟ اننا نعتقد ان الحل يكمن في اتخاذ سياسات وسطية تقبل بها القوى الرسمية الحاكمة والجماهير الشعبية في وقت واحد. ويمكن تجسيد هذا الاجراء, باتباع خيار عملي يقوم على اساس الضغط المتواصل المستمر على اسرائيل بشتى الوسائل السياسية والدبلوماسية والاعلامية, وحتى القتالية الى ان تذعن وتقبل بتسوية عادلة بكل معنى الكلمة للصراع العربي الاسرائيلي. فهذا الخيار يرضي الاتجاه الرسمي لأنه يستند الى السلام لا الى الحرب النظامية كما يرضي الجماهير ايضا, لاشتماله على عناصر المواجهة والضغط والنضال ضد اسرائيل. ونعتقد ان انتفاضة الاقصى تسير في هذا المنحى الهادف الى اجبار اسرائيل على الاذعان لحل عادل ومنصف. كاتب سوري