تحاول أن تبتعد قليلاً عن الموضوع فيأبى الموضوع إلا أن يقترب منك, ليس لنقص في الوطنية وإنما خشية أن تتهم بالتحريض, والتحريض في أيامنا هذه تهمة ربما أودت بصاحبها إلى ما لا يحمد عقباه. يوم الإجازة الأسبوعية وقد هيأت نفسك كالعادة لأن لا تشمّ رائحة طهي الطعام تتصاعد من المطبخ في البيت, وقد ركن الخدم لراحة إجبارية من دخول المطبخ ليس لجرعة إنسانية زائدة عند أهل البيت وإنما لأن قراراً قد فرض من قبل الأولاد منذ سنوات بأن يكون يوم الإجازة الأسبوعية هو يوم الأكلات الجاهزة التي تخوض حرب تثقيف صحي من أجل إبعاد الاولاد عنها ولكنك دائماً ما تكون الطرف الخاسر في هذه الحرب, فالذي يرفع راية النصر في نهاية كل أسبوع هي مطاعم الوجبات السريعة التي تقرأ وتسمع كل يوم عن ضررها بالصحة. بمرور الأيام والأسابيع والشهور والسنوات أصبح يوم الجمعة هو يوم انتصار الطعام الذي تعرف مضاره الصحية وتشاهد أبناءك يقبلون عليه بشهية مفتوحة تتمنى لو أنها فتحت لغيره من الطعام ذي الفوائد الجمة, وهي على كل حال معركة تخوضها عادة كل الأمهات ويقف الآباء فيها غالباً موقف المتفرجين وهم يشعرون بسعادة لا يستطيعون ابداءها ــ وان كان هذا ليس محلها ــ لانتصار الأبناء وخسارة الأمهات معركة من المعارك التي يخضنها كل يوم لأسباب مقنعة في القليل النادر, وغير مقنعة في أغلب الأحيان. في ذلك اليوم كانت القنبلة التي فجرها الابناء باتفاق قلّ أن يجمعوا عليه هي إبداء رغبتهم في عدم دخول الوجبة السريعة التي اعتادوا طلبها كل يوم جمعة بالإجماع. تعتقد للوهلة الاولى وتحت تأثير عنصر المفاجأة أن وعياً صحياً عملت طويلاً على بثه فيهم قد آتى ثماره, وأنهم قد اقتنعوا أخيراً بضرر هذه الوجبات المحضرة من أخلاط اللحوم المجمدة المشبعة بالدهون وأدركوا مخاطرها الصحية, وتكاد تستبدّ بك نشوة كاذبة بمقدرتك على الإقناع لولا أن تتلقى القنبلة الثانية التي يفجرها الأبناء هذه المرة فوق سطح الأرض وليس تحتها كما تفعل الدول العظمى عادة عندما تجري تجاربها النووية التي تحرّمها على غيرها من الدول التي تصنفها في خانة الارهاب والطفولة السياسية, فقد انبرت البنت الكبرى لتقول في اعتزاز: * لا نريد اعتباراً من اليوم إدخال وجبات الهمبرجر والهوت دوج والدجاج المقلي لبيتنا لأنها صناعة أمريكية!! صناعة أمريكية؟!! ومتى كان هؤلاء الأطفال يفرّقون بين صناعة أمريكية ويابانية وهندية؟ تفغر فاك دهشة محاولاً استيعاب الموقف ثم تتوجه إلى الناطق الرسمي باسم الأبناء (الابنة الكبرى) التي تقود هذا الاتجاه في البيت وتدعمه اعتباراً من اليوم وحتى إشعار آخر فتسألها عمّا تقصد بقولها صناعة أمريكية, وعن توقيت هذا القرار الذي تعتقد أنه قد جاء متأخراً شيئاً ما إذا كانت الدوافع هي المضار الصحية المترتبة على المواظبة على هذا النوع من الطعام فتجدها قد حولت مسار الحوار إلى اتجاه آخر مسخّرة السنوات التسع التي أمضتها على مقاعد الدراسة الابتدائية والاعدادية حتى هذه اللحظة في إدارة حوار تعتقد أنها لا تقل عنك مهارة في توجيه دفته نحو الاتجاه الذي تريده مضيعة عليك فرصة المناورة أو بتعبير أدق التشاطر عليها وإحراز نقاط لصالحك, ورغم إحساسك بأنك على أعتاب هزيمة او على الأقل عدم تحقيق فوز ساحق إلا أن سعادة من نوع ما تغمرك وأنت ترى ورود غرسك آخذة في التفتح بثقة وأناة وعلى نحو تعترف بأنه يلقى قبولاً لديك ولا تملك إلا أن تعجب به. ــ وهل اكتشفتم فجأة أن الصناعة الامريكية غير عالية الجودة؟ هكذا تصوغ سؤالك بنوع من التخابث الذي لا يخفى على الناطق الرسمي باسم الابناء فتبادرك ابنتك بجواب لا تنقصه الجدية ولا الحصافة: * ليست هذه هي القضية يا والدي العزيز, فلم يقل أحد أن الصناعة الامريكية منخفضة الجودة أو رديئة لا سمح الله, ولكن مواقف الحكومة الامريكية هي الرديئة, الامر الذي يحتم علينا مواجهتها وأخذ موقف منها! منذ متى كانت هذه الواقفة أمامك تهتم بالحكومة الامريكية ومواقفها أو حتى بمواقف أي حكومة؟ هذه التي تتحدث عن مواقف الحكومة الامريكية الآن لم تكن تعرف من أمريكا سوى مدن الالعاب التي زارتها في كاليفورنيا واورلاندو عندما كانت في السادسة من عمرها, ثم تطورت معرفتها عندما كبرت قليلاً لتمتد إلى الأفلام التي تضخّها استوديوهات هوليوود. لم ترها يوماً تجلس أمام شاشة التلفزيون لتتابع نشرة الاخبار, بل كثيراً ما كانت تترك المكان بمجرد أن تراك تمسك بالريموت كونترول لتغير المحطة لمتابعة نشرة أخبار في إحدى المحطات, تحاول أن توقف سيل علامات التعجب التي تتوالى في ذهنك لتصطف خلف علامات الاستفهام التي تسبقها فلا تجد وسيلة أفضل من طرح أسئلتك عليها وأخذ الاجابة منها. تسأل عن هذا التحول وأسبابه فتجيبك بطريقة تحس معها أنها لم تعد تلك الطفلة الغائبة عن متابعة الاحداث التي كنت تعتقد, تقول والتجهم يرتسم على محياها في غير تصنع: * وهل يفترض بنا أن نقف مكتوفي الأيدي أمام ما يحدث للأطفال والنساء ناهيك عن الشباب والرجال في الأرض المحتلة؟ إذا كانت لقطة شاءت إرادة الله وشجاعة ومهارة مصوّر لنا أن نشاهدها للطفل محمد الدرة وهو يقتل في حضن والده قد أحدثت فينا كل هذه الهزة, فمن المؤكد أن هناك عشرات اللقطات وربما المئات التي لم يتح للكاميرا أن تلتقطها ربما كانت أكثر فظاعة مما نشاهده كل يوم على شاشات التلفزيون من الجرائم التي يرتكبها اليهود بحق أخوتنا الفلسطينيين, فلا أقل من أن يكون لنا موقف مما يحدث إن لم يكن بمقدورنا أن نشارك في المواجهة. بشيء من ادعاء السذاجة توجه سؤالك التالي: ــ ولكن ما دخل الصناعة الامريكية بالموضوع؟ ولماذا مقاطعتها؟ تدرك الصبية التي كنت تحسبها طفلة لم تشب عن الطوق أنك توجه إليها أسئلة إجابتها معروفة لديك كي تتأكد من فكرتك التي بدأت تتغير عنها فتجيبك بنظرة ذات معانٍ كثيرة, ثم تقول بنبرة تنمّ عن تمسك الذين فوضوها للتحدث باسمهم بموقفهم: * عموماً نحن لا نريد أن تدخل بيتنا بعد اليوم وجبة من مطاعم الوجبات السريعة أو غير السريعة الامريكية, وحبذا لو كان غداؤنا اليوم من مطعم صيني أو هندي أو أي مطعم شريطة ألا يكون أمريكيا. ينتهي الحوار بابتهاج داخلي تحس به, لا تعرف إن كان مصدره وضوح الرؤية لدى أبنائك أم مرحلة النضج التي بدأوا يضعون أقدامهم على عتباتها؟ في الطريق عائداً الى البيت بعد أن أديت صلاة الجمعة التي كان موضوع خطبتها الاسراء والمعراج حيث تجد الموضوع حاضراً أيضاً يفاجئك ابنك ذو السنوات الست الذي أدى الصلاة معك بالسؤال التالي: * هل تعرف ما سأفعل لو امتلكت مدفعاً رشاشاً؟ تنظر إليه باستغراب فيكمل: * سوف أقتل اليهود جميعاً!! ثم يواصل: * وهل تعرف ماذا سيحدث لو قتلنا جميع اليهود؟ تواصل النظر إليه منتظراً الاجابة فيقول: * سنسترد الأرض التي اغتصبوها وسنريح العالم منهم!!! وهذه المرة تقرر ألا تدخل معه في نقاش ربما أحرجك إن لم يكن سيحرج آخرين يتعرضون للحرج كل يوم من قبل أطفال لا يملكون سوى الحجارة يقذفون بها جنوداً مدججين بالسلاح ويقدمون أرواحهم رخيصة بينما يتوارى الكبار خوفاً أو عجزاً ولكنه بالتأكيد ليس خجلاً.