لكي نفهم طبيعة التحركات المكثفة للمرشحين في السباق الانتخابي الرئاسي الامريكي خلال الايام الاخيرة المفضية الى انتخابات السابع من نوفمبر من المهم ان نتفهم الطبيعة الدقيقة التي بمقتضاها نقوم نحن في الولايات المتحدة بإنتخاب رؤسائنا. ينص الدستور الامريكي على ألا ينتخب الرؤساء من خلال الاقتراع الشعبي المباشر وإنما بالأحرى من خلال ما يعرف باسم التصويت الانتخابي. وكل من الولايات الخمسين التي تتألف منها الولايات المتحدة لها عدد محدد من الاصوات الانتخابية او ما يعرف بـ (القائمون بالاختيار). والولايات لها من القائمين بالاختيار بقدر ما لها من عدد مجتمع من اعضاء مجلس النواب وأعضاء مجلس الشيوخ, وكل ولاية لها عضوان في مجلس الشيوخ ولكن عدد اعضاء مجلس النواب يحدده عدد سكان هذه الولاية. وهكذا فإن اكثر الولايات المتحدة تعدادا سكانيا ولاية كاليفورنيا لها 52 عضوا في مجلس النواب ولها عضوان في مجلس الشيوخ فاجمالي ما لها هو 54 قائما بالاختيار. أما ولاية اقل من حيث تعداد السكان مثل فيرمونت فلها عضو واحد في مجلس النواب بالاضافة الى عضوين في مجلس الشيوخ وبالتالي فإن لها ثلاثة من القائمين بالاختيار. والاقتراع الشعبي لا يحسب على المستوى الوطني وانما بالأحرى يحسب على مستوى كل ولاية على حده والفائز في كل ولاية يتلقى اصوات القائمين بالاختيار جميعا عن تلك الولاية. وهنالك 538 قائما بالاختيار هم 435 عضوا في مجلس النواب و100 عضو في مجلس الشيوخ بالاضافة الى 3 قائمين بالاختيار عن الكيان الوحيد الذي ليس ولاية وانما هو عاصمة الدولة اي واشنطن دي سي. ولكي يفوز المرشح الرئاسي بالانتخابات فلابد له من ان يفوز بما يكفي من الولايات المتحدة بحيث يحصل على الاقل على اصوات 270 قائما بالاختيار اي نصف اجمالي العدد زائد صوت واحد. هذا النظام المعقد هو الذي افرز الحملات الانتخابية لا كجهود وطنية وانما كحملات على مستوى الولايات فرادى. وهكذا, فإنه في الايام الاخيرة لهذه الانتخابات يقوم المرشحون بالارتقاء الى مستوى القمة بالاستراتيجيات التي يعتمدونها للتركيز على الفوز بما يكفي من الولايات الرئيسية التي تضمن لهم على الاقل اصوات 270 قائما بالاختيار والتي يحتاجونها لكي يتم انتخابهم بشكل نهائي. وبين عامي 1968 و1988 حصل الجمهوريون على ما يسمى بـ (احكام القبضة) على اصوات القائمين لأن رسالتهم وبرامجهم قد خاطبت العديد من الدوائر والاقاليم المتنوعة في البلاد وضمنوا بالفعل الفوز في 21 ولاية بإجمالي اصوات 191 قائما بالاختيار و كسبوا هذه الولايات في المرات الست جميعها. وفي خمس مرات من الانتخابات الست فازوا كذلك باثنتي عشرة ولاية اخرى بإجمالي 138 صوتا قائما بالاختيار وهذه الولايات الثلاث والثلاثين مجتمعة اعطت الجمهوريين 329 صوتا وهو ما يكفل الفوز يقينا. في عام 1992 وفي عام 1996 حطم كلينتون قبضة الجمهوريين المحكمة على الاصوات وفاز بما يكفي من الولايات المتحدة للحصول على اصوات 379 صوتا قائما بالاختيار و370 صوتا في هاتين الحملتين الانتخابيتين على التوالي. اما انتخابات هذا العام فهي مختلفة تماما فمنذ البداية كان واضحا انه ليس بمقدور اي من بوش او جور الاعتماد على احكام قبضة على الاصوات وهكذا فإن السباق كان متقاربا ومحتدما لا في الاقتراع الشعبي فحسب وانما في احصاء اصوات القائمين بالاختيار التي تحسب على اساس الولايات المتحدة التي يتوقع فوز الناخبين فيها. وعند هذا المنعطف من الحملة الانتخابية فإن الانتخابات في العديد من الولايات تبدو وقد حسم امرها ففي الغالب سيفوز جورج بوش في تكساس التي لها 32 قائما بالاختيار وفي الغالب كذلك سيفوز جور في نيوجيرسي ونيويورك وكاليفورنيا بإجمالي 102 من اصوات القائمين بالاختيار. وسيفوز جور كذلك بمعظم ولاية نيو انجلاند وهي فيرمونت ونيوها مبشاير وماساشوسيتسي ورود آيلاند وكونتيتيكيوت والتي تحظى بأصوات 31 قائما بالاختيار. وفي الوقت نفسه فان جورج بوش يحظى باسبقية واضحة في الولايات والجبال والسهوب الغربية بما في ذلك ايداهو ومونتانا ونيفادا ويوتاه وويمنج واريزونا وكلورادو ونورث داكوتا وساوث داكوتا, ونبراسكا باجمالي اصوات قائمين بالاختيار تبلغ 64 صوتا, ويحظى بوش بصدارة السباق في العديد من ولايات الجنوب وهي لويزيانا وميسيسبي والاباما وساوث كالورينا وكنتاكي باجمالي اصوات يبلغ 61 صوتا. ان هذا يمنح جور اجماليا مبدئيا يبلغ 138 صوت قائما بالاختيار ويعطي بوش 119 صوتا قائما بالاختيار. وتظل الولايات الباقية تمثل ما يعرف بولايات ارض المعارك اي الولايات التي سيظل المرشحون يتنافسون فيها حتى السابع من نوفمبر. وبعض هذه الولايات مدهش حقا فعلى سبيل المثال كان يتوقع ان يفوز الديمقراطيون في يسر بولاية واشنطن وولاية اوريجون غير ان جور هذا العام يتحداه في الولايتين كلتيهما رالف نادر وهو أمريكي عربي يخوض غمار التنافس الرئاسي كمرشح لحزب الخضر. وقد انتزع نادر من التأييد ما يكفي في الولايتين للاقتراب من الحصول على اصوات 18 قائما بالاختيار. وبالمثل فقد كان يتوقع ان يفوز بوش بسهولة في فلوريدا ففي نهاية المطاف يتولى اخوه جيب منصب حاكم تلك الولاية التي تعد الولاية الرابعة على المستوى الوطني حيث تحظى بخمسة وعشرين قائما بالاختيار وتظهر استطلاعات الرأي التي اجريت مؤخرا ان جور يحظى بأسبقية محدودة في هذا السباق الدقيق. وكما ان جور لا يمكنه المخاطرة بفقدان اوريجون وواشنطن فان بوش لا يمكنه الوصول الى 270 صوتا قائما بالاختيار من غير فلوريدا. ويقع معظم الولايات التي تعد ساحة معارك في حزام الغرب الاوسط بما في ذلك ميسوري وويسكنس والينوي وميتشيجان واوهايو وبنسلفانيا وهذه هي الولايات الرئيسية التي ستحسم انتخابات عام 2000 وهي جميعها ولايات يقطنها عدد كبير من المهاجرين ذوي الانتماء العرقي المحدد وغالبا من وسط اوروبا وشرقها وكذلك هنالك عدد كبير من الامريكيين العرب. وعندما انتقد جور الاسبوع الماضي بشدة اقتراح بوش بسحب القوات الامريكية من كوسوفو والبلقان لم يكن ذلك يرجع لأنه يخالف هذه السياسة فحسب وانما لأن جور كان يعلم كذلك ان اقتراح بوش لن يؤيده ما يتراوح بين 15 الى 20 في المئة من سكان ولايات الغرب الاوسط هذه الذين ينتمون بأصولهم الى وسط اوروبا والذين يهتمون بشدة بمهمة القوات الأمريكية الى جانب الناتو في البلقان. وبالمثل عندما تناول بوش قضايا الصور المتحيزة ضد الامريكيين العرب واستخدام الادلة السرية ضدهم كان يضع عينه على الناخبين الامريكيين العرب في ميتشيجان الذين يشكلون 4 في المئة من اجمالي ناخبي تلك الولاية. وحيث ان الفاصل بين بوش وجور لا يتجاوز 2 في المئة فقط في ميتشيجان فان اصوات الامريكيين العرب تشكل عاملا حاسما في انتخابات تلك الولاية. وذلك هو السر في ان جور قد زار الامريكيين العرب في ميتشيجان مؤخرا وان حملته قد قررت تصعيد مجهودها لاستقطاب اصوات الجالية. وهكذا فان استراتيجيات هذين المرشحين سوف تنتقل من المنهاج الكلي او الشامل لخوض غمار الانتخابات لتركز على منهاج محدد اعد لاستقطاب اصوات جماعات بعينها في ولايات مستهدفة. وعند هذا المنعطف فان اكثر التقديرات تفاؤلا والتي اعدها مسئولو الحملتين تعطى كلا من المرشحين ما لا يتجاوز 220 الى 230 من اصوات القائمين بالاختيار وفيما لم يبق على انتخابات 2000 سوى اسبوع واحد فان الحملتين ستركزان جل طاقتهما على الولايات التي لا يتجاوز عددها اصابع اليد الواحدة والتي يحتاجها كل منهما 270 صوتا المطلوبة للفوز بالانتخابات. رئيس المعهد الامريكي العربي