أذكر شعورى بالفرحة عندما تخرجت من كلية الآداب جامعة القاهرة فى شهر يونيو سنة ,1965 فقد حصلت على تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى, وهو تقدير لم يكن قد حصل عليه أحد قبلى منذ سنوات. كنت الأول على خريجى قسم اللغة العربية, بل كنت الأول على كل أقسام اللغة العربية فى الجامعات المصرية. وخالط شعورى بالفرحة شعور مواز بالراحة, فقد رأيت اجتهاد السنوات الأربع يكلل بالنجاح الذى يفتح كل الأبواب المغلقة. وملأتنى الآمال العريضة, وتخيلت نجاحى موضع تكريم من الجميع , وبخاصة القسم الذى تخرجت منه والكلية التى أنتسب إليها والجامعة التى أنتمى إلى تقاليدها العظيمة. وتصورت نفسى أعمل فى القسم الذى كان يعمل فيه طه حسين, وأننى سائر على الدرب نفسه الذى كدحت للمضي فيه. ولكن, للأسف, بقدر ماكانت فرحتى غامرة كان إحباطى كبيرا, فلم تسع الكلية إلى تعيينى, ولم يصدر قرار بتكليفى للعمل معيدا كما جرت عليه العادة فى ذلك الوقت, وتركنى القسم الذى حلمت طويلا بالعمل فيه دون عمل رغم أنى كنت أتوقع الاحتفاء بى وتكريمى لتفوقى, وقيل لى إن السبب فى ذلك هو العراك الذى كان دائرا بين الأساتذة الكبار فى القسم, واستمر دائرا إلى أن تخرجت وأصبحت ضحية مباشرة له. وكان لابد لى من البحث عن عمل كى أخفف العبء عن أسرتى التى كانت فى حاجة إلى عونى أكثر مما أنا فى حاجة إلى عونها. وبدأت جولة البحث عن العمل بقراءة الإعلانات عن الوظائف الشاغرة. وكان أول بصيص من الضوء على هيئة إعلان عن الحاجة إلى موظفين جدد فى إدارة العلاقات العامة بمحافظة الجيزة, فتقدمت بأوراقى وكلى ثقة من القبول, فتقديرى المرتفع يشفع لى وأولويتى لابد أن تكون خير واسطة لى. ودخلت إلى لجنة الاختبار بهذه الثقة, لكن رئيس اللجنة نظر إليّ فى ريبة, بعد أن رأى تقديرى وعرف بأمر أولويتى, وسألنى: هل أنت شيوعى؟ فقلت: لا فأعاد السؤال: وهل أنت من جماعة الإخوان المسلمين؟ فقلت: لا, فقال: ولماذا تأتى للعمل عندنا ولا تعمل فى الجامعة مع أنك متخرج بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف؟! لابد أنك من المغضوب عليهم. وحاولت, عبثا, إفهام الرجل أننى لا علاقة لى بالإخوان أو الشيوعيين, وأننى ظللت سنوات الجامعة منكبا على كتبى, مدمنا الجلوس فى المكتبة. ولكن ذهب كلامى هباء, فلم يبد على وجه الرجل أنه اقتنع بأى شئ قلته. وأغلق باب الكلام بقوله: على كل انتظر إلى أن يأتيك خطاب من المحافظة. وبالطبع لم يأت أى خطاب, فقد كان واضحا من نظرات أعضاء اللجنة أنهم لن يقبلونى. ولم أقض فترة الانتظار فى سكون, إذ سرعان ماعادوت البحث عن وظائف خالية, وظللت أبحث إلى أن وجدت إعلانا من كلية النصر بالمعادى عن حاجتها إلى مدرسى لغة عربية, وتقدمت بأوراقى, وقابلت لجنة الاختبار. وللأسف, تكرر الموقف نفسه, وتكررت الأسئلة ذاتها تقريبا. وكانت النتيجة الرفض نفسه بسبب التقدير الذى أصبح نقمة بعد أن كان نعمة. وعدت إلى الإحباط الذى لازمنى إلى أن قرأت إعلانا عن مسابقة أقامتها وزارة التربية والتعليم لمدرسى اللغة العربية من المتخرجين الجدد من الجامعات المصرية, فتقدمت إلى المسابقة, ودخلت الامتحانات التحريرية والشفهية, ولم أكن واثقا من النجاح هذه المرة, بل كنت متوقعا المزيد من الإحباط. ولكن حدث ما لم أتوقعه, إذ عندما ظهرت النتيجة وجدت اسمى الثالث على ثلاثة آلاف متقدم, فحمدت الله, واسترحت بعض الشئ حين علمت أن العشرة الأوائل يعينون, عادة, فى مدينة القاهرة, الأمر الذى كان يتيح لى مواصلة برنامج الدراسات العليا. ولكن لم تأت الرياح بما تشتهى السفن, فقد صدر قرار من وزير التربية والتعليم فى ذلك الوقت بعدم تعيين أحد فى العاصمة, ومن ثم فقد تقرر تعيين الأوا ئ ل فى المحافظات الملاصقة للقاهرة. وكان نصيبى الذهاب إلى محافظة الفيوم المجاورة لمحافظة القاهرة. فأخذت أوراقى وذهبت إليها, وتوجهت إلى مديرية التعليم بها, متوقعا أن أعمل فى مدينة الفيوم نفسها. ولكن, للأسف, كان مفتش أول اللغة العربية درعميا (نسبة إلى كلية دار العلوم), فأصدر أوامره بتعيين خريجى دار العلوم فى عاصمة المحافظة, وتعيين المتخرجين من الأزهر فى المناطق المحيطة بمدينة الفيوم. أما المتخرجون أمثالى من كليات الآداب فكان نصيبهم أطراف الفيوم. والطريف أنه عندما أخبرنى, فى لهجة آمرة, بضرورة ذهابى فورا إلى مدرسة (طبهار) الإعدادية المشتركة, حسبت هذه المدرسة فى أحد أحياء مدينة الفيوم, فلم أكن عرفت بعد نوايا سيادة المفتش الأول. وسألت عن كيفية الذهاب إلى هذه المدرسة فقيل لى: أركب (الأتوبيس) من المحطة المجاورة لمديرية التعليم. هكذا, وجدت نفسى أركب الأتوبيس إلى قرية (طبهارة) للعمل مدرسا فى مدرستها الاعدادية المشتركة, ولم يكن معى حقيبة ملابس, فقد كنت أظن أنى لست فى حاجة إليها, كما كنت أحسب أننى سأعود من الفيوم إلى القاهرة فى اليوم نفسه بعد أن أتسلم عملى فى احدى مدارسها, وأننى لن اضطر إلى الاقامة مادام من الممكن الذهاب والعودة يوميا بواسطة المواصلات الميسورة, وعندما انزلنى الأتوبيس امام المدرسة, لم أجد أحدا فى انتظارى. ووجدت نفسى واقفا أمام مدرسة ريفية مغلقة الأبواب, فقد كان اليوم الدراسى قد انتهى قبل وصولى بساعتين على الأقل, ولم يكن فى المدرسة التى ظللت أدق على أبوابها سوى البواب الذى فتح لى الباب فى النهاية بعد أن تعبت يداى من دق الباب, ولم يخف اندهاشه من إلحاحى على دق الباب, فأخبرته بأننى مدرس فى المدرسة, أوفدنى سيادة المفتش الأول لكى أبدأ العمل. ويبدو أن ملامح وجهى الذى اختلطت عليه قطرات العرق بالغبار جعلت البواب يتعاطف معى, فأجلسنى إلى جواره فى حجرته على (الدكة) الخشبية التى كان يجلس عليها, ورحب بى, وصنع لى شايا قدمه لى, وابتسم مشفقا عندما سألته عن موعد عودة الأتوبيس القادم إلى المدينة, وأفهمنى أنه لم تعد هناك وسيلة مواصلات متوافرة, وأن عليّ البقاء فى القرية. وعندما سألت الرجل عن كيفية بقائى وليس معى سوى ملابسى التى أرتديها, أجابنى بأن الله كريم, وأننى يمكن أن أذهب إلى مدينة الفيوم فى الغد بعد تسلم عملى, أما عن المبيت فأخبرنى بأنه سيقوم باللازم وأننى لا يجب أن أقلق على المسكن فالمسكن موجود. وبعد أن فرغت من احتساء الشاى, أخذنى البواب إلى أحد ابناء القرية كى استأجر منه حجرة فى منزل مهجور, كان مقرا للوحدة الصحية قبل أن تنتقل منه إلى مبنى ثابت, وأعطانى الرجل الحجرة التى كانت مخصصة لطبيب الوحدة بالسرير الحديدى الذى كان لايزال باقيا فيها, مع مكتب معدنى متهالك. وقضيت ليلتى بلا نوم فى هذه الحجرة التى عانيت فيها من الناموس الذى لم يكف عن تعذيبى طوال الليل, فضلا عن الرائحة الكريهة التى كانت تنبعث من الحفرة التى كانت تستخدم دورة مياه فى طرف ساحة المنزل الداخلية. وظللت أرقب طلوع الصبح إلى أن حل أخيرا, كالح الوجه كما لو كان يحمل أثرا لليلة التى قضيتها. وذهبت إلى المدرسة التى وصلت إليها مبكرا. وجلست انتظر سيادة الناظر الذى جاء أخيرا, وسلمنى العمل, وعهد بى إلى سكرتير المدرسة الذى أعطانى جدول الحصص المطلوبة منى. ولم ينس الناظر خلال ذلك كله أن يوصى الفراش بمساعدتى فى الاستقرار بالحجرة المقبضة التى أصبحت سكنا لى. وبدأت عملى مدرسا فى المدرسة الاعدادية المشتركة التى كان بعض فصولها مفتوحة على المزارع والتى يمر بها الفلاحون الذين تعودوا على تحية (الأساتيذ) (الأساتذة) وتوصيتهم على ابنائهم وبناتهم فى غدوهم ورواحهم. ولم يكن أمامى بعد ذلك الا العودة إلى القاهرة ليوم واحد فحسب, بعد أن استأذنت سيادة الناظر, لاحضار حقيبة ملابسى, واعداد نفسى لمعاناة وقائع الإحباط الأول فى حياتى العملية. وشيئا فشيئا, حاولت التكيف مع عالم المدرسة والقرية, وبدأت أتعود تحضير الدروس, وتصحيح الكراريس, والاشراف على طوابير الصباح, ولكنى لم أنس محاضرات الدراسات العليا فى الجامعة, فطلبت من الناظر أن يساعدنى على تركيز جدولى بعيدا عن يوم الخميس لأسافر ظهر الاربعاء, لألحق بقية الدروس المسائية للدراسات العليا فى الجامعة, فقد ظل حلم العمل فى الجامعة باقيا فى داخلى كالشمعة التى تنير عتمة الإحباط الذى أحاط بى فى تلك القرية النائية.