تحت وهج انتفاضة المشاعر والتحركات الشعبية التلقائية التي تجتاح شارعنا العربي, منذ 29 سبتمبر الماضي, تتشكل وتتبلور صيغ جديدة غير مألوفة من العطاء والتسابق لبذل الغالي والنفيس لنصرة الأشقاء في فلسطين المحتلة, دفاعا عن قدسية الأقصى وزهرة المدائن. ويتقدم الأطفال والصبية الصفوف في جميع مدننا العربية من فاس في أقصى الغرب وحتى مسقط, حاملين قلوبهم الغضة الخضراء على أكفهم ويتملكهم شعور عارم بضرورة فعل أي شيء يشفع لهم أمام التاريخ الذي لم يقرأوا سوى مقدمة صفحته الأولى, وكأن مشهد الشهيد الطفل محمد الدرة وأشقائه الذين لحقوا به, أمدهم بزاد وموروث أضاف لأعمارهم سنين طوالا. ومن حقنا أن نتساءل أمام نماذج وبطولات الأطفال المدهشة, بعد أن نفتخر طبعا ونتباهى بها, هل عاد الغائب, وسرت أنفاسه وروحه في أجسادهم, هل أيقظت صرخاته ذلك الجسد العربي الذي تخيل وتوهم كثيرون من طول رقاده انه مجرد جثة هامدة؟ على ان طوابير الأطفال وقفت أمام مكاتب التبرع بالدم, لدرجة ان بنوك الدم في مصر مثلا لم تعد حسب المسئولين قادرة على استيعاب تلك الكميات من الدماء العربية الطاهرة, ولدرجة ان المديرة المسئولة عن تلك البنوك بكت من شدة التأثر وهي التي لم تشهد مثل هذا التدفق من المتبرعين منذ حرب أكتوبر, وما لم تذكره انها المرة الأولى التي تتمدد فيها طوابير الأطفال, وان يصر أحدهم على التبرع مرات كثيرة وبشكل شبه يومي. وأعود للسؤال هل عادات روح صلاح الدين تسري في نفوس أجيال لم تعرفه جيدا ولم تقرأ عنه إلا لماما, وسط سيل الكتابات المسمومة عن ثقافة العولمة والتطبيع؟ هل دوت صرخة صلاح الدين, لدرجة ان الأطفال يرددون حاليا وهم في مسيراتهم اليومية للتضامن مع الانتفاضة, ان صلاح الدين سيظهر في جيلهم, وسوف تتحرر القدس على أياديهم, وان دماء الأطفال الأبطال من أمثال الدرة ستنبت إرادة جديدة تسري في الجسد العربي, وتشعل المقاومة لتحرق المحتل الصهيوني؟ ولا يملك المرء أمام عنفوان حماس الطفل العربي إلا أن يراجع كثيرا من الأفكار اليائسة ويتخلى عنها, ويستبشر خيرا بغد عربي أفضل.