نبوءة المشهد العالمي المعاصر تشير إلى ان الشخصية التاريخية للشعوب تتنامى, تتطور, تغتني بعمليات الوحدة والاتحاد الديمقراطية المبنية على الاختيار الطوعي الحر والمجتمع المتعدد الثقافات. وتشير النبوءة إلى أن شخصية الشعب التاريخية لا تنتهي إلى الجدار والتلاشي بعمليات الضم والإلحاق بالقوة, او الاقتلاع من ارض الوطن ودفعها نحو التَمَثلُّ والاندماج في الشتات. فقد كان هذا في الماضي الذي مضى, في القرون الوسطى وبرامج الابادة الجماعية في عهود الامبراطوريات القديمة باوروبا واسيا وافريقيا, وفي عصور الغزو الاستعماري الاستيطاني الذي واكب تطاحن وتدافع الاستعمار الاقطاعي الملكي والرأسمالي الاوروبي وفتوح (العالم الجديد) في الامريكيتين واستراليا ونيوزيلندا. فقد تمت ابادة شعوب هذه البلدان الاصلية وحضاراتها المادية والثقافية والروحية , فتكوين (المجتمعات والشعوب الجديدة) الوافدة بالاستعمار والهجرة من اوروبا الى الامريكتين ادى الى ابادة (50) خمسين مليونا من الهنود الحمر (آسيويي الاصول) في امريكا الشمالية وإبادة (70) سبعين مليونا من الهنود الحمر ايضا في امريكا اللاتينية والوسطى, ابادة حضارات الأنكا في امريكا الجنوبية والمكسيك واهراماتها في امريكا الوسطى, وكان مصير شعب استراليا الاصلي نسخة عن مصير شعب الهنود الحمر التاريخي البائس في اوطانه الامريكية. استنساخ الماضي على مساحة القرن العشرين والعبور إلى مطالع الالفية الثالثة, لم يسمح المشهد العالمي في الصراع لتقرير مصير الشعوب باستنساخ (الماضي) الذي تقرر بقوة الغزو والفتح والاستيطان الاستعماري, وعليه انتهت إلى الجدار عمليات (تصنيع) محميات استيطانية على انقاض شعوب البلاد في افريقيا واسيا, والنماذج البارزة (الجزائر, روديسيا/ زيمبابوي, جنوب افريقيا, كوريا شمالا وجنوبا, الفلبين. وحدة المشروع الصهيوني الاستيطاني التوسيع خرق قاعدة ومعادلات القرن العشرين, مسنودا بامبراطوريات الاستعمار القديم والحديث, بدءاً من تشطير بلاد الشام بمعاهدة سايكس ــ بيكو, والانتداب البريطاني ووعد بلفور (وزير خارجية بريطانيا) بوطن قومي لليهود على ارض فلسطين مع (دون الاضرار بحق ومصالح سكان البلاد) ابناء فلسطين. وبهذا جرت عمليات استحضار تاريخ اوروبا القديم بالاستعمار الانتدابي واقحام وعد بلفور في (صك) الانتداب البريطاني والمشروع الاستيطاني التوسعي الصهيوني, وعليه استدار التاريخ في فلسطين والشرق الاوسط الى الوراء بدلاً من التقدم الى امام حالنا حال حركة شعوب العالم الثالث على دروب التحرر والاستقلال وحقوق الانسان. مع تشطير بلاد الشام (فلسطين, الاردن, سوريا, لبنان) والانتداب البريطاني بدأت ومازالت رحلة مصادرة وسلب السيادة الوطنية الفلسطينية المعطلة لشعب فلسطين على ارض فلسطين. مع برنامج بلفور والمشروع الاستيطاني الصهيوني بدأ (استدعاء عمليات الاستنساخ) بمشروعات الهجرة والاستيطان المنظم وتهويد الأرض والعمل دونماً بعد دونم وخطوة خطوة تحت مظلة الانتداب وتحالفات المشروع الصهيوني الاقليمية والدولية. على مساحة المائة عام اندلعت متاريس الصراع على شعب فلسطين وشعوب المشرق العربي التي لم تكد تتخلص بعد من الهيمنة الاقطاعية العثمانية والانحطاط الشامل على يدها, لتجد نفسها ووطنها مشطراً تحت هيمنة المستعمرين, وتمدد المشروع الاستيطاني الصهيوني, مقابل شعوب عزلاء, بادارة قيادات وانظمة اقطاعية متخلفة وتحت سقف الهيمنة الاستعمارية وبلا تحالفات على مدار ساعة الزمن الجديد, زمن التحرر والاستقلال والتقدم الى امام. والشعب الفلسطيني وحده, معطل حقه, في السيادة الوطنية على ارضه, فالوطن مسقوف بنهب الارض والتهويد, ومتاريس الصراع غير المتكافىء بالمنهج والبرنامج والوحدة الوطنية ونمط القيادات الطبقي, الثقافي والسياسي, والتحالفات الاقليمية والدولية. في فلسطين والمشرق العربي جرت الرياح عكس تيار القرن العشرين ومطالع الألفية الثالثة في صف شعوب اسيا وافريقيا فقد انتـزعت هذه الشعوب تحررها واستقلالها واستعادة سيادتها الوطنية المعطّلة على اوطانها. المشهد العالمي على مساحة القرن العشرين, وخاصة في مسار الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا شق دروب تحرر الشعوب والأمم وحقها بتقرير المصير واستعادة سيادتها المعطّلة, شرط ان تنهض بدورها في النضال الوطني والقومي والتقدم إلى امام بالديمقراطية وحقوق الانسان. وفي العشريتين الاخيرتين من القرن العشرين اصبح حق كل شعب بتقرير المصير والسيادة الوطنية قيمة انسانية مشتركة لعالم شعوب كوكبنا الارضي, عالم الدمقرطة والجديد والعولمة, وفي هذا المسار يأخذ الصراع بين القديم والجديد, التخلف والتقدم, الظلامية والسلفية والحداثة, حق الشعوب بالتحرر وتقرير المصير واستعادة السيادة الوطنية المعطّلة, (رؤى) ومضامين واشكالا جديدة في النضال تكسر جدران اطواق القديم واسوار هيمنة طغيان القوة الحديثة. وعي الشعوب بحقوقها يتعاظم في عصر الثورة العلمية التكنولوجية وانتشار التعليم والمعرفة, عصر الانترنت والمعلوماتية والشفافية. وعليه تزلزل الارض زلزالها من تفكك الاتحاد السوفييتي إلى انتفاضة سياتل ودافوس وواشنطن على يد قوى شعبية من عالم الشمال والجنوب بالضد من عالم وعمليات ومؤتمرات العولمة ذات الاتجاه الواحد لصالح دول المركز الرأسمالي العالي التطور (قمة السبعة الصناعية) وشعوب الشمال الموغلة في الغنى والثراء على حساب العالم الثالث والطبقة العاملة والبطالة والشرائح الاجتماعية الواسعة المهمشة في بلدان المركز الرأسمالي المتطور. وتنفتح امام الشعوب والبشرية ازمات المعضلات القومية والوطنية, الاثنية والتعددية الثقافية والروحية, المساواة في المواطنية المفقودة, الغائبة, في معظم بلدان العالم الثالث والاقطار العربية والشرق الاوسط تحت فعل عوامل التخلف والظلامية في دساتير وقوانين هذه البلدان, وتحت سقف تغذية ونبش الصراعات الاثنية والدينية الطائفية المذهبية لتفتيت وحدة كل شعب وقطع طرق تحشيد قواه الحية للتقدم والدمقرطة والمساواة وحقوق الانسان فضلا عن التداول السلمي على السلطة, فانظمة العالم الثالث في غالبيتها تنتمي الى القديم, الى نظم الاستبداد وموروثه المعتم الثقيل الذي يشد البشر شعوبا وامما ودولاً الى الخلف بدلا من التقدم الى امام واستعادة سيادة الشعب المعطلة, حقا, نظريا وعمليا. ان تيار التحرر والسيادة الوطنية ينهض بخطوات ملموسة من جديد, وعليه حق شعب فلسطين وكل شعب بالتحرر واستعادة سيادته المعطلة على ارض وطنه. المشهد العالمي يقدم نماذجه : * ضم الاتحاد السوفييتي جمهوريات البلطيق الثلاث المستقلة (لاتفيا, استونيا, ليتوانيا), بعد عقد اتفاقات سريّة بين موسكو ـ برلين, اشتهرت بعنوان (معاهدة مولوتوف ـ روبنتروب) عام ,1939 وبذا ضمن الاتحاد السوفييتي عدم تدخل المانيا النازية في حال ضم جمهوريات البلطيق للاتحاد السوفيتي, كما ربح ثلاث سنوات سلمية مع المانيا النازية قبل فتح جحيم الحرب النازية الشاملة لتدمير الاتحاد السوفييتي وتفكيكه. تمت عملية ضم جمهوريات البلطيق الثلاث تحت سقف (انتفاضات عمالية وشعبية) بالتعاون بين موسكو والاحزاب الشيوعية والنقابات العمالية. اتخذت الولايات المتحدة واوربا الغربية موقفاً مضاداً لضم جمهوريات البلطيق للاتحاد السوفييتي واعتبرت ان سيادة (لاتفيا, استونيا, ليتوانيا) الوطنية المستقلة معطّلة إلى ان يتم استعادتها, وحاولت تنظيم حركات مضادة داخل الجمهوريات الثلاث وفشلت, ولكن الموقف بقي قائماً برفض عمليات الضم وتشجيع كل محاولات (استعادة السيادة) في مجرى الحرب العالمية الثانية وبعدها, وكل هذا بالاستناد الى حق الشعوب بتقرير المصير وضد ضم والالحاق بدون العودة لاستفتاء الشعوب بين الاستقلال والسيادة الوطنية وبين الاتحاد في اطار جمهوريات السوفييت. بعد أكثر من خمسين عاما وتحديداً في اغسطس 1993 وفي غمرة الصراع على السلطة في موسكو بين جورباتشوف وشركاه, يلتسين وشركاه, قيادة الطوارىء التي اعلنت وضع يدها على السلطة في موسكو, انتهزت جمهوريات البلطيق الثلاث (الفرصة الذهبية) واعلنت بقيادة احزابها الشيوعية وقادة الدولة في كل جمهورية (جمهوريات تتمتع بالاستقلال الذاتي الكامل والسيادة على الارض والسكان والوحدة الجغرافية لكل جمهورية كما هو حال جمهوريات الاتحاد السوفييتي الخمسة عشرة) عن الاستقلال الكامل والانفصال عن الاتحاد السوفييتي واستعادة السيادة المستقلة المعطلة), وعليه تلقفت الولايات المتحدة واوروبا (الكرة) واعلنت اعترافها بكل من هذه الجمهوريات دولا مستقلة خارج الاتحاد السوفييت الذي بقي قائما بجمهورياته الاثني عشر, الى ان تفكك وانهار لاحقا على يد يلتسين وشريكيه في بيلوروسيا واوكرانيا, وبدون العودة الى اي الجمهوريات التسع أو العودة الى استفتاء شعوبها, وعلى جثة استفتاء مارس 1993 في عموم الاتحاد السوفييتي حيث ايد وصادق 70% من سكان جمهوريات الاتحاد السوفييتي بقاء وصيانة الاتحاد الذي قدمت شعوبه اربعين مليون قتيل دفاعاً عنه في الحربين العالميتين والحرب الاهلية (1917 ــ 1921) وحروب التدخل الاستعمارية بجانب جنرالات القيصر واليمين البيض. * في يوغسلافيا الاتحادية, وتحت فعل المشكلات القومية والإثنية انفجرت الصراعات القومية, وبدلاً عن الحلول الديمقراطية بالعودة لاستفتاء الشعوب على حقها بتقرير المصير, دخلت العلاقات بين الشعوب في الاستعصاء فالحروب القومية الاثنية والمذهبية, وبقوة السلاح تدخلت واشنطن واوربا في اسناد حق كرواتيا, سلوفينيا, مقدونيا, البوسنة والهرسك بالاستقلال والسيادة القومية), وفي كوسوفو دعت الاكثرية الالبانية لحقها بتقرير المصير حالها حال من سبقها, وفي الاستعصاء حملت السلاح, وفي مجرى الحرب الداخلية بين الصرب والالبان في كوسوفو وحولها شن الناتو (حلف الاطلسي) حربه الجوية المدمرة الى ان سلمت يوغسلافيا الصربية بدخول قوات الناتو ووضع كوسوفو تحت الادارة الدولية والحكم الذاتي الكامل الى ان يتم ممارسة حق تقرير المصير على قاعدة الاغلبية. * في تشكسلوفاكيا بعدما استبان ان لا امكانية لبقاء الاتحاد التشيكي ــ السلوفاكي, تم حل الاتحاد سلمياً على قاعدة الاستقلال والسيادة الوطنية الكاملة لكل من الشعبين. * في المملكة المتحدة البريطانية, وبعد الغزو الملكي الانجليزي لمقاطعة ويلز وضمها بالقوة قبل 400 عام, وغزو سكوتلاندا وضمها بالقوة قبل 300 عام, وغزو شمال جزيرة ايرلندا وضمها بالقوة على امتداد 150 عاماً, لم يكن ممكناً استمرار التركيبة المركزية, وتم إعادة صياغة الفيدرالية البريطانية على قاعدة (الاستقلال الذاتي ببرلمان وحكومة وتشريع قانوني) لتأمين الحكم الوطني الكامل والوحدة الجغرافية البشرية والاجتماعية والترابية والسياسية لكل من هذه الكيانات, باستثناء الدفاع الخارجي والعلاقات الدبلوماسية والسوق الاقتصادية الواحدة. * لم تتمكن القرون الطويلة واليد المركزية الطويلة في لندن من طمس الشخصية القومية المتميزة للشعوب المتعددة في المملكة المتحدة, واخيراً نزلت لندن عند ارادة القوميات المتعددة وعلى الرغم من اتفاقية السلام (الجمعة العظيمة) بين جناحي الصراع في ايرلندا الشمالية, الجناح الجمهوري الوحدوي مع جمهورية ايرلندا والجناح الملكي الوحدوي مع المملكة المتحدة فإن الصراع لم يشهد بعد فصل الختام, فاتفاق (الجمعة العظيمة) قدم حلولا مؤقتة مازالت في عنق الزجاجة وأدار الجناح الجمهوري الصراع الطويل جامعاً بين المفاوضات والسلاح لان فصل الختام لم يتم التوصل له بعد بين الجمهوريين الفقراء (الكاثوليك) والملكيين الاغنياء ذوي الجذور البعيدة الانجليزية (البروتستانت). السيادة المعطلة * تيمور الشرقية (800 الف) تنتزع استقلالها, تستعيد (سيادتها المعطّلة) منذ عام 1975 عندما احتلت اندونيسيا (200 مليون) الجزيرة الصغيرة, فشعب تيمور واصل المقاومة المسلحة والسياسية والجماهيرية, ورغم المجازر الجماعية والاقتلاع والتهجير بالقوة, صمد الشعب الصغير, ولم يكن ممكناً لعالم العولمة الصمت على المجازر وتجاهل حق شعب تيمور بتقرير المصير, فوقع الاستفتاء باشراف الامم المتحدة, واختار الشعب (استعادة السيادة القومية المعطلة على ارضه). * في عديد بلدان العالم تضج الارض بنضال الشعوب, الاثنيات القومية تحت رايات الوان متعددة من اجل حق تقرير المصير والسيادة الوطنية المعطّلة, حدث ويحدث هذا في اسيا وافريقيا وفي اوربا. * حق اللاجئين بالعودة إلى ديارهم, قيمة توافقت عليها الانسانية, وكما عاد لاجئو تيمور الشرقية وكوسوفو تحت اشراف الامم المتحدة, وشن الناتو حرباً شاملة على يوغسلافيا تحت عنوان (حق لاجئي كوسوفو بالعودة إلى ديارهم), فإن حق اللاجئين الفلسطينيين, اقدم اللاجئين في القرن العشرين ومطلع الالفية الثالثة, حق مكفول بقرار الامم المتحدة الرقم 194 لعام 1984 واتفاقات جنيف الرابعة لعام 1949 والقانون الدولي. حق اللاجئين بالعودة ليس مسألة تلقائية, ميكانيكية في اطار قرارات الشرعية الدولية, فالنضال الوطني, القومي, الدولي المسنود بقرارات الامم المتحدة وشرعة حقوق الانسان هو الميدان لانتزاع الحق وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية.