نحن ننتمى الى طائفة أو فئة أو جماعة يطلقون عليها لسبب لا ادريه صفة (المثقفين), وتلك تسمية لعمري مستجدة كما نقول أو هى تسمية (محدثة) كما ينبغى لامثالنا من فئة المثقفين اياها ان نستخدمها, مشتقة كما لا شك تعرف من حكاية (الحداثة), التى يقال ان الذى صكها وسبكها وأدخلها الى قاموس مفردات العربية الشريفة هو الشاعر (اودنيس) علي أحمد سعيد الذى ما برح يطرح مقولات ويبشر بأفكار تحرك السواكن وتستقطب من الخصوم قدر ماتجذب من المؤيدين. ولقد حارت البرية واحتار دليلها فى تعريف المثقف: هل هو المتعلم؟ وان كان الأمر كذلك فإن نفرا من المتعلمين بمعنى أصحاب الشهادات وحائزى الدرجات العلمية ومتقدم وربما رفيع فى مضمار الأكاديميا.. لا يجيدون حتى قدرة التعبير عن أفكارهم, فإن عبروا فهى الركاكة والتسطيح.. أم أن المثقف هو المبدع بمعنى الشاعر منشئ القصيدة أو الكاتب صاحب التآليف والتصانيف التى تقول للناس جديدا ومفيدا.. أو هو الموهوب فى فن الحكى.. قاصا كان أو روائيا.. هو فنان التشكيل بريشة الرسام أو أزميل النحات.. أم.. أم؟ لا نكاد نعرف لمثل هذه التعاريف مدى أو نهاية وان كنا نعرف أن الزعيم عبدالناصر تحدث يوما عن فئات الشعب العامل الخمس ما بين العمال أو الفلاحين أو الجنود أو الرأسمالية الوطنية من تجار ومستثمرين أمناء وشرفاء ثم أضاف إليهم رحمه الله فئة المثقفين, فهل كان هذا كله مجاملة؟ وهل يمكن أن نسلك الاخوة موظفى حكوماتنا الموقرة ومديريها فى عداد هؤلاء المثقفين؟ ولسوف تجد من صفوفها من يتزيد أو يتجمل أكثر حين يتمطع ليطلق على نفس الفئة التى ننتمى اليها مصطلحا أفرنجيا مهيبا هو (الانتلجنسيا) وهو مصطلح نشأ على ما يقولون فى روسيا مع أواخر القرن التاسع عشر ليصدق أيامها على مرتادى صالونات الأدب والفن كى يميزوهم عن الاقطاعيين أصحاب الابعاديات والضياع الشاسعة وحاملى ألقاب الكونت والدوق وكانوا يملكون فوق البيعة الأرض وماعليها من مواش وسوائم والأرض وما عليها من بشر يرسفون فى ربقة الفقر ويحكمهم نظام غريب وبغيض من العبودية أو شبه العبودية يحمل اسم القنانة ومن ثم كانوا هم الأقنان وهى ترجمة الكلمة الافرنجية (سيرف) ومفردها قن بكسر القاف, وفى هذا قال الشاعر المصرى حفني بك ناصف يواسى نفسه حين نقلوه الى مدينة (قنا) الشديدة القيظ فى أعالى صعيد مصر وكان فى بيته الشعري يلعب على الالفاظ: قالوا: (قنا) حر فقلت: وهل يرد الحر قنا المهم ان لفظة (مثقف) وقد ارتضيناها لأنفسنا نحن وكثير من رفاق طريقنا كانت بالنسبة لنا ولا تزال طوق نجاة تحول بحمد الله دون كشف المستور. فلو كنا ننتمى الى فئة العامل أو الفلاح لأمكن على الفور تحديد مركزنا المالى وهو مركز تصدق عليه تماما عبارة (رقة الحال). ولو كنا ننتمى الى فئة التجار أو الرأسمالية لبادرونا فورا بالسؤال عن حجم تجارتنا ودخلوا معنا فى أحاديث عن أسعار البورصات ومعدل التحويلات وهى أمور لا نفهم فيها ولن نفعل مهما طال الزمن. لكن من رحمة المولى ألا يسألك أحد عن حجم ذمتك المالية حين يعرف انك (مثقف) فإن سألوك من باب الفضول أو الاحراج فدونك العذر الأبدى اللذيذ بأنك مشغول, مشغول بقوانين البسيطة واقدار الكون الفسيح وقضايا العصر بالغة التعقيد وانه يصدق عليك دوما العبارة التى ترددت فى احدى الكوميديات المصرية القديمة تصف أحد أبطالها فى سخرية تقول: وأخذ يفكر ويفكر ثم استمر يفكر ويفكر ونام وهو يفكر ويفكر وحين استيقظ نسى انه كان يفكر ويفكر.. الخ. ولقد كان الشاعر الراحل صلاح عبدالصبور ينتمى بداهة الى فئة المثقفين بطبيعة الحال ولعله أراد أن ينفى عن ابناء هذه الفئة صفة الفقر ورقة الحال الأبدية اللاصقة بهم. ومن ثم عمد الشاعر المبدع فى مسرحية (مأساة الحلاج) الى نوع من التبرير الدرامى وهو نوع من التكييف أو التخريج الشعرى فى تعريف الفقر, وقال على لسان بطله أبي منصور الحلاج الصوفي متسائلا ثم مجيبا ما يلى: ما الفقر؟ ليس الفقر هو الجوع الى اللقمة والعرى إلى الكسوة الفقر هو القهر الفقر هو استغلال الفقر لإذلال الروح. وهذا الكلام مقبول طبعا فى موازين الشعر ومقاييس الدراما. لكنه يظل كلاما جميلا وقولا مرسلا فى كل حال. وعندنا أن الفقر هو الفقر وانتهى الأمر. وأن أغلب من يتعاطون الثقافة.. ممن يقرأون ويتابعون وممن يناقشون ويتحاورون ثم يكتبون فكرا أو فنا, أغلبهم من ذوى الموارد المتواضعة.. قد تزيد الموارد, لا بحيث تصل بأصحابها الى خانة الموسرين والاثرياء ولكن بحيث تتيح لهم أن ينفقوا عن سعة فى بعض الأحيان على اقتناء موسوعة بالشيء الفلانى أو مطاردة مخطوط ثمين أو امتلاك أسطوانة فريدة أو حتى السفر لحضور عمل أوبرالى مشهور أو ارتياد متحف أو زيارة موقع من آثار التاريخ القديم.. هنالك لا يضن المثقف الحقيقى بماله وهو قليل أصلا, كى يحقق مأربه من اكتساب مزيد من متعة الابداع وجمال العمل الفنى وثراء المعرفة وثمرات الفكر والتأمل. ربما لهذا السبب فإن المثقف (يفلسف) رقة الحال التى قد يعيش فيها بل يكاد يصل الى فلسفة الفاقة التى يعانيها, وهى فلسفة قد لا تقتنع بها زوجته مثلا, اذ تقارن حالها بأحوال نداتها ورفيقاتها فإذا بالمقارنة لا تسرها ولا تسعد ذويها رغم لافتة (الانتلجنسيا) التى يعلقها بعلها.. ويرددها من حوله الآمرون وربما لهذا ظلت زوجة سقراط تنكد عليه عيشته وتزرى به وتلومه على انه بدلا من أن يشوف مصلحته اذا بالفيلسوف الكبير يضيع وقته وجهده فى رأى المدام الاغريقية فى محاورات كانت تشهدها شوارع اثينا القديمة يرد فيها سقراط على أحابيل ومغالطات السوفسطائيين ويعلم الشباب سبيل الوصول الى الحقيقة من خلال منهجه الشهير فى جدل التهكم والتوليد. مع ذلك فقد كان سقراط راضيا عن نفسه وعن حياته بل وارتضى ان تختم هذه الحياة الحكيمة, بحكم الاعدام اصدره قضاة اثينا على الفيلسوف الكبير بتهمة افساد العقول الناشئة. أين هذا الرضا السقراطى بسخط مبدع آخر هو الشاعر المصرى الموهوب التعيس عبدالحميد الديب حين هجا أمته بأسرها وقد تركته فى ربقة فقر مدقع وبؤس مقيم ومهين فقال: يا أمة جهلتنى وهى عالمة ان الكواكب من نورى واشراقى أعيش فيكم بلا أهل ولا وطن كعيش منتجع المعروف افاق وليس لى من حبيب فى ربوعكم الا الحبيبين: أقلامى وأوراقى.