في الرؤيا والممارسة, في البرامج والتحالفات, بادرت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين لبلورة خطط وخطوات استراتيجية التمرحل في حل معضلات الصراع العربي ـ الاسرائيلي وجوهره قضيتنا الوطنية والقومية الفلسطينية, قدمنا ونقدم سياسة ملموسة, معاصرة, جديدة, وممكنة على محاورها الفلسطينية, العربية, الدولية, والاسرائيلية, وذلك على ضوء حركة ميزان القوى المحلي والاقليمي والدولي في حمى الحرب الباردة بين معسكري الصراع وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي. بدأنا هذا مطلع السبعينيات فقد قدمنا البرنامج الوطني المرحلي في أغسطس 1973 الذي أصبح برنامج الاجماع للشعب وائتلاف م.ت.ف. (قرارات المجلس الوطني في يونيو 1974) وتم تعريبه في قمة الرباط (اكتوبر 1974) بحثا عن التسوية الشاملة العربية ـ الاسرائيلية وقطع الطريق على مشروعات القفز عن حق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير والدولة المستقلة وعودة اللاجئين وفق قرارات الشرعية الدولية وحق منظمة التحرير الائتلافية وببرنامجها الجديد في تمثيل شعب فلسطين, فالدعوة الأمريكية ـ السوفييتية إلى عقد مؤتمر جنيف بعد حرب اكتوبر 1973 تجاهلت التمثيل الفلسطيني وحقوق الشعب الوطنية وحددت الدعوة حصرا بمصر وسوريا واسرائيل على أساس القرارين 242, 338 فقط وحصر القضية الفلسطينية باللاجئين فقط وفق نص القرار 242, وتدويله على يد السوفييت والبلدان الاشتراكية وبلدان عدم الانحياز وبعبور م.ت.ف. إلى الأمم المتحدة ممثلا لشعب فلسطين (ديسمبر 1974). وفي ذلك الوقت كان هذا فتحا جديدا في مسار الصراع العربي والفلسطيني ـ الاسرائيلي الصهيوني, فقد كان الموقف العربي والفلسطيني في عنق زجاجة, يتخبط في دوامة سياستين متناقضتين في الرؤيا والممارسة ولكنهما متقاطعتان بالنتائج المحصودة على الأرض وفي الميدان, وهما: * سياسة الايديولوجيا القومية ـ الدينية (تحرير كل فلسطين بخطوة واحدة, والا تبقى كل قضايا الصراع معلقة, مؤجلة جيلا بعد جيل) بينما الاحتلال يتواصل, وغول الاستيطان يزحف, وفرض الأمر الواقع التوسعي الاسرائيلي الصهيوني لا يتوقف في سياق حدود اسرائيل التوسعية الجديدة وبأفق ايديولوجي توراتي أو براجماتي (اسرائيل من البحر إلى النهر) وفي جوفها (أقلية عربية فلسطينية), كما يتواصل الشتات الفلسطيني في المنافي إلى أن يندمج بما حوله بتقادم الزمن. هذه السياسة العاجزة عن توليد آلياتها القومية والوطنية والدولية أورثتنا الكوارث وفي المقدمة النكبة الكبرى ( 1948) واحتلالات (1967) وزحف الاستيطان حتى يومنا, يقابل هذا ما حققه برنامج الحركة الصهيونية وآلياته وتحالفاته والذي تجاوز كل الحلول الدولية المعروفة (181, 194, 237, 242, 338 ومبدأ الأرض مقابل السلام). * سياسة ايديولوجيا الاستسلام للأمر الواقع الذي تصنعه الدولة العبرية على الأرض, مع عدم التمسك الجاد بقرارات الحلول الدولية على الرغم من رفع شعاراتها, فالتمسك الجاد يتطلب ويشترط توليد آلياته المادية والسياسية وتحالفاته الوطنية والقومية والدولية. والحصاد المر لهذه السياسة طغيان التعارضات بين أطراف الخريطة الفلسطينية ـ الفلسطينية, وبين العرب شعوبا ودولا على التناقض الرئيسي مع الاحتلال والاستيطان وتطاولاته على الحلول الدولية ووضعها وراء ظهره بخلق الحدود التوسعية الاسرائيلية الجديدة بلا توقف, وآخر أمثلتها الشروع ببناء مستوطنة جبل أبو غنيم وتسمين المستوطنات القائمة وتركيز (مستوطنات التلال الجديدة) على يد حكومة باراك الائتلافية وبرنامج خطوط الأساس لحكومته ولاءاته الست المذكورة في الفصل الأول. العقم إن عقم هاتين السياستين يتبدى بتجارب كل حركات التحرر الوطني المسئولة عملا بسياسة مرحلية عملية واقعية وآليات وتحالفات وطنية واقليمية ودولية متماسكة, فانجزت التحرر والاستقلال والوحدة القومية بعد تشطير اقطاعي واستعماري طويل (فيتنام, الصين, الجزائر, اليمن, لاوس, كمبوديا, الهند, اندونيسيا, زيمبابوي إلى (انجولا, وموزامبيق وتانزانيا حتى جنوب افريقيا مانديلا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ودمار أقطار الطوق ممثلة بدول المواجهة الست (الخط الأمامي) الملتفة حول حركة تحرر جنوب افريقيا)). ويتبدى عقم هاتين السياستين بما ورثنا من نكباته وعلى الجانب الآخر من المتراس اصرار الشعوب على مقاومة (سياسة الأمر الواقع) على امتداد الأقطار العربية من المغرب إلى اليمن, فالاحتلالات البريطانية والفرنسية (التي اتخذت مضمونا استيطانيا في الجزائر وبدرجة أدنى في المغرب وتونس) والقواعد العسكرية والمعاهدات والاحلاف كلها كنستها حركة تحرر الشعوب لتثبت بالممارسة والنتيجة ما أثبتته شعوب أخرى قبل شعوبنا العربية وبعدها, ان سياسة الأمر الواقع الاحتلالية والتوسعية الاستيطانية ليست قدرا مكتوبا فأنجزت معظم شعوب العالم الثالث التحرر والاستقلال وطوت التشطير الاستعماري والاقطاعي ونهضت الوحدة القومية بكل أجزاء الوطن (الصين, فيتنام, اندونيسيا, الجزائر, اليمن, انجولا, موزامبيق, ناميبيا, جنوب افريقيا) والعديد العديد في آسيا وافريقيا في ظروف ما قبل (انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي) وما بعدها. واستراتيجية التمرحل هي الخلاصة العظيمة والظافرة لتجارب الشعوب ضد الغزاة المستوطنين والاستعماريين والآتين من وراء حدود أوطان الشعوب, وهي الاستخلاص الرئيسي من تجارب أمتنا العربية في مقاومة الغزاة. والتمرحل الآخر, ولكن المعاكس في أيامنا سياسة الحركة الصهيونية المنظمة بمنهجية أوروبية عن الحضارات الأوروبية الحديثة, وكما قال بن جوريون (اخذنا البلاد مستوطنة مستوطنة, دونما بعد دونم وشجرة بعد شجرة) ووافق على قرار التقسيم عام 1947 بعد أن رفضه في البداية, وتجاوزه بالممارسة العملية عام (1948) فقامت الدولة العبرية على 77% من فلسطين بينما التقسيم يقدم لها 55.5% والشطر الآخر 44.5% دولة عربية فلسطينية, والقدس الغربية والشرقية دولية بوضع خاص وهي (كيان منفصل). وبعد 1948 لم تتوقف عمليات التوسع (ام الرشراش المصرية ـ الأردنية عام 1950, سهل الحولة, ضم المناطق المنزوعة السلاح بين سوريا واسرائيل أعوام 1948 ــ 1954) إلى احتلال 1967 وتوسع التهويد بالقدس الكبرى والاستيطان في سيناء والضفة والقطاع والجولان, بل والتوسع في وادي عربة ومنطقة الباقورة الأردنية في الغور الشمالي (1968). استراتيجية التمرحل التي قدمنا ونقدم تستند إلى قرارات الشرعية الدولية 242, 338, 194 (اللاجئين), 237 (النازحين) والأرض مقابل السلام, أقرها مجلسنا الوطني الفلسطيني في يونيو 1974, وبعد تعريبها تم تدويلها وصدرت قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة تباعا بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني بما فيه الحق بدولة مستقلة عاصمتها القدس, وحل قضية شتات اللاجئين والنازحين (194, 237) وعودة الأراضي العربية المحتلة بعدوان 1967 مقابل (الحدود الآمنة, المعترف بها) والسلام المتوازن. وبالسياسة المرحلية الجديدة والبديلة عن سياسة الشعارات القومية العامة والفاقدة آلياتها, وعن سياسة التسليم بالأمر الواقع التي تدير ظهرها للشرعية الدولية والتي لا تتقاطع على مساحة ما مع حق الشعوب ونضالها الذي أدى بالمحتلين والمستوطنين إلى الاقرار بالشرعية الدولية من (الجزائر الفرنسية إلى جنوب افريقيا العنصرية الأوروبية) ومن (فيتنام إلى اندونيسيا وتيمور الشرقية إلى ماليزيا وسنغافورة). بهذه السياسة الجديدة فك الاتحاد السوفييتي نقطة تقاطعه مع أمريكا وأوروبا حتى عام 1973, ومنذ تلك اللحظة المبدئية والأخلاقية وقف السوفييت والصين والمعسكر الاشتراكي, كل حركة التحرر والقوى الثورية في العالم, كل بلدان عدم الانحياز, وكل قوى التقدم والسلام في أوروبا وأمريكا مع شعب فلسطين والأمة العربية, فقد أصبحت السياسة الوطنية الفلسطينية, والعربية القومية المشتركة سياسة ملموسة, واقعية تقف على الخارطة الاقليمية والدولية, وبمسافة مساحات بارزة بعيدا عن استراتيجية الشعارات القومية العامة واستراتيجية (الأمر الواقع الانهزامية). وبالسياسة الجديدة أخذ معسكر السلام في اسرائيل يتشكل ويتوسع نحو سلام آخر لا سلام اليمين واليمين المتطرف سلام التوسع نحو اسرائيل من البحر إلى النهر (بيجن, شامير, نتانياهو) وسلام تكسير عظام الانتفاضة وخرائط ضم وابتلاع القدس والكتل الاستيطانية وحدود اسرائيل على امتداد غور الأردن ومع مصر استنادا إلى مستوطنات جوش قطيف في جنوب قطاع غزة كما تطرح خرائط حزب العمل اسرائيل واحدة ووثيقة (الحدود والترتيبات الامنية) التي تقدم بها الفريق الاسرائيلي برئاسة عوديد عيران لطاولة مفاوضات الوضع الدائم. زوابع أوسلو الان كثير من الزوابع الرملية والقنابل الدخانية يطلقونها لتبرير اوسلو 1,2 والواي وشرم الشيخ الذي يصنعه تحالف اليمين برئاسة نتانياهو وبعده حكومة باراك الائتلافية على الارض وباستيطان الامر الواقع من تشطير مدينة خليل الرحمن (1997) الى مستوطنة جبل ابو غنيم لقفل دائرة التهويد حول القدس الكبرى, إلى انفلات غول الاستيطان بقرارات حكومية في الضفة والقطاع والجولان. وكل الزوابع الرملية تحت شعار (خذ وطالب) و(ليس بالامكان أفضل مما كان) وهذه البضاعة القديمة التي تعود للماضي في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين وسياسة الانحناء للمدافع والبوارج الحربية قدمها فريق اوسلو من جديد في دورة المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في غزة فبراير 2000 على الرغم من اعتراض احمد قريع (ابو علاء) احد اصحاب اوسلو الثلاثة منذ مقالته الصارخة في 9/4/1999 والداعية لتجاوز سياسة اوسلو التي تنتهي في 4/5/1999 والانتقال الفوري لاعلان سيادة دولة فلسطين على كل الارض المحتلة بحدود 4 يونيو 1967 وعلى الرغم من قول ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية امام المجلس المركزي في 2 فبراير 2000 ان لديه مئة اعتراض على اوسلو. وسائل التبرير دائما خرجها ــ كيسها) جاهز, والطريف ان البارعين به هم عناصر من ابناء الطبقة الوسطى انتقلوا من النقيض الى النقيض, وهذه ظاهرة معروفة في بلدان العالم الثالث على يد هؤلاء لتبرير سياسة المتسلطنين على القرار السياسي من كتاب (مدرسة السادات السياسية) الى كتاب (لا بديل عن التسليم بالامر الواقع), ومن تصريحات (اوسلو مات.. الى الانخراط بطبخة اوسلو والاستمرار بسياستها وتحت سقفها). ووسائل التبرير الكلامية النظرية هذه موجودة في اكياسها وفي جيوب منظريها في ظل وجود الاتحاد السوفييتي, وبعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي. وبين 1956 ــ 1986 ثلاثين عاما كاملة ساند فيها الاتحاد السوفييتي وأكثرية البشرية شعوباً ودولاً الأمة العربية ودولها, ووقفت الامم المتحدة وكل قوى السلام والديمقراطية في العالم وخصوصا في اوروبا والولايات المتحدة وفي المجتمع الاسرائيلي مع لغة العصر الحديث, لغة اليوم والغد في عشريات القرن العشرين الأخيرة ومطلع الألفية الثالثة, مع قرارات الشرعية الدولية نحو سلام شامل متوازن وعملا بالقرارين 242, 338 وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وحل مشكلة اللاجئين والنازحين بالقرارين 194 ــ 237. فماذا كانت حصيلة هذا المشهد الكبير على مسرح الشرق الاوسط والعالم كله؟! وهل استثمرنا نحن العرب شعوبا, احزابا وثوارا, انظمة وحكومات هذه التطورات العالمية الهائلة في صالحنا وما ترتب عليها من تدفق الاسلحة المتطورة والمساندة الاقتصادية والتكنولوجية وفق ارقام النفط الفلكية, وانفتاح الفضاءات الهائلة من التحالفات السوفييتية والاشتراكية وفي عالم التحرر وعدم الانحياز على امتداد آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية. والمساندة السياسية النبيلة والكثيفة في الامم المتحدة ومن الارجنتين الى الصين. بصراحة بصراحة اكشف لكم عن أحد حواراتي مع السوفييت في موسكو, وتحديداً بعد حرب اكتوبر 1973. قلت للاصدقاء انكم للمرة الثانية تخذلون العرب بنقص السلاح الذي يضمن النصر, الاولى عام 1967 والثانية الان في حرب اكتوبر. وبهدوء التفت كيرلنكو عضو المكتب السياسي (الشخصية الثالثة في القيادة بعد برجنيف وكوسيجن) الى بوناماريوف (عضو المكتب السياسي) وكارين بروتنتس (لجنة مركزية) وطلب ملفاً خاصا, جاء بروتنتس بالملف وتمت القراءة, وقال السوفييت: يا رفيق حواتمه, لقد قدمنا من السلاح (والذي واصل تدفقه اثناء الحرب) الى مصر وسوريا والعراق ما يسمح للعرب بتحرير الاراضي العربية المحتلة يونيو 1967 ثلاث مرات وليس مرة واحدة, وهنا لا ندرج السلاح المقدم للدول العربية الاخرى, ووضعنا بلادنا على شفير الهاوية النووية أكثر من مرة بمواقفنا مع العرب في الاعوام 1956, 1967, 1973, فنحن لسنا تجار سلاح, ومعظم سلاحنا للعرب بلا مقابل او ديون نشطبها بين فترة واخرى ولو كنا تجار سلاح أو تركنا العرب لكنا الان (نسبح في انهار من ذهب) فبلادنا اغنى بلاد العالم بالخامات والطاقات والابداعات العلمية, ولكن الكثير الكثير من (عرقنا) نقدمه باحترام الى القضايا العادلة والشعوب المناضلة, ولذا نقول معكم اين المشكلة؟ وبصراحة نقول لكم اولا: القرار السياسي بعمق العمليات العسكرية واهدافها كان محدوداً. وثانيا: ادارة استخدام السلاح وادارة الحرب بها اخطاء استراتيجية كبرى ولو تواصل اندفاع القوات العربية حتى الممرات في سيناء لتغير كل مسار الحرب وتغيرت كل النتائج السياسية في صالح العرب. ولكن القرار السياسي لجم تقدم القوات ونحن بيدنا نسخ عن الرسائل السرية قبل الحرب واثناءها وحتى وقفها بين الرئاسة المصرية والرئاسة الامريكية وهذه نتائج (تكتيك السلاح والمساندة من السوفييت, بينما حدود القرار والادارة السياسية مع واشنطن). في اليوم التالي التقى وفد م.ت. ف (عرفات, حواتمه, الفاهوم, زهير محسن, طلال ناجي, حامد ابو سته) مع رئيس الوزراء كوسيجن وكانت التوصية السوفييتية (الوحدة الوطنية بالبرنامج المشترك, الصمود العربي على الارض, ضرورة استخدام سلاح النفط وسياسة واضحة متمسكة بقرارات الشرعية الدولية). بعدها فصول القصة معلومة منذ سارت كل الامور بالاتجاه الآخر. وضاع ثلاثون عاما حيث السوفييت وأغلبية البشرية معنا دولا وشعوبا. حقا خذلنا انفسنا بينما خصمنا ثابت على مواقفه وتحالفاته وخططه التوسعية بأمر الاستيطان الواقع.