بغض النظر عما سيحدث غدا في الضفة وغزة أو في بقية بلدان الوطن العربي فان من المستحيل ان نتصور عودة الوضع الى ما كان عليه قبل الانتفاضة. فقد كسر الشارع الفلسطيني حاجز الخوف النفسي تجاه القوة الاسرائيلية (التي لا تغلب) بقدر ما كسر الشارع العربي حاجز الخوف تجاه انظمة حاكمة. ان الزيارة التي قام بها ارييل شارون ــ رمز الحقد اليهودي في أقبح صوره ــ الى باحة الحرم القدسي الشريف لم تكن (السبب) في انطلاقة العنف الجماهيري الفلسطيني.. ومن ثم غليان الشارع العربي. كانت الزيارة مجرد شرارة اشعلت نارا مستعرة تحت الرماد.. وحادثة استفزازية فجرت تراكمات من الغضب الشعبي المكتوم. ولكن مع تعاظم التراكمات كان الانفجار الجماهيري سواء في فلسطين او عواصم الدول العربية مذهلا. فقد اخذت اسرائيل على حين غرة بقدر ما اخذت اجهزة السلطة العربية. بل ان الجماهير اذهلت نفسها بنفسها. رغم ذلك لا يمكن تجاهل اهمية زيارة شارون الى الحرم الشريف.. لا من حيث انها حادثة وانما من حيث انها مثلت رمزا للطبيعة الجوهرية للصراع العربي الاسرائيلي كصراع دين بالدرجة الاولى. وما ينبغي ان يلفت انتباهنا بصورة خاصة هو الظرف الزماني الذي وقعت فيه الزيارة. فقد جاءت صورة شارون في باحة الحرم ومن حوله ثلاثة آلاف من الحراس العسكريين على خلفية بلوغ المسار التفاوضي في قمة كامب ديفيد بين عرفات وباراك قضية مستقبل القدس ومقدساتها. هنا تركزت الاضواء من ناحية على المسجد الاقصى الذي انتهت اليه رحلة الاسراء المحمدية وبدأت منه رحلة المعراج الى السماء وعلى (قبة الصخرة) التي اعتلى منها محمد صلى الله عليه وسلم البراق.. ومن ناحية اخرى على (جبل المعبد) و(حائط المبكى). هذه هي الرموز التي تجسد الصراع وتلخصه بين العقيدة الاسلامية السماوية.. وعقيدة يهودية هبطت بها الحركة الصهيونية العالمية الى درك اسطورة عنصرية. وهكذا.. وبعد اكثر من سبع سنوات من اوسلو و(عملية السلام) تفجرت المشاعر الفلسطينية عند نقطة احتكاك معينة ومحددة: القدس وعلى الفور ترددت اصداء الغضب في شوارع العواصم العربية. لقد أخطأ القادة الاسرائيليون في تقديراتهم لرد الفعل الفلسطيني. وفي الوقت نفسه فوجىء القادة الرسميون العرب بقوة رد الفعل الشعبي في فلسطين أولا, ومن المحيط الى الخليج ثانيا. وفي حركة ارتباكية, وبالتنسيق مع الولايات المتحدة واسرائيل, سعت انظمة عربية, ولاتزال تسعى, لاحتواء الموقف. فهل يكلل هذا المسعى بالنجاح المطلوب؟ ان أي رد على هذا السؤال يجب ان يستند بالدرجة الاولى على المستقبل المرئي لمجريات الاحداث في الارض المحتلة. فالفوران الذي اندلع في الشارع العربي كان رد فعل مباشرا للانفجار الشعبي في الضفة وغزة. بالتالي فان هذا الفوران العربي مرشح للتجدد طالما ظلت الانتفاضة الفلسطينية في حال تفاعل وتصاعد. اذن ينتهي التساؤل الى صيغة أخرى: هل تتلاشى الانتفاضة؟ والاجابة هي: قادة اسرائيل اعلنوا ضمنا وفاة (عملية السلام).. وهو اعلان معناه تبني خيار مواصلة العنف. بالتالي لن يتوافر امام قادة الانتفاضة سوى الخيار نفسه.. وليس لديهم ما يخسرون.