(وجود التجمع في الخارج أثبت خطورة ارتباط المعارضة بأجندة قوى خارجية). هكذا اعلن المعارض الداخلي غازي سليمان المحامي قائد تنظيم (حركة القوى الديمقراطية السودانية) المعروفة اختصارا باسم (جاد). ولكي يعزز حجته هذه في التصريحات التي أدلى بها الى صحف سودانية وصحف عربية قال: (ان زيارة الرئيس الاريتري اساسي أفورقي الى السودان هي ابلغ دليل على ذلك). لاعتبار ان مصالح الدولة الاريترية بحسابات التعامل بين الحكومات باع افورقي (التجمع). هذه صفوة قول المحامي غازي بلغة مباشرة وبسيطة. ولكن هذا الزعيم الذي يمارس معارضة شرسة داخل السودان يذهب ابعد من ذلك فيدعو اقطاب (التجمع) الخارجي الى العودة. وفي هذا السياق يتهكم بعبارات صريحة على خياري (العمل العسكري) و(الانتفاضة المسلحة).. وهما الشعاران اللذان ظل اقطاب (التجمع) في الخارج يرددانهما دون كلل في حلهم وترحالهم بين اسمرة وكمبالا ولندن والقاهرة. هذان الشعاران, يقول غازي سليمان, (افرزا واقعا سلبيا في الداخل).. بمعنى ان القواعد الجماهيرية للمعارضة ركنت الى الخمود في انتظار الفرج من الخارج.. الذي, بعد سنين متصلة وطويلة, لم يأت. ومن ثم فانه يستخلص ان على قيادات المعارضة في الخارج ان تعود, اذا كانت جادة حقا, لحشد وتنظيم جماهيرها من اجل انتفاضة شعبية داخلية. هنا يتراءى لي ان كلمات المحامي غازي جاءت متأخرة. لا أقول جاءت بعد فوات الاوان. فقط متأخرة. فهي ترديد لاصداء ما سبق ان صدح به الصادق المهدي زعيم (حزب الامة) قبل نحو عام. خاطب المهدي حينئذ رفاقه اقطاب (التجمع) ناصحا ومحذرا: حذر من (المتغيرات الاقليمية) المتفاعلة لصالح النظام ولغير صالح (التجمع). وفي الوقت نفسه لفت الانتباه الى (المتغيرات الداخلية) في اشارة الى هامش الديمقراطية الذي صار متاحا في السودان واقصاء (العناصر الاستئصالية) من السلطة. وبالتالي كانت نصيحة المهدي الى (التجمع) هي العودة الى البلاد لممارسة المعارضة من الداخل استباقا لخطر المتغيرات الاقليمية واستثمارا للحريات الديمقراطية النسبية داخل البلاد. وبازاء عدم تجاوب اقطاب (التجمع) تصرف المهدي بصورة استقلالية فوافق على لقاء مع الرئيس عمر البشير (في جيبوتي) اثمر (نداء الوطن) ــ وهو ليس اتفاق مصالحة مع النظام وانما مجرد اعلان مبادىء يعتمد الحل السياسي السلمي كقاعدة للتعامل بين المعارضة والحكومة. والان لدينا مفارقة. فبعد ان ظل رئيس (التجمع) محمد عثمان الميرغني يشن حملة تلو حملة ضد (نداء الوطن) رافضا حتى مجرد لقاء مع البشير انقلب مئة وثمانين درجة عندما استجاب الشهر الماضي لوساطة اريترية حيث جمعه لقاء مع الرئيس البشير تحت شعار (الحل السياسي السلمي). واذا لم نسم هذا (اعلان مبادىء) فماذا نطلق عليه؟ لقد عاد (حزب الامة) الى البلاد لممارسة نشاطه في الداخل. وعودة المهدي وشيكة. اما الميرغني فانه ربما يعود وربما لا يعود. فهو في تقديري لابد ان يكون مترددا رغم تبنيه دعوة (الحل السلمي) ما بين الاغراءات الذاتية للبقاء في الخارج وما بين خسائر الغياب عن الساحة السياسية الداخلية المتفاعلة وبين وهم المراهنة على حلم بأن قوات قرنق قد تحقق في يوم ما من المستقبل اكتساحا عسكريا حاسما فتدخل الخرطوم حاملة زعيم (الختمية) على الأكتاف الى كرسي السلطة. الثابت في كل الاحوال ان الميرغني لابد ان يكون قد أدرك معنى المعارضة من الخارج كلعبة تحكمها اجندة القوى المستضيفة وتقلباتها وفق متغيرات المصالح.