جاء رد الفعل الشعبي على مقررات القمة العربية الطارئة, في الأغلب الاعم سلبيا, وبدا وكأن الموقف الرسمي العربي, قد ألقى بدلو من الماء المثلج على رؤوس الناس, وساد جو من الاحباط في الشارع العربي وهي ظاهرة ايجابية في حد ذاتها, اذ هي ــ في جوهرها ــ رسالة الى الجالسين على القمة, بأن الشعوب العربية تريد منهم ما هو اكثر تشددا مما قدموا حتى الآن, كما انها ــ كذلك ــ رسالة الى كل من امريكا واسرائيل, بأن ما اتخذته القمة من مقررات, هي مجرد بداية يمكن ان تتطور وتتصاعد طبقا لتطور الاحداث وتصاعدها. لكن هذه المشاعر السلبية ــ التي تنطوي على موقف ايجابي ــ ما لبثت ان تحولت الى مشاعر غضب وجهت ــ بفعل فاعل ــ الى وحدة الصف العربي على نحو يهدد بتفتته ليعود الى ما كان عليه قبل ان توحده الانتفاضة, فينتهي عقد كامل, كان العرب خلاله اخوة اعداء, يراهن العدو على تشرذمهم, ويساوم كل منهم على اعطائه بعض حقوقه, مقابل تنازله عن حقوق الاخرين. مشكلة المعارضة لمقررات القمة العربية, انها انطلقت من تصور غير واقعي للحالة العربية التي انعقدت في ظلها, فقد اغشى الغضب لما يجري في الارض الفلسطينية عيون المعارضين فتجاهلوا ان القمة العربية, قد بدأت من الحالة صفر, التي عاشت الامة في ظلها على امتداد عشر سنوات توقفت خلالها كل اشكال العمل العربي المشترك وانفرط عقد الامة وسادت خلالها المشاعر القطرية, واصبح كل قطر عربي يبحث عن مصالحه, ويتحالف مع من يجد في التحالف معهم فائدة له, بصرف النظر عن مصالح العرب الآخرين, بل ويتجاهلون كذلك ان هذه المشاعر القطرية قد تجاوزت النظم الحاكمة الى الشعوب التي فترت مشاعرها القومية الى الحد الادنى, فظاهرت حكامها في اعتماد سياسة الانكفاء على الذات, والعودة الى الداخل للاهتمام بشئونه, وانفاق ما لديها من مال على تحسين احوال شعوبها والعزوف عن اقحام نفسها في المشاكل التي ليست طرفا مباشرا فيها, وعدم التورط في اتخاذ اية مواقف قد تكبدها خسائر مالية او تسيء الى علاقاتها بأطراف دولية اخرى, بسبب التضامن مع اية دولة عربية شقيقة, فعلى كل نظام عربي ان يتحمل مسئوليته عما يتخذه من مواقف, وكل واحد ذنبه على جنبه, والجميع بالنسبة لكل قطر ــ وكل شعب ــ عربي, هم غرباء وأجانب, سواء كانوا خواجات او أولاد عرب, بل ان الخواجات يكونون افضل احيانا من اولاد العرب, بعد ان اثبتت تجربة حرب الخليج الثانية, ان الاقارب عقارب! ولولا مشاعر الغضب الجامح التي كانت تتلبس الجميع, لما حكموا بأن مقررات القمة كانت سلبية بشكل مطلق, ولما جزموا بأنها انتهت الى نتائج محبطة مئة فى المئة, ولوجدوا في هذه المقررات ما يدعوهم للتفاؤل ولليقين بأن دماء شهداء الانتفاضة لم تذهب هدرا, فقد ولدت ضغطا شعبيا, تغلب على المشاعر القطرية التي سادت طوال العقد الماضي, وأزاحت تلال الثلوج التي تراكمت عليها, وخلخلت سياسة الانكفاء على الذات التي كانت قد اصبحت قاعدة لسياسات النظام العربي, بل وانتهت الى تحقيق مطلب تاريخي ظل هائما منذ عقدت القمة العربية الاولى ــ بسبب فلسطين كذلك ــ عام 1964, فتم تعديل ميثاق الجامعة العربية, ليصبح مؤتمر القمة العربية, اجتماعا دوريا ينعقد في مارس من كل عام, وانتفت بذلك الحاجة الى الالحاح الدائم في كل مرة, لكي تنعقد القمة, وفقدت الضغوط, او الاملاءات الدولية التي تدفع اطرافا عربية للمعارضة في عقدها, فاعليتها وقدرتها على التأثير. ولو ان الذين احبطتهم مقررات القمة تذكروا ان مجرد انعقادها كان موازنة بين نوعين من الضغوط, جاء احدهما من الشارع الغاضب, وجاء الثاني من الاطراف الاقليمية والدولية التي اعتبرت هذا الانعقاد تحديا لارادتها وتعديلا لموازين القوى في المنطقة, لادركوا ان قرار عقدها, كان انحيازا للضغوط الشعبية على حساب غيرها من الضغوط, وهذا في حد ذاته عامل ايجابي يستحق الاحتفاء به. ولو انهم توقفوا امام قرار تعديل ميثاق الجامعة العربية لتنبهوا الى ان ما لم تستطع القمة العربية الطارئة ان تحققه من اهدافهم, يمكن ان تحققه القمة العربية العادية التي اصبح محتما ان تنعقد في مارس المقبل, وانه لا يزال باستطاعتهم ان يحشدوا الرأي العام حول هذه المطالب, او حول ما لم يتحقق منها, ليجدها الرؤساء والملوك على منصة الاجتماع المقبل. بعض مبررات الاستقبال الشعبي السلبي لمقررات القمة, انطلقت من لبس في فهم هذه القرارات بسبب غموض الصياغة المعتمد, او دبلوماسيتها المبالغ فيها, او رغبة القمة العربية في ألا تلقي بأسلحتها ــ وهي محدودة ــ في ساحة المعركة, وحرصها على استخدامها في ايقاع زمني محدد كرد فعل تدريجي على ما قد يتخذه الطرف الآخر من اجراءات, فقد تصور البعض مثلا ان القمة لم تتخذ اية قرارات تتعلق بتطبيع العلاقات مع اسرائيل, وما لبثت التطورات والتصريحات التالية ان اثبتت ان هذا الفهم غير دقيق, فبعد 48 ساعة فقط من صدور القرارات كانت كل من تونس والمغرب تغلقان مكاتبهما التمثيلية المتبادلة مع اسرائيل, وألمحت تصريحات لوزير الخارجية المصري عمرو موسى ولنظيره الاردني, الى انه من الوارد ان تخفض الدولتان ـ وهما الوحيدتان اللتان تحتفظان بعلاقات دبلوماسية رسمية مع اسرائيل تفرضها عليهما معاهدات ــ تمثيليهما الدبلوماسي معها, أو تقطعان هذه العلاقات طبقا لتطور الاحداث. من المبالغة في التشاؤم اذن ان نجزم بأن القمة لم تتخذ اية قرارات لها قيمة, ومن المبالغة في التفاؤل ــ كذلك ــ ان يتصور احد انها حققت كل شيء.. ومن الحكمة ان تقيم نتائجها على ضوء الحقيقة الوحيدة التي يمكن الجزم بها, وهو انها انطلقت من الحالة صفر العربية, فلسنا في عام 1964 ولسنا في عام 1967 ولسنا حتى في عام 1989 الذي انعقدت فيه آخر قمة عربية قبل كارثة حرب الخليج, ولكننا في عام 2000 ووراءنا ام المعارك وعاصفة الصحراء ومدريد وأوسلو وشعار الاقارب عقارب! والحقيقة ان نسيان الحالة صفر العربية هو المسئول عن الجانب الاكبر من مشاعر الاحباط تجاه مقررات القمة, فبسبب ذلك, علق كثيرون في عنق القمة أمالا كبارا يستحيل عليها ــ القمة والامة معا ــ ان تحقق شيئا منها, وهما في هذه الحالة الصفرية التعيسة, وحتى لو كنا نستطيع لما كان من الحكمة ان نعلنها, كان البعض يتوهمون مثلا ان القمة سوف تتخذ قرارات بإعلان دولة فلسطين فورا, او انها سوف تتخذ قرارا بفتح حدودها لكي يتدفق منها المتطوعون للقتال في صفوف الفلسطينيين, او تقطع النفط عن اوروبا او تجمد العلاقات الاقتصادية مع امريكا... الخ وهي كلها مطالب مشروعة, لكن عين الامة بصيرة, ويد القمة قصيرة, والشكوى لأهل البصيرة عيب, وفق الاوهام التي قد تتحول الى حماقات, ان نضغط على القمة بما لا تستطيعه اذ النتيجة المحتمة لذلك, هي ان ينفض مولد التضامن العربي ان لم يكن على صعيد الشارع فعلى صعيد القمة! وحتى لو كانت هذه المطالب جميعها, او كان بعضها مما يمكن تحقيقه في الظروف الراهنة, فهو يتطلب دراسات وابحاثا وبدائل واستعدادات.. ولابد ان يقودنا هذا الى فتح ملف الخطاب السياسي للتضامن الشعبي مع الانتفاضة, فقد بدأت هذه الحركة على الصعيد الشعبي على شكل طوفان من الانفعالات الغاضبة كانت ضرورية لتواكب البسالة الفلسطينية والوحشية الاسرائيلية, وكان طبيعيا ان تتدفق هذه الانفعالات من دون ان يفكر أحد في مدى معقوليتها, ومدى صواب ما اسفرت عنه من شعارات. اما ونحن امام تطور جديد في التعامل مع الصراع العربي الاسرائيلي, فقد آن الأوان لكي نوطن انفسنا على التعامل مع الحقائق, وعلى السعي الدؤوب طويل المدى لتطوير المواقف, وهو ما يفرض علينا, ان نتحاور حول خطاب سياسي للتضامن مع الانتفاضة الفلسطينية يشكل الحد الادنى الذي يلتقي حوله الجميع, لابد في تقدري من ان يقوم على ثلاثة منطلقات: الاول: ان حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه الوطنية, هي مسئولية الشعب الفلسطيني نفسه وقيادته وليست مسئولية احد غيره, فلابد وأن تتواصل الانتفاضة داخل الارض المحتلة بكل السبل التي تتاح لها وأن تصوغ لها برنامجا سياسيا واضحا ومحددا, حده الاولي هو جلاء قوات الاحتلال عن كل الارض التي احتلت بعدوان 1967, بما في ذلك القدس والاراضي التي اقيمت عليها المستوطنات واقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة. الثاني: ان التضامن العربي على الصعيدين الشعبي والرسمي مع الانتفاضة الفلسطينية ينبغي ان يتواصل بكل السبل الممكنة, حتى يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه كاملة. الثالث: ان الوحدة الفلسطينية, والعمل العربي المشترك, اساسان لا غنى عنهما لتحقيق هدف تحرير الارض المحتلة, وهدف التضامن معها من اجل ذلك! بوضوح لا لبس فيه فإن الذين يطالبون القمة العربية, بإعلان الحرب على اسرائيل, لا يحملون النظام العربي فوق ما يحتمل فحسب, بل ويدعونه ــ كذلك ــ الى خطأ سياسي ترتبت عليه قبل ذلك هزائم ونكسات, اما المهم فهو اننا لم نسمع من قبل عن شعب حرر الارض المحتلة لشعب آخر, اذ من البديهي ان الذي يحرر الارض, سيكون له حق عليها, وهو ما يفتح الباب لمشاكل وصراعات لا اول لها ولا آخر! بوضوح اكثر, فإن هذه الدعوة تتوجه الى مصر, ولا تتوجه الى اي احد آخر وتسعى لتوريطها في مغامرات عسكرية غير مضمونة النتائج, لا توافق عليها حكوماتها ولا يوافق عليها شعبها, فإذا كانت الحرب ضد اسرائيل ضرورية في هذا التوقيت فإن الجهة الاكثر ملاءمة لشنها ليست الجهة المصرية ولكنها الجهة السورية, التي لا تزال اسرائيل تحتل ارضا لها, ولا احد يمنع سوريا, او يمنع احدا اخر من الراغبين في الحرب والقادرين عليها, من حشد قواتهم فيها, والانطلاق منها لتحرير ما يشاءون, لو كانوا جادين فيما يقولون! وحتى تكون كل الامور على المنضدة, فإن السعي لتوجيه المشاعر الشعبية السلبية تجاه مفردات القمة, لتتحول الى حملة تحريض تؤدي الى تفتت الصف العربي, لعبة خطرة ينبغي ان يتوقف عنها الذين بدأوا يلعبونها, قبل ان يشعلوا نيران الفرقة والتشرذم, التي لن يدفع ثمنها في النهاية, سوى الشعب الفلسطيني. بوضوح فإن حركة التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية هي حركة قومية, وليس حزبية, وينبغي ان تظل كذلك, وان تصوغ خطابها السياسي على هذا الاساس, وان يتنزه الجميع عن الانانية وعن ضيق الافق, وعن محاولة تحكير دماء ضحايا الانتفاضة لحساب تيارات سياسية بعينها.. او تحويلها الى رصيد انتخابي, او ورقة ضغط للحصول على مكاسب حزبية! بوضوح اكثر فإن الانتفاضة الفلسطينية ليست دليلا ــ كما قالت بعض الرموز الحزبية المحسوبة على تيار الاسلام السياسي ــ على ان النظم العلمانية الحاكمة في الوطن العربي قد أفلست, وعجزت عن تحرير فلسطين, وان لها ان تغادر مقاعدها للتيار الوحيد القادر على هذا التحرر, وهو تيار الاسلام الجهادي. وفضلا عن ان مثل هذا الكلام ينطوي على الدعوة لحرب اهلية تلتهم الاخضر واليابس, وتؤجل هدف تحرير فلسطين الى حين اسقاط النظام العربي فإنه لم يصدر عن الذين شاركوا في تحرير جنوب لبنان او في الانتفاضة الفلسطينية من المنتمين للتيار الاسلامي, بل صدر عن الذين استغلوا ما لديهم من قنابل ومتفجرات طوال عقد التسعينيات ضد مواطنيهم وفيهم اطفال ابرياء, او ضد سياح اجانب, فهزوا استقرار بلادهم, واضعفوا موقف الامة بمجملها, وشغلوا انظمتها بالدفاع عن نفسها وقتلوا من المسلمين ومن العرب اضعاف ما قتل الاسرائيليون في الانتفاضة الاخيرة! وكما ان الانتفاضة الفلسطينية, ليست من صنع تيار بعينه من تيارات الحركة الوطنية الفلسطينية وتتوجه نحو العدو الاسرائيلي الذي يحتل الارض, وليس نحو اي عدو عربي حقيقي او متوهم, فإن حركة التضامن الشعبية مع الانتفاضة الفلسطينية ليست من صنع حزب بذاته, او تيار وحده, فهي حركة شعبية تتجاوز قدرة اي حزب او تيار على الحشد, وينبغي ان يتعفف الجميع عن محاولة تحزيبها او استغلالها لترويج شعاراتهم السياسية, او القفز على قيادتها لتوجيهها ضد خصومهم سواء كانوا حاكمين او كانو منافسين على الحكم! باختصار فإن تحزيب الانتفاضة وتحزيب حركة التضامن معها, هو تخريب لكلتيهما لن يستفيد منه سوى العدو! وبالمثل فإن استغلال الانتفاضة الفلسطينية, وحركة التضامن العريقة معها, لأهداف قطرية مفضوحة هو تخريب لا فائدة لأحد منه, إلا للعدو اقول ذلك تعليقا على الموقف العراقي الرسمي من مؤتمر القمة, وعلى المظاهرات التي طافت بغداد تهتف ضد القادة العرب, وتنادي (من مراكش للبحرين.. قائدنا صدام حسين وتدعو للجهاد وعلى الانباء التي تقول ان اكثر من اربعة ملايين عراقي قد قيدوا انفسهم في مراكز للتطوع, للتضامن مع الشعب الفلسطيني, ولا يمنعهم من التضامن معه, سوى ان القادة العرب, رفضوا في مؤتمر القمة, ان يفتحوا الحدود مع اسرائيل لكي يتسلل منها المتطوعون! والانتفاضة الفلسطينية ليست في حاجة الى متطوعين عراقيين او عرب, فاللاجئون الفلسطينيون مشتتون بين دول العالم, وهم اولى من غيرهم بأن يتطوعوا لاسترداد ارضهم, وليسوا هم ولا غيرهم, في حاجة الى قرار من القمة بفتح الحدود, لأن التسلل من اي حدود ممكن ويحدث كل يوم من دول العالم, وتزويدهم بالسلاح لمقاومة الاحتلال ليس من الامور التي يتوجب على القمة العربية ان تدرسها او ان تتخذ بها قرارا تعلنه امام شاشات التلفزيون, لأن تلك قرارات ــ اذا نشأت الحاجة اليها ــ تتخذ وتنفذ على مسئولية جهات محددة يعرفها الجميع. وليس الامر في حاجة الى ذكاء لكي يدرك كل من تابع ما جرى في بغداد خلال الاسبوع الماضي, انه لا يتعلق بالانتفاضة الفلسطينية ولا يعبر عن جدية في دعمها ولكنه محاولة لاحراج النظام العربي, وتهديده وابتزازه لكي يتشجع فيكسر الحصار الدولي على العراق كما فعل الافارقة مع ليبيا! وذلك بالطبع هدف مشروع, يمكن تحقيقه بالضغط الشعبي على القمة العادية التي ستعقد في مارس المقبل وبعد الحصول على ضمانات من النظام العراقي بأنه لن يعود للعدوان على جيرانه, بدلا من هذا الاستغلال الصغير للانتفاضة الفلسطينية, الذي يوشك ان يؤدي الى تقويض القدر المحدود من التضامن العربي الذي حققته القمة! المطلوب خطاب سياسي واضح للانتفاضة تتوحد حوله كل القوى الفلسطينية وتلتزم به بحيث تحافظ على وحدتها وتعتبرها قوتها الاساسية! والمطلوب خطاب سياسي واضح لحركة التضامن مع الانتفاضة يجمع حوله اوسع جبهة عربية تضم كل الاحزاب الحاكمة وغير الحاكمة, وتحشد حولها اوسع اقسام من الرأي العام العالمي! فليست الكارثة التي تهددنا هي اسرائيل, ولكنها اللعب بنار التفرقة وتشتيت الصفوف واستغلال الشعارات العظمى لاخفاء المكاسب الصغيرة! اللهم قد بلغت