يبدو أننا أصبحنا ندور في فلك التعليب, فأغلبنا أصبح معلباً بحكم مستجدات الحياة العصرية اللاهثة وراء الماديات, فنحن نأكل حتى التخمة ونتمدد حتى الكسل الممل, وإذا أردنا أن نخرج نستكثر المشي على أقدامنا المتعبة بالكسل وقلة الحركة, فنفضل أن نعاملها معاملة خاصة جداً.. وبعد ذلك نتساءل عن سر البدانة التي حلّت بنا هكذا فجأة! ونتساءل اكثر عن تلك الأمراض التي تداهمنا بسهولة. لقد أثارني خبر نشر مؤخراً في احدى الصحف العربية مصدره كولون الألمانية اشار إلى أن الامارات تحتل المرتبة الثانية في قائمة البدينين على المستوى العالمي وذلك بعد سكان جزر ساموا الواقعة على المحيط الهادي. واكد الخبر أن 38% من نسبة البدانة في الامارات بين النساء و15.8% بين الرجال, وهذا وحده يدق ناقوس الخطر, فرغم عدم تعرض الخبر الى المصدر الذي استقيت منه تلك النسب إلا أن التوقف امام تلك المؤشرات ودراستها يعدان أمرين ضروريين وحتميين, خاصة بعد التهافت العجيب على أدوية الرشاقة وغيرها من الادوات والملابس التي تروج لها الشركات في محاولة لبيع الوهم, ففي المانيا مثلاً اعلنت احدى شركات العقاقير عن رواج منقطع النظير لأقراص تدعى (ريد وكتيل) خاصة بخفض الوزن, وقد تلقت الشركة فور قيامها بطرح هذا العقار عقوداً بملايين الماركات. والذي يدعونا للتوقف الجبري أمام هذه الظاهرة هو الهجمة الشرسة على أدوية التنحيف من قبل الكثيرين دون إعطاء انفسهم حتى الشفاء من حصص الكسل اليومي, وحصص الأكل المثيرة في كل الاوقات. وحتى لا أذهب أكثر اختصر فأقول: على مدى ثماني سنوات متواصلة, قام فريق طبي أمريكي بدراسة الحالة الصحية لحوالي 13 الف شخص يتمتعون بكامل الصحة, وعلى مدى هذه السنوات تبين ان نسبة الوفيات جاءت في صفوف الذين لا يؤدون حركة يومية, سواء كانت المشي على الأقدام أو أي نوع من انواع الرياضة. والجديد ليس هنا, الجديد كما يقول الدكتور كارل كاسبرسن أحد أعضاء الفريق الطبي الأمريكي انه ثبت بعد الاحصاءات ان الامر لا يحتاج الى اكثر من نصف ساعة من الحركة الرياضية, سواء كانت في المشي او الركض او السباحة او التمارين السويدية أوغيرها من الرياضات, وليس من الضروري أن يكون المرء ماراثونياً أو رياضياً من الطراز الرفيع.. كل ما هو مطلوب هو الحركة والتحرك بالمدة المشار اليها.. فقط نصف ساعة من الحركة يوميا إذا أمكن, على ألا تقل هذه المدة عن أربعة أيام في الاسبوع. وهنا يعتقد الكثيرون كما يقول الدكتور كاسبرسن انه كان من الشائع لدى الأوساط العامة والشعبية انه لابد من التريض المطول, أي المشي أو الرياضة لمدة ساعات, وهذا ما كان يؤخر الكثيرين عن متابعة حركاتهم الرياضية. والسؤال الذي سيردده الكثيرون بشكل تلقائي هل المسألة هينة للتخلص من البدانة؟ الاجابة بالطبع لا ولا تعتمد على النصائح والارشادات والتعليمات فقط, فقد امتلأت رفوف المكتبات خاصة في السنوات الاخيرة بآلاف الكتب التي تتحدث عن الوجبة الأكثر نفعاً التي تزيل البدانة أو تزيد النحافة, وفي الطرفين النحول والبدانة يكمن الهمّ القائم والمتواصل عند الكثيرين بعد أن تكاثرت الأمراض الناتجة عما تفرزه المدنية وعالمها المعلب من قلة في حركة الانسان, وما تفرزه المصانع من انواع طعام معلب لم تعرفه الأجيال السابقة. إننا اليوم ــ كما يقول أحد الاطباء في شئون التغذية ــ متخمون بالفيتامينات, فوجبة اي انسان عادي تحتوي كل انواع الفيتامينات الموجودة في العالم, ومن هنا, من هذه الزيادة تصبح الوجبة التي نأكلها غير متوازنة, فزيادة الطاقة الحرارية في الجسم نتيجة الوجبة المليئة بالفيتامينات تعني زيادة في الوزن, وهذه الزيادة تعني في المدى المنظور ارتفاعاً في ضغط الدم أو السكر أو امراض القلب.. وأي زيادة في الدهنيات معناها تزايد مواد دهنية في الدورة الدموية مما يؤدي إلى ترسبات دهنية في الشرايين تؤدي إلى مرض أو تعب القلب. المطلوب اذن كما يؤكد الاطباء نصف ساعة فقط تجعلك أكثر أمنا وتتكفل بابعاد, لا سمح الله, الامراض الخطيرة كأمراض القلب والسرطان والسمنة, ويبدو لي بعد ذلك ان اقتطاف نصف ساعة فقط يومياً من حصص الكسل أو الثرثرة في الهاتف أو حل الكلمات المتقاطعة أو التسكع في الأسواق أو المراكز, واستثمارها في المشي المفيد أو حتى اللعب مع اطفالنا في حديقة المنزل أو المتنزهات يجعلنا اكثر قوة وأمنا.. وحتى لا تتحول ظاهرة البدانة التي افرزتها الحياة العصرية من الاجسام الى القلوب والعقول علينا أن نتوقف امام هذه الظاهرة وقراءتها جيداً.. وسلامة قلوبكم!