مر علينا زمن صدقنا الكثير من الشعارات الرسمية والنظريات, خاصة ما كان منها متعلقا بقضايا النضال العربي ضد إسرائيل, والوحدة العربية الكبرى, والتوجهات السياسية الرسمية لتبني مقولات المواجهة والعمل من أجل استرداد الحقوق المغتصبة, وتفعيل دور الفرد في المجتمع العربي ونشر مظلة كبيرة من المشاركة السياسية وديمقراطية الحياة والحوار وتداول السلطة. مر علينا الزمن ونحن أو أجيال كثيرة سبقتنا تلوك هذه الشعارات, تقتاتها طوال النهار, وتتدفأ بحرارتها في ليالي الشتاء الباردة, وتحلم بها في كل مساء, وبعد أن مر العمر والزمن, اكتشفت هذه الأجيال, واكتشفنا معها, ان الأحلام كلها قد ذهبت مع الرياح, كبيرها قبل صغيرها, فإذن لا نضال قومي ولا حوار ديمقراطي ولا تداول للسلطة ولا أبطال كصلاح الدين في الصراع مع العدو المغتصب, لا شيء على الاطلاق, لان الأرض كانت كثيرة المسامات أكثر مما يجب فامتصت كل الشعارات والمقولات والخطب والكتب والمواثيق النضالية, وعلى سطح الأرض ظهرت نباتات أخرى, أصلها ليس ثابتا, وفرعها لن يصل إلى السماء أبدا!! مر علينا الزمن ونحن نعتقد ان الرهان على السياسي ممكن باعتبار ان السياسة (فن الممكن), حتى اكتشفنا عكس ذلك, ثم راهنا على المثقف فخسرنا الرهان بشكل مؤلم, فنصف مثقفينا ـ كبارهم قبل صغارهم ــ مشردون ومضطهدون ومقموعون, ونصفهم الآخر ديكتاتوريون أكثر من هتلر وموسوليني, وملكيون أكثر من الملك وما بين هؤلاء واولئك, افراد يحاولون ان يثبتوا على أرض متحركة وكثيرة المستنقعات, يحاولون ان يكونوا احرارا, فيدفعون الثمن غاليا جداً, ولحسن الحظ أنهم ما زالوا ثابتين. سقط الرهان على السياسي والمثقف السلطوي, وبقي الرهان الوحيد على القادرين ان يقولوا ويفعلوا ما هو جدير بانسانيتهم وادوارهم وعيشهم في بقعة الضوء ومنطقة الصراع والمواجهة, والقادرون هؤلاء هم الكثير من الصحفيين والكتاب (غير المنظرين والمتفلسفين) والمجاهدين على أرض الانبياء في فلسطين, والمواطنين البسطاء في الجغرافيا العربية سواء كانوا فقراء أو اثرياء, ضعفاء أو قادرين, المهم أنهم مازالوا يؤمنون بعدالة القضية ومنطقية الصراع, وبأن السلام ليس خياراً استراتيجياً ابداً, الا من وجهة نظر كبار السياسيين ورجال الاعمال والمستثمرين واصحاب المنتجعات والمدن والقرى السياحية في مناطق الحدود مع.. (اسرائيل). سمعت الكثير في العاصمة الاردنية عن محاولات (اسرائيل) شراء الاقلام الصحفية والضمائر, وسمعت الكثير عن المبالغ الخيالية التي تعرض على بعض الكتاب والصحفيين ليكتبوا في صحف تمولها (اسرائيل) وتدعمها, لكن احداً لم يستجب ولم يكتب, وان الذين قبلوا وسقطوا في الهاوية فقد كانت نهايتهم مجللة بالعار! اما تلك الصحفية التي اصدرت صحيفتها الاسبوعية (صوت السلام) في عمان منذ شهر تقريبا بدعم (اسرائيلي) فلم تبع منها شيئاً لأن أحداً من البسطاء لم يقترب من صوت سلامها المزعوم! انهم يحاولون بقوة وبالملايين, يراهنون على موت الضمائر وعماء القلوب, اما نحن فنراهن على عودة الروح وحدة البصيرة دائماً والانتماء الصادق للقضية.