لم اندهش كثيرا للاجراء الذي اتخذته الحكومة الاريترية هذا الاسبوع بإغلاق محطتي الاذاعة التابعتين للمعارضة السودانية الخارجية اللتين تبثان ارسالهما الدعائي ضد الحكومة السودانية من الاراضي الاريترية. فققد ظللت لمدى السنوات الخمس الاخيرة اقول ان ممارسة المعارضة من خارج الحدود تبقى بالحتمية والضرورة المنطقية عرضة لمخاطر التقلبات في اجندة السياسة الخارجية للدولة المضيفة القائمة على متغيرات المصالح الحيوية. في ظرف زمني ما يحدث تناقض حاسم بين ما تريده المعارضة المستضافة وما تريده الدولة المضيفة.. فيقع الطلاق. هكذا تراءى للرئيس الاريتري اسياس افورقي ان يبيع (التجمع) السوداني المعارض في مقابل اعادة رسم علاقات الدولة الاريترية مع الدولة السودانية على اسس جديدة تستبعد الاعتبارات الايديولوجية لصالح اعتبارات المصالح البراجماتية وفقا لمتغيرات طرأت على الصعيد الاقليمي. هناك ثلاثة متغيرات رئيسية متداخلة: الناتج السياسي للحرب الاريترية الاثيوبية.. والانفتاح المصري والليبي على السودان.. والنفط السوداني. من الحرب لم تخرج اريتريا مهزومة عسكريا فحسب.. بل ايضا معزولة سياسيا. فقد اثبتت الحرب لأسمرا ان من الحماقة ان تدخل اريتريا حربا شاملة تقليدية ضد اعظم قوة متتالية في القرن الافريقي وثاني اعظم قوة في افريقيا جنوب الصحراء (بعد جمهورية جنوب افريقيا) مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بعلاقات عدائية مع السودان المجاور للدولتين المتحاربتين. فقد كانت النتيجة ان السودان استثمر فرصة الحرب لتصفية حساباته مع اريتريا بإقامة تحالف استراتيجي مع الطرف الاثيوبي. كان من بين ثمرات هذا التحالف من المنظور السوداني, والحرب تدور رحاها, ثلاثة امور: اولا: كانت محركات الدبابات والطائرات الاثيوبية تتغذى ببنزين سوداني تصل امداداته عن طريق ميناء جيبوتي (التي بدورها ايضا تحالفت مع اثيوبيا بسبب استفزازات قبلية اريترية). ثانيا: اخذت اديس ابابا علما بالخطط والتدابير العسكرية السرية لاريتريا من طرف الخرطوم بعد ان وقع عدد من كبار ضباط الاستخبارات العسكرية الاريترية في اسر السلطات السودانية حين عبروا الحدود الى السودان هربا من الزحف العسكري الاثيوبي الذي كان يتهدد العاصمة أسمرا نفسها في مرحلة ما من الحرب. ثالثا: بمقتضى التعاون الاستراتيجي السوداني الاثيوبي سمحت الحكومة السودانية لاثيوبيا (التي ليس لها منفذ بحري الى العالم) باستخدام ميناء بور سودان على البحر الاحمر لصادراتها ووارداتها. على هذه الخلفية تبلور المتغير الثاني المتمثل في ذلك الاختراق الدبلوماسي الكبير الذي انتقل بعلاقات السودان مع كل من مصر وليبيا الى مستوى شراكة استراتيجية. ولم يكن ذلك على حساب علاقة (التجمع) المعارض بهاتين القوتين الاقليميتين فحسب.. بل كان ايضا على حساب الرصيد الاقليمي لاريتريا. فبعد ان حسرت اريتريا كلا من اثيوبيا والسودان وجيبوتي اكتملت حلقة الخسران بسبب تقارب سياسي بين كل من مصر وليبيا مع اثيوبيا عن طريق الحلقة السودانية.. هذا التقارب الذي كان من ابرز نتائجه تحالف مصري اثيوبي على صعيد مجلس الامن الدولي يطالب برفع العقوبات الدولية عن السودان بعد ان برأته الدولتان عمليا من تهمة الضلوع في محاولة اغتيال الرئيس المصري عام 1995 على الارض الاثيوبية.