بينما كان قادة (التجمع) السوداني المعارض مجتمعين في مدينة مصوع الساحلية الاريترية قبل بضعة أسابيع, كان في الخرطوم وفدان حكوميان اريتريان يبحثان قضايا ثنائية مع الحكومة السودانية, أحدهما مجموعة فنية جاءت لوضع الترتيبات الخاصة بمشروع خط أنابيب عبر الحدود لتزويد اريتريا بالمشتقات النفطية السودانية (بنزين وديزل).. والوفد الثاني مجموعة امنية جاءت للمشاركة مع الطرف السوداني في وضع اللمسات الاخيرة لمشروع اتفاق امني مفصل بين الحكومتين تمهيدا لزيارة رسمية للرئيس الاريتري أفورقي لاحقا. ورغم انه لم تنشر تفاصيل كاملة إلا أن زيارة الرئيس الاريتري تعتبر نقطة تحول حاسمة في العلاقة الثنائية بين الدولتين. فقد انتهت الى اتفاق نهائي يقضي بتصفية نشاط المعارضة الخارجية السودانية من على الاراضي الاريترية. في هذا السياق كانت كلمات الرئيس الاريتري الختامية في مؤتمر صحفي في الخرطوم ذات دلالة عميقة. فقد قال أفورقي قبيل مغادرته انه (لم تعد هناك قضايا أمنية عالقة بين البلدين).. وأضاف قائلا: (إن الخلافات أصبحت الآن جزءا من الماضي). وليس هناك شك في أن أقطاب (التجمع) السوداني كانوا على علم بما كان يجري بين الحكومتين, وبالتالي هيأوا انفسهم لمرحلة جديدة. هذا مما يفسر لنا لماذا عقد هؤلاء الاقطاب اجتماعهم في مصوع تحت شعار (الحل السياسي السلمي) و(انهاء الحرب). فقد كان الشعار السابق هو (اقتلاع النظام من جذوره). على هذا النسق يأتي الآن قرار الحكومة الاريترية بوقف بث اذاعتي (التجمع) من أرض اريتريا: اذاعة رئيسية للتجمع ككتلة وإذاعة فرعية للفصيل القتالي للعميد عبدالعزيز خالد (وهو الفرع الشمالي لقوات قرنق) الذي ظل يشن هجمات عسكرية عبر الحدود السودانية انطلاقا من معسكرات داخل اريتريا. وترافق اغلاق محطتي الاذاعة مع قرار اريتري آخر مع اطلاق سراح 11 معتقلا سودانيا من غير المتعاطفين مع (التجمع) كانت سلطات الآمن الاريترية قد اعتقلتهم قبل خمس سنوات استنادا الى وشايات من عناصر (التجمع). ومما يلفت الانتباه ان اقطاب المعارضة الخارجية السودانية سكتوا على هذه التطورات وهذا ربما كان طبيعيا. فإذا كان قادة (التجمع) قد فقدوا القاهرة كقاعدة لممارسة نشاط معاد للنظام في الخرطوم فإنه ليس من مصلحتهم الترويج ايضا لفقدان أسمرا. صفوة القول ان المشهد الاقليمي الاجمالي تغير تماما لغير صالح المعارضة الخارجية السودانية.. بالنظر الى الاختراقات الدبلوماسية التي قامت بها الخرطوم. فقد نجح النظام في فك عزلته الاقليمية عربيا وافريقيا.. بل ودوليا فلم يعد مستهدفا بعداء ثابت الا من قبل دولة واحدة.. الولايات المتحدة. ربما تكون يوغندا استثناء ثانيا. ولكن حتى مع هذه الدولة الافريقية المجاورة تجري حاليا اتصالات سودانية معها بدعم مصري وليبي. بل وتمكنت الاطراف الاربعة من التوصل الى اتفاق مبدئي يفضي بأن تكبح الحكومتان السودانية واليوغندية جماح حركتي التمرد جيش قرنق وقوات (جيش الرب) اليوغندية ــ تحت اشراف مراقبين عسكريين على الحدود من مصر وليبيا. واذا كان اقطاب (التجمع) السوداني في الخارج التزموا السكوت عن هذه التطورات فإن بعض قادة المعارضة في الداخل عبروا عن قلقهم.