يستمد هذا الكتاب اهميته من انه يضع ايدينا بقوة واقتدار على اسرار جديدة في حياة جرترود بيل التي لعبت دوراً مذهلاً في تأثيره على تحديد المصائر في الشرق الاوسط في منعطف بالغ الخطورة من تاريخ المنطقة. هكذا فإننا سنجد انفسنا عبر هذه الاطلالة على كتاب.. (ملكة الصحراء) امام القصة التي لم يروها احد من قبل لبروز هذه المرأة الفريدة من قلب قيود العصر الفيكتوري لتصل الى تشكيل شبكة بالغة الخطورة من العلاقات والنفوذ والقدرة على التأثير بحيث اصبحت قبيل انتحارها (سيدة القصر) بحق في الاشهر الاولى من حكم الملك فيصل للعراق. والمؤلفة كاتبة صحافية عرفت باهتمامها بالشئون العربية وساهمت بكتاباتها في صحف بارزة في مقدمتها (واشنطن بوست) والفت مع زوجها كتباً عديدة عن الشرق الاوسط ابرزها (لا تزال اصواتا خفيضة: الابطال الحقيقيون للصراع العربي الاسرائيلي) و(عرفات: في عيني الرائي). لم تكن جيرترود بيل امرأة عادية, بكل المقاييس, فقد نجحت فيما لم تنجح به امرأة من قبلها, على مدى قرون طويلة, وحققت من الشهرة ما جعلها موضع حسد وغيرة واعجاب, فأصبحت اشبه بالاسطورة كان عالمها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين, عالماً للرجال فقط كان عالماً تسوده قوة السلاح والمال وهما امران لم يكن يجوز بحال من الاحوال ان تدخل عالمه امرأة او حتى ان تفكر في ذلك. وقد يكون الاستثناء الوحيد لذلك هو الملكة فيكتوريا, التي كانت تتولى مقاليد الحكم في بريطانيا آنذاك, والتي شاء لها الحظ ان تكون وريثة عرش راسخ, وان تتربع عليه في ظروف مواتية, فوسعت حدود الامبراطورية البريطانية, حتى غدت لا تغيب الشمس عن ممتلكاتها الهائلة التي تمتد في زوايا الارض الاربع. في تلك الايام, كان مكان المرأة هو بيتها وكان عليها ان تتبع طقوساً بالغة التزمت في كل شيء بدءاً من علاقتها بزوجها وانتهاء بتربية اولادها لكن جيرترود بيل لم تكن تقيم وزناً لتلك الطقوس, منذ نعومة اظفارها وعندما انطلقت في الطريق الذي اختارته لنفسها تركت وراءها كل التقاليد والعادات, ولم تتوقف عن مسيرتها, التي نقلتها لأعلى درجات الشهرة والمجد, حتى اليوم الذي انتهت حياتها فيه. أوصاف عديدة اطلقت عليها فهي (ملكة الصحراء) وهي (المرأة الاكثر شهرة) في الامبراطورية البريطانية هي العقل المدبر وراء مغامرات لورنس العرب في الجزيرة العربية ــ كما يرى كثيرون ـ وهي التي وضعت القواعد التي بنى وينستون تشيرشل عليها سياسته ــ كما يرى آخرون. فمن هي جيرترود بيل؟ الوقوع في دائرة السحر ولدت جيرترود بيل في عام ,1868 عندما كانت الامبراطورية البريطانية تحتل وحدها قمة العالم وكان امتدادها الشاسع وسيطرتها على مقدرات عشرات الشعوب قد جعل منها الدولة الصناعية الاولى في ذلك العالم وكان والدها قد ورث مرافق صناعية مهمة, فقام بتحديثها وتطويرها وعندما ولدت ابنته كان يعمل لديه في مناجم الفحم وافران الحديد والالمنيوم اكثر من 47 ألف عامل وكان ينتج ثلث ما تستهلكه بريطانيا من الحديد, الامر الذي جعل منه الصناعي الاكثر نفوذاً وثراء في شمالي البلاد. وعلى الرغم من انها فقدت امها اثر التهاب رئوي حاد الا ان محبة والدها والصداقة التي ربطتهما معاً ومعاملته لها على قدم المساواة مع اخوتها عوضها الكثير وأسهم في بلورة استقلالية شخصيتها التي كانت واضحة حتى في نعومة اظفارها وبعد خمس سنوات من وفاة الأم, عندما كانت جيرترود في الثامنة من عمرها تزوج الاب مؤلفة مسرحية شابة تنحدر من عائلة ارستقراطية وكان حريصاً على قيام الصداقة نفسها بين زوجته الجديدة واولاده من زوجته الاولى وقد لعبت زوجته دوراً مهما في حياة جيرترود, حيث تعلمت منها الكثير واكتسبت منها عادة حب القراءة وكانت تلتهم الكتب التهاماً, فتوسعت مداركها, وانفتحت على عالم جديد كلياً. كان من الطبيعي في ظل تلك الظروف ان تبرز جيرترود في دروسها وقد احبت مادة التاريخ على وجه الخصوص فأخذت تتعمق في دراسة جميع الجوانب المؤثرة في الاحداث سواء منها السياسية او العسكرية او الاقتصادية او غيرها وفي مرحلة دراستها الثانوية وجدت ان معظم زميلاتها لا يفكرن سوى بالعثور على العريس المناسب, فتباعدت منذ ذلك الوقت عن بنات جنسها, ورسخت علاقتها بأشقائها الذكور وابناء عمومتها واصبح القلم والورقة رفيقيها الدائمين وكانت كتاباتها في تلك الفترة تنم عن مدى الاحباط الذي تشعر به نتيجة القيود المفروضة عليها كأنثى فهي تقول في رسالة لزوجة ابيها (كم احب زيارة المتحف الوطني! المشكلة ان التقاليد تمنع ذهابي وحدي لو كنت صبياً لزرته كل اسبوع لكني محرومة من اشياء كثيرة لأنني فتاة). وعلى الرغم من ان جامعة اكسفورد كانت احد معاقل التفكير الحر في بريطانيا, الا ان القاعدة فيها كانت تقضي بأن ذلك التفكير حكر على الذكور فقط ولم يكن مستغرباً في تلك الايام ان تلقى محاضرات في قاعات الجامعة حول تبعية المرأة للرجل وكانت بينها محاضرة ألقاها الفيلسوف المعاصر آنذاك هربرت سبنسر قال فيها: ان التفكير يشكل خطراً على المرأة ويحمل دماغها اكثر من طاقته ويضعف قدرتها على الانجاب وكان المدرسون يتقبلون وجود بنات في قاعات الدروس بامتعاض شديد, بل ان بعضهم كان يصر على ان البنات يجب ان يجلسن وقد ادرن ظهورهن للمدرسين. لم يحبط ذلك الجو العدائي من عزيمة جيرترود, بل اكسبها قدراً اكبر من الاعتماد على الذات ومن قوة الارادة والتصميم ولم يمض عامان الا وقد انهت دراساتها في التاريخ الحديث, وهي الدراسة التي تستغرق عادة اربعة اعوام وكانت اول بريطانية تتخرج بدرجات تكاد تكون نهائية. ومثلما تذوقت جيرترود في الجامعة طعم العلوم المختلفة نظرياً, فإن زيارتها التالية لتخرجها, والتي قامت بها لرومانيا ومن ثم الى القسطنطينية اوقعتها بصورة عملية اسيرة لسحر الشرق لكن التقاليد كانت لا تزال تقف لها بالمرصاد, فالعودة الى بريطانيا لا بد منها على امل ان يتقدم احد للزواج بها الا انها كانت تشعر بالملل من صحبة من تراهم اقل ذكاء منها كان الذين تخرجوا مثلها من اكسفورد والذين سافروا مثلها, والذين اكتسبوا خبرات مثلها قلة ضئيلة ولذلك مرت ثلاث سنوات ملأى بالضجر من دون ان يطلب احد يدها فقررت التخلي عن كل التقاليد دفعة واحدة والسفر الى الشرق. اختارت جيرترود ايران لتكون محطتها التالية فانكبت على تعلم اللغة الفارسية وتمكنت من اتقانها خلال اشهر قليلة وفي طهران وغيرها من المدن الايرانية تعرفت على حضارة عريقة وعلى الرغم من ان وباء الكوليرا كان ينتشر هناك, الا انها انطلقت تزور كل الاماكن, وتتعرف على الصحراء وعلى الجبال, وتبني صداقات مع السكان وهناك التقت بدبلوماسي بريطاني شاب يدعى هنري كادوجان, فوقعت في غرامه لكن والدها اكتشف ان هنري كان معدماً, مقامراً, سيء المعشر فرفض ان يوافق على زواجهما ولم يكن بوسع جيرترود سوى الرضوخ والعودة الى لندن حيث اقنعها الاب بموقفه وما لبثت ان اضطرت لدفن مشاعرها عندما تلقت بعد اشهر قليلة نبأ وفاة هنري غرقاً. وفي ذلك العام, بدأت جيرترود بترجمة قصائد الشاعر الايراني المعروف حافظ ونشرها ولا يزال هذا العمل يعتبر حتى اليوم من افضل الترجمات التي صدرت لشعره, وكانت تجد الكثير من العزاء في عملها هذا الذي استغرق عامين. الهروب من الذكريات لا شك في ان جيرترود كانت تعيش تلك الأيام قبل 4 سنوات من حلول القرن الجديد في وحدة قاسية كانت تراقب شقيقاتها الصغيرات وهن يذهبن الى حفلات اجتماعية او راقصة, ومع كل واحدة خطيب او مشروع خطيب وهي لا تجد من يدعوها ولذا كانت تتلقف بلهفة كل فرصة للسفر الى الخارج, طلباً للسلوى, واشباعاً لحب الاستطلاع الراسخ في نفسها وهكذا زارت ايطاليا وفرنسا وألمانيا, وقد ادركت خلال زيارتها لألمانيا ان العالم يتجه نحو الحرب. كانت الدولة العثمانية آنذاك قد فقدت اهميتها كحاجز يمنع روسيا من الوصول الى المياه الدافئة وخسرت الكثير من ممتلكاتها الاوروبية, واصبحت ضعيفة الى درجة كبيرة وكانت دول اوروبا الكبرى آنذاك تتطلع نحو الشرق, وكلها لهفة الى الحلول محل تركيا في بعض المناطق التي اخذت تتوجه نحو الانفصال عن الباب العالي وقد لمست جيرترود في برلين ذلك التوجه وشعرت بأن الشرق سوف يشهد احداثاً بالغة الأهمية, ولعلها قررت في ذلك الوقت ان تكون جزءاً من تلك الاحداث. قامت جيرترود بعد ذلك بجولة بحرية حول العالم دامت ستة اشهر زارت خلالها دولاً كثيرة وفي عام 1899 توجهت نحو فلسطين في زيارة اعتبرتها فيما بعد بداية لحياتها الفعلية فهناك تلاشى شبح الحبيب الذي مات وكانت الانطلاقة. عملت جيرترود منذ وصولها الى القدس بجد لتعلم اللغة العربية وكانت تتوقع ان تتقنها بسهولة, مثلما حدث عندما تعلمت الفرنسية والايطالية والألمانية والفارسية والتركية, لكن الامر كان اصعب بكثير هذه المرة. ما ان شعرت جيرترود بأن لغتها العربية اصبحت معقولة, حتى شرعت في رحلة نقلتها الى نهر الاردن, ثم اريحا وبعد ان قضت اياماً في جبل حوران توجهت الى دمشق ومنها الى تدمر, حيث بقيت اياماً توجهت بعدها عائدة الى بلدها فوصلت لندن والقرن الجديد على الابواب. وبين عامي 1900 و,1905 قامت جيرترود بعدة رحلات الى سويسرا, حيث مارست رياضة تسلق الجبال المفضلة لديها, كما قامت بزيارة خاطفة الى حيفا, واخرى مطولة الى الهند وسنغافورة والصين وكوريا وفي مطلع 1905 وضعت خطة لما اسمته بـ (رحلة عمل) تستهدف دراسة العادات والتقاليد الشعبية في الشرق وقامت بتنفيذها. وفي هذه الرحلة شاءت الظروف ان تتعرف بدبلوماسي بريطاني, كان له دور بغيض في اعداد اتفاقية سايكس ــ بيكو, هو مارك سايكس وقد اصطدمت به في اول لقاء حيث دار نقاش بينهما حول رأيه المكتوب, الذي وصف فيه العرب بأنهم (فصحاء, غشاشون, سريعو الانفعال وجبناء... وهم يمثلون بنظري اكثر الصور اثارة للكراهية في الشرق.. انهم محتقرون وكسالى بدون حدود, مليئون بالشر الى اقصى ما تحتمله اجسادهم الضعيفة) اما هي فكانت ترى ان العرب (يتبعون اعرافاً وتقاليدا اخلاقية صافية, تعود الى بداية الحضارة). لا ترفض المعلومات اثمرت هذه الرحلة اول كتاب اصدرته جيرترود عن الصحراء وسكانها وقد استغرقت كتابته مدة عامين وكان لكتابها وقع كبير. لقد احسنت جيرترود الاستفادة من درس تعلمته من احد الدبلوماسيين المخضرمين, وهو ألا ترفض المعلومات مهما كان مصدرها, وان كثيراً من المعلومات الثمينة قد تأتي من اتفه المصادر. في عام 1909 بدأت جيرترود رحلة جديدة قيض لها ان تكون اكثر اهمية بكثير مما سبقها, ففي هذه الرحلة وصلت حلب, ومنها الى بغداد ثم بلاد فارس وعادت بعدها عن طريق الموصل واستكشفت في تلك الرحلة موقع قصر الاخيضر الاثري, الذي لم يسبق لاحد ان كتب عنه وعادت بعد سبعة اشهر لتنشر بحثاً مطولاً عن الاشخاص الذين التقتهم والمواقع التي زارتها لكن شوقها للشرق ما لبث ان اشتد فأعدت نفسها, وبدأت رحلة جديدة في اوائل 1911. في هذه الرحلة التقت جيرترود بشخص قدر لاسمها ان يرتبط باسمه ــ في ميدان العمل ــ مستقبلاً وقد اعتبرته لاول وهلة (كانت آنذاك في الثانية والاربعين) (فتى يثير الاهتمام, وقد يصبح رحالة معروفاً) كان ذلك الفتى هو تي.اي. لورنس الشهير بلورنس العرب وقد اثار لورنس اعجابها بذكائه اللماح بالمقدار نفسه الذي اعجبتها آراؤه بمجملها وقد كانت رحلتها هذه قصيرة اعقبتها اقامة مقتضبة في لندن, ثم عودة من جديد الى الشرق ولكن بهدف مختلف هذه المرة كانت تخطط لزيارة نجد والحجاز والالتقاء بمؤسس المملكة السعودية عبدالعزيز بن سعود, وغريمه آنذاك, ابن رشيد. وقد اثارت نواياها ثائرة الاتراك الذين كانوا يشعرون بأن شيئاً يحاك في الخفاء, وحاولت قواتهم جهدها لمنعها من ذلك الا انها اصرت على تنفيذ ما نوته وهكذا انطلقت في طريق ملتوية قادتها من دمشق الى عمان ومن هناك باتجاه بلدة حايل في نجد وهناك توقعت ان يكون ابن سعود هو سيد البلاد في المستقبل فأسرة ابن رشيد كانت عرضة لصراعات دامية تركت معظم رجالها قتلى حتى ان زعيمها آنذاك كان له من العمر 16 عاماً فقط لكنها لم تتمكن من لقاء ابن سعود في هذه المرحلة ونقلت انطباعاتها حوله وحول تراخي قبضة العثمانيين على سوريا الى الدبلوماسيين البريطانيين في اسطنبول وكان لتلك الانطباعات دور فعال في تقرير منحى سياسة بريطانيا آنذاك وقد اكتسبت آراؤها اهمية اكبر بعد شهرين من عودتها في يونيو 1914 عندما اندلعت شرارة الحرب العالمية الاولى واخذت تركيا جانب المانيا على عكس توقعات كثير من السياسيين وآمالهم ولكن بالضبط مثلما توقعت هي. وعندما اندلعت الحرب وجدت جيرترود نفسها محور اتصالات عديدة فالخرائط التي رسمتها لسوريا والعراق اصبحت ضرورة ملحة في وزارة الحرب, وخبرتها الطويلة التي اكتسبتها في رحلاتها العديدة جعلت مكتب جمع المعلومات الذي اسس حديثاً في القاهرة يطلب تجنيدها للعمل كجاسوسة للحلفاء وهكذا انعكست الآية فالأشخاص الذين كانوا قبل عامين يهزأون برحلاتها, ويحاولون منعها من الترحال تجنباً لاغضاب تركيا اصبحوا هم انفسهم الذين يسعون وراءها وعندما وصلت الى القاهرة لمباشرة مهامها, وجدت ان الشخص الثاني في المكتب لم يكن سوى لورنس بلحمه وشحمه وقبل مرور ايام على وصولها كان حماسها المعهود للعمل قد دفعها الى الواجهة وسرعان ما اصبحت عنصراً لا غنى عنه في شبكة جمع المعلومات البريطانية. محوران كانت السياسة البريطانية آنذاك تنشط على محورين اولهما اقامة محور مع الشريف حسين مع وعود لا تحصى بإعطائه مملكة تغطي ــ اضافة لمناطق نفوذه في الجزيرة ــ معظم سوريا وشرقي الاردن واجزاء من فلسطين والمحور الثاني الاتفاق مع فرنسا على اقتسام المنطقة ذلك الاتفاق المعروف باسم سايكس ــ بيكو, والذي كانت جيرترود تعارض الكثير من بنوده فهي كانت مقتنعة بأن ايام الشريف حسين كانت معدودة وان ابن سعود سيضع يده على معظم شبه الجزيرة العربية وقد تحقق ذلك فعلاً بحد السيف عام 1925. دفعت الاحداث المتسارعة رؤساء جيرترود لايفادها الى البصرة اثناء الاستعداد للحملة البريطانية المكلفة لطرد الاتراك من العراق لكن اخطاء القادة العسكريين الذين لم يكونوا على الاستعداد للوثوق بامرأة احبطت جهود جيرترود, وعرضت القوة البريطانية لنكسة خطيرة عندما اضطرت قواتهم للتراجع قبل وصولها لبغداد ثم حوصرت في الكوت واستسلمت بعد 3 اشهر وكان السبب الرئيسي لتلك الكارثة عدم اصغاء القادة لآراء جيرترود في اهمية كسب ولاء شيوخ العشائر العربية مهما كلفهم ذلك لكن الكارثة كانت ايضاً نقطة تحول, حيث تولت جيرترود بعدها اجراء اتصالات مع كثيرين واقناعهم بتغيير ولائهم ومع توالي الاحداث شعرت جيرترود بأن عدم اعطائها منصباً محدداً لم يكن امراً عادلاً وانه انما يعبر عن تخوف رؤسائها من قدراتها وهكذا خاضت مواجهة حاسمة ضدهم بعد مذلة القوات البريطانية في الكوت وكسبتها وتم تعيينها رسمياً ضابطاً سياسياً برتبة رائد فكانت بذلك المرأة الوحيدة التي حملت ذلك اللقب في القوات البريطانية. وفي البصرة التقت جيرترود بابن سعود الرجل الذي طالما سعت للقياه من قبل من دون جدوى وكتبت تصفه بعد ذلك انه سياسي وقائد ومقاتل يمتلك شخصية القائد ذكي جداً ومحب للاطلاع, يسأل عن كل شيء, ولكن بشكل حريص كي لا يعطي انطباعاً بأنه يجهل ما يسأل عنه. لم يمض وقت طويل حتى سقطت بغداد بيد البريطانيين, فانتقلت جيرترود اليها حيث اقامت فيها قاعدة لعملياتها الناجحة في جمع المعلومات وتقديم المشورة لحكومتها وكانت منهجية تماماً في عملها حتى انها تمكنت بعد اسبوعين فقط من وصولها الى بغداد من اعداد خرائط كاملة للمدينة ولوائح باسماء كل الشخصيات المؤثرة فيها وتوجهاتهم السياسية. على صعيد العمليات كان لورنس آنذاك قد انطلق في مهمته العسكرية الاولى مرافقاً لقوات ابناء الشريف حسين المندفعة نحو سوريا وخلال المسيرة الطويلة والصعبة كان لتوجيهات جيرترود ولصلاتها العديدة في المنطقة اثر ملموس في فتح الطريق امام القوات العربية بل انها وفي حالات عديدة استغلت الصداقات التي سبق لها اقامتها اثناء رحلاتها في اقناع اولئك الاصدقاء بتحويل ولائهم من جانب الاتراك لجانب الحلفاء. في الاشهر الاخيرة من الحرب برز حدثان مهمان كان اولهما اعلان بلفور الذي قابلته جيرترود باستنكار شديد (انني اكره الاعلان الصهيوني, وانا على ثقة انه لا يمكن تنفيذه فالبلد (فلسطين) اجمالاً لا تناسب اليهود, لأن ثلثي سكانها من العرب المسلمين انني على يقين من انه مخطط مصطنع لا تربطه اية صلة بالحقائق). اما الحدث الثاني فكان المشكلات التي بدأت ايران باثارتها على الحدود مع العراق, بعد قيام الثورة البلشفية فتم تكليف جيرترود برسم الحدود بين البلدين وتثبيتها وهو العمل الذي انتهت منه في ربيع عام 1918. بالوثائق نحكي عندما عادت جيرترود الى لندن عام 1918 وجدت الاجواء حبلى بالمؤامرات التي كانت تحاك بغية توزيع تركة العثمانيين على بريطانيا وفرنسا كغنائم حرب وكانت الحجة جاهزة: هؤلاء العرب ليس لديهم خبرة في شئون الحكم, وينبغي ان يتعلموا ذلك على ايدينا وفي الوقت نفسه كان الشريف حسين ينتظر مكافأة له على دوره في قيادة الثورة العربية الكبرى ان يعين ملكاً على الحجاز, وان يعين ولداه فيصل ملكاً على سوريا الطبيعية وعبدالله على بغداد وكان واضحاً ان فيصل مستعد لعمل اي شيء في سبيل تحقيق ذلك. وفي 3/1/1919 وقع مع زعيم الحركة الصهيونية حاييم وايزمان اتفاقاً يقبل فيصل بموجبه مبدأ اقامة وطن لليهود في فلسطين وفي رسالة لاحقة يستنكر فيصل موقف (اولئك الأقل اطلاعاً ومسئولية من قادتنا وقادتكم, والذين يتجاهلون ضرورة التعاون بين العرب والصهاينة فنحن العرب وخاصة المتعلمون منا ننظر بتعاطف عميق الى الحركة الصهيونية ونتمنى ان يلقى اليهود ترحيباً حاراً هنا. قبل نهاية عام 1919 عادت جيرترود الى المنطقة وكانت تغييرات جوهرية قد حدثت واخذت الحركات القومية تبرز هنا وهناك ويتعاظم دورها وكان لا بد لجيرترود ان تصطدم مع المسئولين البريطانيين في بغداد وغيرها خاصة بعد ان شعرت بأن نصائحها بشأن مستقبل البلاد قد ضرب بها عرض الحائط وان هناك تصلباً شديداً في موقف معارضي قيام حكومات عربية مستقلة. وقد اشتعلت الاضطرابات واندلعت ثورة دموية عارمة في العراق احتجاجاً على السياسات البريطانية التي كانت جيرترود تعارضها وكان ثمنها غالياً فقد دفع البريطانيون مئات القتلى و50 مليون جنيه فيما خسر العرب عشرة آلاف قتيل, معظمهم من المدنيين قبل ان يتم اخمادها وكانت علاقات جيرترود الودودة مع زعماء العشائر وكبار الشخصيات العراقية قد لعبت دورها في تلطيف وتخفيف اثار القمع. سيدة القصر وفي عام 1921 بعث تشيرشل كبار دبلوماسييه لبحث مستقبل ما بين الرافدين في مؤتمر يعقد بالقاهرة وكانت جيرترود المرأة الوحيدة في المؤتمر وكان لورنس ايضاً بين الحضور ولم تكن مهمة المؤتمر سهلة فالرأي العام البريطاني كان غاضباً بسبب تصاعد مصاريف قوات الاحتلال هناك. وقد اقر المؤتمر رأي جيرترود, التي وقفت هي ولورنس في جبهة واحدة توافق على تعيين الامير فيصل ملكاً على العراق وكان على جيرترود ان تمهد الطريق لذلك عبر اتصالاتها مع زعماء عشائر المدن العراقية وقد نجحت في تهدئة المعارضة بكل انواعها وتهدئة المشاعر والمخاوف وعندما وصل فيصل وتسلم مقاليد الامور زارته ذات مساء فخاطبها بقوله: (انت عراقية.. انت بدوية!) وكان ذلك بالنسبة اليه اعظم مديح. وقد وصل نفوذ جيرترود في اشهر فيصل الاولى مستوى عالياً للغاية حتى انها كانت هي التي تنظم له قوائم المدعوين لحفلات القصر الملكي, وتشرف على عمل الخدم في القصر كانت سيدة القصر بحق وقد قامت بذلك الدور باتقان ودهاء على الرغم من انها كانت قد قاربت الخامسة والخمسين من عمرها. بقيت جيرترود تمارس دور مستشار للملك فيصل وتعاظم نفوذها حتى انه قال لها ذات يوم عندما طلبت اذنه لزيارة وطنها: (ابداً هذا هو وطنك لكن ان رغبت بزيارة والدك فلا مانع من ذلك). وفي النصف الاول من عام 1926 انقلب كل شيء رأساً على عقب في حياتها فخسرت عائلتها ومعظم ثروتها في اضراب طويل لعمال المناجم, ولم يعد لها النفوذ ذاته كالسابق وفي 11 يوليو وبعد تفكير طويل استغرق ساعات تناولت جيرترود جرعة مضاعفة من حبوب منومة, واسلمت نفسها لنوم أبدي. تأليف: جانيت دولاك ـ عرض وتقديم: معن ابو الحسن