برزت الانتفاضة داخل الارض المحتلة كفعل شعبي عميق الجذور اعزل السلاح تستند وسائله الكفاحية الى جرأة عالية وفهم لعقل المحتل. اذ تميزت الانتفاضة ببروزها كنموذج شعبي يعبر عن جماعة مسلوبة الحقوق دون ان تكون مسلوبة الارادة والفعل. لقد واجه الكيان الاسرائيلي نتيجة للانتفاضة اكبر وأهم تحد واجهه على مدى 50 عاما منذ اقامته. فكل الحروب السابقة ــ وكل اشكال القتال ــ لم تهدده في ضميره السياسي وفلسفة التميز التي يمارسها كما هددته الانتفاضة. لقد ابتلعت اسرائيل وتحكمت بملايين العرب الفلسطينيين وذلك لتكتشف ان لهم هوية ونظاما جماعيا وحقوقا وقيما وانتماء وطنيا لا يمكن القفز فوقه إلا بثمن كبير. بل اكتشفت مع الوقت ان ما ابتلعته يفعل فعله في داخلها لا على حدودها الخارجية. هكذا مع استمرار الاحداث الراهنة وبغياب حل سياسي لن يكون المستقبل المقبل سوى استمرار لحالة الصراع الحالية. ان نجاح الانتفاضة الاساسي كمن على مدى الاسابيع الماضية في مقدرتها على مواجهة اكثر الجيوش والادارات الاستعمارية حداثة وتنظيما وحنكة. بل ان نجاحها الاهم يتلخص في انها وضعت الحركة الوطنية الفلسطينية في الاطار الصائب كحركة استقلال تنطلق من اعلى ارضها وتسعى لنيل حق تقرير المصير في اطار القانون الدولي فوق اراضيها المحتلة. وقد نجحت الانتفاضة في تحريك العرب من المحيط الى الخليج, وذلك كما سبق وحركتهم احداث حلف بغداد ومرحلة بداية صعود الناصرية في الخمسينيات من هذا القرن. وقد حكم الجماهير العربية في ذلك الوقت شعور بالترابط والمصير المشترك وعاطفة جياشه. بل كان الشارع العربي يتحرك في مظاهرات وحركات احتجاج لنصرة شعوب اخرى في افريقيا او جنوب شرق اسيا. اما الآن فقد اختلف الوضع. اليوم انقلب الغضب المفتوح والعاطفة الدائمة الذي حكم الجيل السابق الى حالة من التعاطف الهادف والحركية التي تقوم عليها روحية الضغط وبناء الرأي العام والمشاركة السياسية الحديثة. ومع ذلك ان فتح الحدود او تحريك الجيوش ليس جزءا من صورة الممكن العربي. فالاساس في الاوضاع الراهنة سوف يبقى مقدرة الفلسطينيين على الاستمرار في حركتهم الاستقلالية استنادا الى قواهم الذاتية لذلك ان خير ما تستطيع ان تقدمه الامة العربية في هذه المرحلة هو الالتفاف حول المطالب الفلسطينية المتعلقة بالدولة الفلسطينية وتقرير المصير والسيادة حول القدس, وان خير ما تستطيع ان تقدمه الامة هو ايقاف كل اشكال التطبيع الراهنة ورهن ذلك بتغير معاملة اسرائيل للعرب في كل من اراضي 1948 وفي الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس, وان افضل ما تستطيع ان تقدمه الامة للانتفاضة هو مساندة الانتفاضة المعنوية والمادية والسياسية. لهذا فإن صندوق الدعم العربي الخاص بالاقصى والذي اقرته القمة العربية يشكل مساهمة على غاية من الاهمية وذلك لمساندة الانتفاضة في بناء حالة الاستقلال المطلوبة. في نهاية العملية التاريخية لعودة فلسطين الى الخارطة العربية سيكون الصمود والتقدم في فلسطين تقدما للعرب وللمسلمين اما الفشل في فلسطين فسيكون هذه المرة فشلا لكل العرب, ولن يقل وقع وأثر الفشل لو وقع عن ذلك الذي عرفته الامة في الاعوام 1948, 1967 بكل ما لذلك من تداعيات ونتائج على الدول والمجتمعات العربية بمعنى اخر لكل العرب كل المصلحة في صمود الفلسطينيين وفي حماية تقدم قضية الاقصى والقدس وصولا الى الانسحاب الاسرائيلي الكامل. استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت