هي رواية واحدة.. لكن كل عنصر من عناصرها يمثل قصة مستقلة بذاتها. المشهد في روسيا. خلاصة الرواية عجوز تعرض حفيدها البالغ من العمر خمس سنوات للبيع. ومن هذه الخلاصة العامة تتفرع اصول قصصية يمكن اختصارها على النحو التالي: الجدة بحاجة ملحة الى المال لمقابلة ادنى الحد الادنى من ضرورات المعيشة اليومية. تولت امر الطفل جدته وليس امه لان الام كانت ــ بسبب الفقر المدقع ــ قد تخلت عنه منذ ولادته. المشتري وكيل لشبكة تجارية سرية تعمل في مجال (سلعة) الاعضاء البشرية بتصديرها الى شركات طبية في اوروبا وامريكا تعمل في مجال زراعة الاعضاء على اسس ربحية. وهكذا.. لو ان الشرطة الروسية تمكنت في اللحظة الاخيرة من احباط هذه الجريمة لصار الطفل نزيل غرفة عمليات سرية في موسكو لانتزاع اعضاء جسمه الهامة (القلب والكبد والكليتين.. وربما اعضاء اخرى) ومن ثم تذويب بدنه في حوض مليء بالحامض. والسؤال: لماذا انحطت روسيا الى هذا الدرك المخزي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ثاني قطب اعظم في زمانه ورائد عصر غزو الفضاء ونموذج الاستقرار والرخاء مع غياب الجريمة؟ ما آل إليه حال روسيا هو ايضا ما جرى ويجري لدول اوروبا الشرقية. ولا اريد هنا ان اثير نقاشا اكاديميا تنظيريا حول ايهما افضل لشعوب هذه البلدان جميعا ــ وبالتداعي لشعوب العالم الثالث المتطلعة الى نهضة اقتصادية اجتماعية ــ فلسفة (اقتصاد السوق) ام فلسفة سيطرة الدولة على وسائل الانتاج في اطار اشتراكي؟ اريد فقط ان اعقد مقارنة بين واقع كان وواقع كائن مستندا الى مسح علمي نشرته مجلة (اكونومست) اللندنية. في قرى روسيا وشرق اوروبا كما في مدنها هبط متوسط عمر الانسان بسبب سوء التغذية وانحسار الرعاية الصحية بمقدار سبع سنوات منذ ان تبنت هذه الدول نظام (اقتصاد السوق). كما تضاعفت نسبة الامية ثلاثة امثال. ويقول المسح ان التغذية تدنت كميا ونوعيا بحيث ان استهلاك اللحوم مثلا انخفض بمعدل النصف. ولهذا تضاعف انتشار السل ومرض الكبد الوبائي على خلفية ازدياد انتشار الفقر, وبناء على دراسة صادرة عن البنك الدولي فإن ما يحصل عليه نصف سكان مولدوفا مثلا من دخل يبلغ في المتوسط 220 دولارا سنويا بالمقارنة مع ألفي دولار عند نهاية العهد السابق. على ان الخسارة الاعظم هي في العنصر البشري. هنا يقول المسح ان اعداد اصحاب الكفاءات والمهارات تتناقص بمعدلات متسارعة بسبب انهيار خدمات التعليم والخدمات الصحية. وهكذا سوف تكون اجيال المستقبل ذات خلفية تعليمية متواضعة بحيث لم يعد التعليم الجيد متوفرا الا امام شريحة صغيرة في المجتمع من مليونيرات جدد ومن يليهم مباشرة.. هم في الحقيقة الفئة الوحيدة المستفيدة من التحول الجذري الشامل الذي جرى. كثير من المدارس تضطر لاغلاق ابوابها في الشتاء بسبب نقص التدفئة والتيار الكهربائي. وسابقا كانت الدولة تتكفل باعطاء اطفال المدارس وجبتين او ثلاثا يوميا اثناء اليوم الدراسي. اما الآن فإن التلاميذ لا يستطيعون التركيز اثناء الدرس بسبب الجوع. وهكذا تتجسد مأساة أوروبا الشرقية يوما بعد يوم لتقدم موعظة جاهزة الى شعوب العالم الثالث في عصر يتكثف فيه الترويج الغربي لمبدأ حرية السوق.