ان تصل الى القاهرة مباشرة بعد انقضاء القمة العربية التي لم تعقد منذ اربع سنوات, فهذا يضعك امام فيض من الاخبار والتعليقات, اما ان تصلها وفوق ذلك تجري امامك انتخابات برلمانية حاسمة: وعلى الجانبين اخبار عن اعمال ارهاب في اكثر من مكان, خاصة في اليمن, قاعدة الجزيرة العربية, فكل هذا يجعلك في اي مكان تذهب اليه تجد الثرثرة قائمة على قدم وساق في مثل هذه الامور. المحطة الاولى هي مكان هادىء على النيل يسميه صاحبه نادي الصحافيين, اما صاحبه فهو ليس سوى الصديق محمود السعدني وهو اشهر من ان يعرف, ومجلسه في نادي الصحافيين, وهو ــ بالمناسبة ــ ناد خاص يقع في شارع البحر الاعظم في الجيزة, وهو اشبه بديوانية كويتية او مجلس عام, يؤمه اصدقاء محمود السعدني, كما يرتاده مجموعة من الفضوليين, يثرثرون في الشأن العربي العام ثم يأكلون عشاء دسما يبدأ بأن يحلف محمود اغلظ الايمان على لا يغادر احد قبل تناول نصيبه منه. في جلستنا في ذلك المساء كان معظم الحضور من اصدقاء صاحب النادي من الشباب الذين تجاوزوا الستين! اكثرهم على المعاش ومنهم وزراء سابقون, وضباط متقاعدون من الجيش والشرطة وصحافيون على المعاش ايضا وكان بين الجلوس قليل من (الاخوة) العرب الذين يستخدمون في كلامهم المفردات الاثيرة عند السعدني, ويحيطونه بعناية بادية. وفي اللحظات الاخيرة قبيل العشاء, قدم قادم جديد اخذ يمين صاحب النادي على مائدة العشاء. ولم يكن هذا القادم الجديد سوى الرئيس علي ناصر محمد رئيس الجمهورية السابق لليمن الجنوبي, او ما كان يسمى كذلك قبل توحد اليمنين في كيان واحد. وقد لفت نظري في هذا اللقاء ان بعضا من الوزراء السابقين, وقد انخرطوا بحماس شديد وبإيمان اشد في مناقشة عملية التفجير التي تعرضت لها المدمرة الامريكية (كول) في ميناء عدن قبل اسبوعين, ذاهبين الى ان من قاموا بهذا العمل قد فعلوه مدفوعين بدافع (اسرائيلي) اما الاسباب فتتفاوت على ألسنتهم, من لفت انتباه العالم بعيدا عن الانتفاضة الفلسطينية, الى دق اسفين في العلاقات العربية ــ الامريكية. من الغريب ان تجد هذا الجيل الذي تبوأ الحكم فترة طويلة وسادت افكاره ردحا من الزمن لا يزال يتشبث بنظرية المؤامرة مؤمنا بها ايمانا لا يتطرق اليه الشك, وكأن هذه النظرية تسكن خلاياه وتسري في دمه, فبعد ان كانت (نظرية المؤامرة) يؤخذ بها في تفسير الاحداث الجسيمة والصراعات الكبرى اصبح بعضنا ــ او اكثرنا ــ يستحضرونها لتفسير كل امر مهما كان تافها, وكل حدث بغض النظر عن وجاهة الاسباب او اعتباطها, ومهما كانت هشاشة الرباط بين الحدث وهذه النظرية. وفي حدث كتفجير المدمرة الامريكية (كول) حين نقول ان اسرائيل لا تستطيع ان تغامر بقتل عدد كبير من الجنود الامريكيين, خاصة مع وجود العلاقات الخاصة التي تجمع بين اسرائيل والولايات المتحدة, وإن هناك فارقا كبيرا بين صراعات المصالح وتنفيذ المؤامرات في ليل, فإن قلة فقط من المجتمعين هم الذين تظهر في عيونهم علامات الموافقة, اما البقية فإنهم ينظرون اليك شذرا باعتبارك تغرد خارج السرب! ان الاصرار على التفسير البسيط للاحداث هو ارتداد بالانسان الى العقل البدائي, في مرحلة عجزه عن تفسير الاحداث التي تحيط به تفسيرا منطقيا وعقليا, لذلك كان يعزوها الى قوى خفية وطاغية, والآن نجد قوما يسقطون هذا التفسير (الخرافي) على اسرائيل, كأنما ليعززوا من صورتها المخيفة وليجعلوا منها (بعبعا) يفزع العرب من شبحه وينسحقون امامه, وهي الصورة التي ترمي اسرائيل الى تأكيدها في حربها النفسية الضارية التي تخوضها ضد العرب حتى تجعل من نفسها ذلك الاعصار (الخرافي) الذي يحني العرب رؤوسهم امامه. والقاهرة مفعمة بالاحداث وقد تركت المناقشات المختلفة والكتابات المتعددة التي ظهرت في القاهرة بعيد انفضاض القمة انطباعا بأن هناك شعورا اعتذاريا او شبه اعتذاري بأن القاهرة لا تريد ان تخوض حربا ضد اسرائيل ولا اعتقد ان هذا الشعور له ما يبرره, ذلك ان الشارع المصري معبأ بالطريقة التي عرفها منذ تاريخ طويل ضد اسرائيل, وهناك ايضا مقولات تطلق بها نغمة الحرب خاصة في الاوساط الشعبية, وهي حركة شعورية تسمعها تتردد في اكثر من مكان ولكن الصحيح ايضا ان مصر الرسمية قد اتخذت الخطوات الحقيقية والممكنة فليس اخطر من صيحات الحرب الا خوضها او التهديد بها في ظروف تفتقر الى التكافؤ, لأن الحماس وحده ليس هو الذي يحقق الانتصار في الحروب, ولذا فإنه ليس من المعقول ان نتيح لعدونا الفرصة كي يستدرجنا الى حرب لسنا مستعدين لها, لأنها حينئذ ستدور رحاها ــ رغمنا عنا ــ في غير الزمان والمكان المناسبين لنا. تشعر, وأنت تتابع تصريحات المسئولين بأنهم يجهدون لتفسير المنطق المعقول للموقف المصري, ولذلك في رأيي سببان الأول: ان مصر العربية دائما كانت ولا تزال تتحسس نبض العرب, وخاصة الموضوع الفلسطيني وثانيا: انها قد دفعت الكثير في الصراع مع اسرائيل اكثر من اي جهة عربية اخرى, فهي تعرف معنى الحرب كما تعرف معنى السلام, ولكن هذا الجهد في الشرح والتحليل, وربما التفسير والتبرير, انما يواجه رأيا عاما يسوده التثقيف الخطأ والتفكير الانفعالي الذي يتعرض له المواطن, إما بسبب زيادة الحماس وإما لعدم الفهم لدى من يتصدون لتكوين الخطاب الاعلامي. هذا الموقف المزدوج الذي تقف فيه مصر بين ما ترى انه مسلك عقلاني يتماشى مع ملابسات الواقع وحقائق التاريخ, وبين رأي عام (عربي) يطالبها ببذل المزيد من التضحية, هذا الموقف كثيرا ما تعرضت له مصر في نصف القرن الاخير, فالآخرون دائما يطالبونها بالتضحية في سبيل القضايا العربية فبما يقف هؤلاء (الآخرون) متفرجين, حينا في صمت وأحيانا في شماتة! في ظل هذه المعادلة الصعبة تدخل الفضائيات العربية لتقدم المزايدة الفجة وتزيد من تأجيج الخطاب الاعلامي المعتمد على الحنجرة ورفع الصوت, وقد اغضبت هذه المزايدة متخذ القرار المصري الى درجة اندلاع حرب كلامية قاسية ضد تلك الفضائيات, وقد تكون في الامر وجهة نظر, فليس المتوقع ان تكمم الافواه, او يحال بين الناس وبين التعبير عما يريدون, ولكن المتوقع ان يتقدم اهل الخبرة والمعرفة لقول التحليل الصحيح المستند الى الوقائع. وإن اخذنا بعين الاعتبار فقط زاوية من زوايا توازن القوى العربية ــ الاسرائيلية, وهي الزوايا التقنية, فقد لا يعرف بعض المنظرين في فضائياتنا ــ او لعلهم يعرفون ــ ان صادرات اسرائيل من الصناعات التقنية المتقدمة, وفي القلب منها تقنية المعلومات: قد بلغت في العام 1998 ما قيمته 2.7 مليار دولار, وهو مقدار من المال يبلغ نحو ضعف جميع صادرات مصر (البلد العربي الاكبر) في ذلك العام, وربما لا يعرف بعض المنظرين في فضائياتنا ان استخدام التقنية في كل البلاد العربية لا يصل الى 10 في المئة من استخدام اسرائيل لها! ربما كان هذا الوضع غير المتكافىء على الارض هو الذي يجعل بعض خطوط التماس العربية مع اسرائيل صامتة, ولذلك فإن السياسيين وصناع القرار يجهدون في البحث عن مجالات اخرى ينقلون اليها الصراع من خلال وسائل اخرى غير الحرب المباشرة. وهو امر لا يعني الاستسلام, كما لا يعني الانتحار وفقد المزيد من الاراضي العربية, واضاعة المزيد من الطاقات (المحدودة) في صراعات عسكرية غير متكافئة يحدد العدو مداها ووسائلها, ويرسم بنفسه خطوط نهايتها ونتائجها قبل ان تبدأ. ان احد دروس الحرب النفسية هو ارباك الرأي العام, وجعله كالثور الهائج لا يعرف اين يضرب بقرنيه, ويبدو ان هذا الارباك الذي ساد الرأي العام العربي بالفعل, والذي وفرته بعض المحطات الفضائية ــ دون ان تشعر او تقصد ــ قد اوقع الساسة العرب ضحايا لهذا التشوش الانفعالي السائد, ومن ثم فإنهم لم يستطيعوا ان يقدموا, والحال كذلك, اكثر من (مؤتمر قمة) يعرف القاصي قبل الداني انه في ظل الوضع القائم كان مؤتمرا لسد الذرائع وتبرير مواقف السلطة امام الجماهير الغاضبة واشعار هذه الجماهير بأن السلطة مستجيبة لها مقدرة لعواطفها. القاهرة ايضا مشغولة بالتغيير, فالانتخابات تفرز وجوها وتوجهات جديدة, والمستقلون الخارجون او المخرجون من الحزب الوطني يفوزون من جديد, ثم يعودون الى الانضمام للحزب الحاكم, وفي ذلك حديث له شقان, اما ان من اتخذ قرار اخراجهم في الاساس لا يعرف الخارطة السياسية وإما انهم اخرجوا لعدم صلاحيتهم فعادوا بعد حيازة الصلاحية مرة اخرى وفي ذلك وحده ما يشغل نوادي القاهرة السياسية في الحديث والتحليل. تظل الهموم السياسية والقضايا المحلية والعربية والدولية مثارا دائما للحوار والنقاش في القاهرة التي تتميز دوما بالزحام في البشر والقضايا ولكنها القاهرة قبل ذلك وبعده.. وهو الخريف بدء انطلاق الموسم.