تحتل فكرة المجتمع المدني اليوم مكانة سامقة في سلم أولويات التفكير السياسي العربي الديمقراطي. وقد انتقل هذا الاهتمام مؤخرا, حتى الى بعض الطبقات الجماهيرية الشعبية التي باتت تعقد الآمال على ما يمكن ان يقدمه مثل هذا المجتمع. ولكن المشكلة ان صورته ليست واضحة بعد, وهي تنطوي على الكثير من الاشكاليات ويلفها شيء من الغموض. هذا يعني ان قيامه يستوجب توافر شرطين اساسيين هما: 1ــ اتخاذ قرار سياسي بهذا الشأن, على اعلى المستويات. 2ــ توضيح المدلولات النظرية والعملية للمجتمع المدني, وازالة الاشكاليات المفاهيمية والقانونية والادارية المتعلقة به. ولسنا الآن بصدد الشرط الاول, وانما يهمنا هنا شرح ما يتعلق بالشرط الثاني. وسوف نستشهد في ذلك بالآراء التي اوردها الباحث الدكتور كريم ابو حلاوة في كتابه (اشكالية مفهوم المجتمع المدني) الذي حاول فيه ازالة بعض الغبار عن هذا المفهوم, واماطة اللثام عن جوانب من تطوره التاريخي, معترفا هو نفسه في آخر المطاف بأنه لم يفلح في حل جميع الاشكاليات المتعلقة بالمجتمع المدني الذي اصبح اليوم رديفا للتقدم السياسي والاجتماعي, وهما شعبيا عاما, وليس قضية تهم صفوة المثقفين فحسب. ويدعو الباحث الى ضرورة اعادة صياغة مفهوم المجتمع المدني وتحديد مدلولاته النظرية والعملية, مع الاستئناس بالعودة الى نشأته الاولى. وهو يرجع اشكاليته الى كونه (تجريدا ذهنيا لواقع اجتماعي شديد التعقيد والتباين, ويزخر بالتناقضات, ولا يتوقف عن التغير). تاريخ المجتمع المدني الغربي: ويولي الباحث تاريخية المجتمع المدني ومرتكزاته الايديولوجية والمعرفية اهتماما ملحوظا, فيعود بأدراجه الى العصور الوسطى في اوروبا, حينما قام النظام السياسي والاجتماعي هناك على اساس الحق الالهي والسلطة المطلقة للحاكم, بالمعنيين السياسي والديني. وقد كان البابا جريجوري السابع, ومن بعده بابوات روما الآخرين, الآمر الناهي والحاكم المطلق المعصوم عن الخطأ في شئون الدين والدنيا, والذي لا يرد له طلب. وكرد على هذا, قامت في القرن الخامس عشر حركة مارتن لوثر الاصلاحية, ومن بعده كالفن, واعلنت ان البابا بشر قابل ومعرض للخطأ, وان الكنيسة بشرية وليست مقدسة, وانه ليس للكون سوى اله واحد. ولكن لوثر لم يحرز الا نجاحا محدودا. وبعد ذلك ابثقت حركة التنوير التي عدت الفرد قيمة بحد ذاته, ويجب احترامه بصرف النظر عن ديانته او مذهبه او معتقده السياسي. ويذكر الكتاب من بين التنويريين مونتسيكيو وآدمز وروبسبيير ودانتون وجيفرسون. وفي هذه الاثناء اخذت فكرة المجتمع المدني في الظهور, بالاستناد الى اسس الحرية الفردية وحق الملكية والتعاقد الاجتماعي من اجل المصلحة العامة. وفي عصر النهضة الذي اتسم بالاكتشافات الجغرافية الكبرى والتحولات السياسية والاصلاح الديني وانطلاقة الاقتصاد الرأسمالي, ازدادت صورة المجتمع المدني وضوحا فبرز مبدأ التعددية القائم على اساس انه ليس هناك احد يملك الحقيقة كلها, وانه لا يحق لانسان ان يصادر افكار الآخرين, حتى وإن بدت غير صحيحة من خلال منظار معين. كما بدأت تتكون العناصر الاساسية التي تشكل ماهية الديمقراطية, وهي: التقرير بالاغلبية, والمساواة امام القانون واحترام آراء الاقلية. وفي ذلك العصر انبرى لوك لتأسيس نظام الليبرالية الذي يستند الى ضرورة فسح المجال امام المنافسة والمعارضة وقبول الرأي الآخر. وقد كان له فضل الاسهام في بلورة ديمقراطية غربية تعتمد على مبادىء اربعة هي: 1ــ ان الناس جميعا احرار ومتساوون في حقوقهم في نيل الحرية. 2ــ الحقوق الطبيعية ليست منحة من احد, بل هي من خصائص الذات البشرية. 3ــ السلطة السياسية ينبغي ان تقوم على التعاقد الاجتماعي المبني على التراضي بين طرفي العقد. وفي الفصل الثاني يتحدث المؤلف عن المجتمع المدني من خلال تحليل نصوص لهيجل وماركس و جرامشي, مبينا ان هيجل يرى في المجتمع المدني بيئة تعاونية تتكون من اعضاء مستقلين, وسمتها الاساسية ضمان الملكية والحرية الشخصية, والهدف فيها مصلحة الفرد. اما مهمة الدولة فتنحصر في ايجاد التوافق بين المصلحتين الخاصة والعامة. والمطلوب من جميع اعضاء الهيئة الاجتماعية ان يشاركوا في صنع مصيرهم وتحديد غاياتهم الآنية والمستقبلية. والدولة هي مجرد وسيلة لبلوغ هذه الغايات, وليست هدفا بحد ذاتها. اما ماركس, فيرى ان المجتمع المدني هو البنية التحتية للمجتمع, على عكس جرامشي الذي يعده بنية فوقية تشمل الاسرة والنقابات والمؤسسات الدينية والمنشآت التعليمية والصحافة والاعلام والبرلمان والاحزاب السياسية. وبينما يؤكد ماركس على الجوانب الاقتصادية في المجتمع المدني, فإن جرامشي يشدد على اهمية دور الثقافة والمثقفين فيه. ومع ظهور هؤلاء المفكرين الثلاثة, اصبحت الديمقراطية الغربية اكثر نضوجا واتضحت فيها عناصر سيادة القانون والامن الشخصي للفرد, وحقوق الانسان, وحرية انتخاب البرلمان والتزام الحاكم باحترام القانون, وحرية الرأي والعقيدة والصحافة. المجتمع المدني العربي ويتعرض المؤلف للملامح الاساسية للمجتمع المدني في الفكر العربي المعاصر, مع قراءة لنماذج الادبيات حول مفهومه الذي اخذ يظهر بشكل غامض منذ ثمانينيات هذا القرن, ولا سيما في بلدان المغرب العربي. وقد قام هذا المفهوم على اساس الانتقال من الحزب الواحد الى التعددية الحزبية, وصولا الى الديمقراطية, واصبح يشمل المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة, في استقلال عن سلطة الدولة. أي ان جوهر المجتمع المدني بات ينطوي على خمسة عناصر اساسية هي الطوعية والمؤسسية الشرعية والاستقلالية عن هيمنة الدولة, بالاضافة الى حقوق الانسان في المشاركة السياسية والمواطنة الكاملة. وقد سعى الكثيرون من اعداء الفكر الغربي الى مقاومة المعنى الغربي للمجتمع المدني وايجاد مفهوم عربي جديد له, مثل تسميته بالمجتمع الاهلي, والاستعاضة عن المجتمع بكلمة الجماعة, واستخدام كلمة المؤمن بدلا من المواطن واستعمال عبارة حقوق الانسان العربي, عوضا عن حقوق الانسان العالمي. ولكن الدكتور ابو حلاوة يعد هذه المحاولات عملية مبادلة وهمية لا تنطوي على اي مضمون حقيقي ومواجهة فاشلة لمنجزات العلم والثقافة الغربيين من خلال التراجع والانحسار, فضلا عن افتقارها الى التسويغ المعرفي وهو يحاول التفتيش في التاريخ العربي عما يوازي مفهوم المجتمع المدني, مشيرا في هذا المجال الى دستور المدينة الذي افتتح به النبي محمد صلى الله عليه وسلم اقامته في يثرب, وانه ينظم العلاقة بين فئات المجتمع المختلفة على اساس المساواة في الحقوق والواجبات, ومن النصوص الاخرى نص (السياسة المدنية) الذي ورد في مقدمة ابن خلدون وهو يدعو الى تصريف الشئون على اساس الاخلاق وهناك ايضا طروحات فكر النهضة العربية الحديثة التي يمثلها رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وغيرهما. ويشرح المؤلف العوائق الايديولوجية والمعرفية التي تحول دون التناول العلمي والنقدي لمفهوم المجتمع المدني في الوطن العربي ومن بين هذه العوائق التعصب الذي لا يقبل بفكرة الشخص الآخر, وكذلك النظرة السلبية السائدة تجاه المرأة والتي تشكل نصف المجتمع تقريبا وهناك ايضا الفردية التي تختزل الامة بالفرد وتلغي الافادة من قوى المجتمع ومنظماته. الديمقراطية والعلمانية ويدرس الباحث في كتابه العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية مبينا ان كلتيهما تقومان على ضمان حرية الرأي والمعتقد للجميع الامر الذي يجعل من غير الممكن اقامة ديمقراطية بدون علمانية, حسب رأي المؤلف الذي يستشهد بقول كمال عبداللطيف: (كيف يمكن الدفاع عن الديمقراطية بدون الدفاع عن العلمانية, اي الدفاع عن مبدأ حرية المواطن العامل داخل حدود المجتمع المدني؟) كما يستشهد بقول ناصيف نصار: (الدفاع عن الفلسفة الديمقراطية يكون دفاعا ناقصا ومبتورا اذا اسقط من الحساب قضية العلمانية). ويصل اهتمام المؤلف بالعلمانية الى حد انه يخصص لها فصلا كاملا هو الفصل الرابع من الكتاب, وفيه يدرس ثلاثة نصوص تمثل ثلاثة نماذج تعبر عن مواقف الفكر العربي المعاصر من العلمانية, اولها انموذج حسن حنفي الذي يقاوم العلمانية الغربية, مفضلا الاعتماد على الشريعة الاسلامية في تحقيق اهداف المجتمع, معتبرا ان الاسلام لا حاجة له لعلمانية زائدة عليه ومستمدة من الحضارة الغربية, وعلى العكس من ذلك يرى فؤاد زكريا ان التجربة التاريخية قد اثبتت بان نطاق الحريات اكثر اتساعا في ظل الحكم العلماني, منه في اي مجتمع تدار فيه شئون السياسة على اساس غير علماني, والعلمانية بالنسبة الى زكريا تعني العقلانية وتحرير العقل من الاوهام, اما محمد عابد الجابري فينادي بالفصل بين الدين والسياسة وعدم استغلال احدهما لصالح الاخر. ويبين المؤلف في الملاحظات الختامية, ان المجتمع المدني ليس حلا ناجزا لكل القضايا والمشكلات التي تعيشها المجتمعات المعاصرة وانما هو حقل للتنافس وفضاء للصراع وميدان لعمل القوى الاجتماعية, وفيه يتم التأكيد على نماء الفردية وازدهار الشخصية الانسانية. الخلاصة: وهكذا, يتبين ان الباحث ابو حلاوة ينير لنا بعض الدروب ويفتح عددا من المنافذ المؤدية الى توضيح مفهوم المجتمع المدني وازالة شيء من الجوانب الغامضة المتعلقة به وشرح علاقته بالديمقراطية والعلمانية ناهيك بالمقارنة بين مفهومه الغربي وصورته العربية, ومع ذلك وكما يعترف هو نفسه, فانه لم يأت بالقول الفصل والكلمة الاخيرة في هذا الموضوع الشائك. ولابد من مرور زمن طويل حتى تتوضح معالم المجتمع المدني العربي الذي مازال يحبو حتى الآن كالطفل الوليد في طريق متعرجة غير سالكة وسط فضاء تلفه العتمة ويحف به الظلام. كاتب سوري