لا نحتاج للتأكيد على حقيقة جغرافية مناخية ساطعة كالتي نعيشها يوميا, فدولة الامارات واقعة ضمن الحزام الصحراوي القاحل, وعليه فمناخها شديد الصعوبة (قدرا وليس اختيارا) وجغرافيتها كذلك, ولعل أسوأ ما تنتجه الجغرافيا على الأرض هذا العراء النباتي إذا صح التعبير, ومن هنا تأتي مصاعب الإنسان وجهوده وبذله لتخفيف حدة هذه القسوة. ومع ذلك فهناك جهود إنسانية تبذل لزيادة المساحة الخضراء البهيجة, ولعل مدينة العين وحدائق دبي والمساحات المزهرة في أبوظبي والشارقة وغيرها دليل على سعي الإنسان لتجميل عالمه, وتخفيف وطأة الأسمنت والحديد المسلح, فلا شيء يدخل الهدوء والراحة للنفس مثل اللون الأخضر بكل تدرجاته وحميميته. ولقد لفت نظري ان أول انطباع يستقر في وجدان المسافر إلى أي مكان أو مدينة, يبدأ في التكون وهو لا يزال في الطائرة على ارتفاع شاهق, ناظرا من خلال النافذة مرددا: (رائع انها مدينة جميلة, مرتبة كما تبدو من الجو وخضراء بشكل لافت). وحينما يستقل سيارة الاجرة متوجها إلى الفندق تظل عيناه مسمرتين على جانبي الطريق مستمتعا ببهجة الأخضر الطازج. وأصل بكم ومعكم من خلال كل ما سبق إلى ملاحظة أبداها كثيرون تلك هي ظاهرة الاكثار من زرع شوارعنا وأحيائنا بطابوق (الانترلوك) الأحمر أو الأسود أو ..., حتى صار الكثيرون يقولونها بسخرية لاذعة ان الأرض بتتكلم انترلوك!! على طريقة الفنان الراحل سيد مكاوي (الأرض بتتكلم عربي), أو كما أفضل أن أقول بان الانترلوك يغزو كل مكان على سطح الأرض عندنا, حتى استولى على المساحة الخضراء الزراعية كالسرطان! ربما ينظر الاخوة في البلديات إلى ان طابوق الانترلوك أكثر نظافة ورقيا, وأوفر من الناحية المادية بخلاف المساحات العشبية التي تحتاج إلى رعاية دائمة ومياه ري ومزارعين و... إلخ, كل ذلك نقدره لهم بحثا عن حل أفضل وأرخص لتغطية الأرض الرملية, لكن لابد من الأخذ بعين الاعتبار ان الأمور لا تؤخذ دائما من وجهة نظر واحدة. فأولا نحن بحمد الله من دول الوفرة والرفاه المادي, ثم ان الانفاق المادي والتكلفة ليسا وحدهما المقياس لتفضيل (الانترلوك) فالمسطحات الخضراء مطلوبة إنسانيا وجماليا وحضاريا ومناخيا وبيئيا, فهي تخفض من درجات الحرارة, وتطهر الجو من الغازات السامة لعوادم السيارات الآخذة في التزايد, وتمنح المكان بعدا إنسانيا حميما, خاصة في الأحياء السكنية, فمساحة خضراء أمام كل مسكن أجمل وأصح ألف مرة من هذا الطابوق المقيت, نحن بحاجة للون الأخضر الجميل في كل مكان, فقد تعبت عيوننا وأرواحنا من الجفاف والقسوة, فلا تزيدوها يا أهل البلديات بسرطان الانترلوك.