انطلاقا من عاملي الضعف والتشرذم اللذين طالا مؤسسات العمل العربي المشترك في السنوات العشر الماضية, لابد لنا من الاعتراف انه مجرد انعقاد القمة العربية بهذا التمثيل يعتبر انجازا مميزا كونه يذكر العرب على المستويين الرسمي والشعبي بضرورة اعادة الاعتبار لهذه المؤسسة العربية الجامعة, وما تمثله ومقدمة موضوعية لاعادة اللحمة للمؤسسات المعطلة بل والمغيبة في اطار الجامعة العربية والتي بتنا احوج من اي وقت مضى لبث الروح من جديد بهذه المؤسسات الجامعة في ظل التطورات العالمية المذهلة على كافة الصعد. ولعلنا بعيدا عن المغالاة واطلاق الشعارات العريضة وسقف المطالبة نرى في هذه الخطوة هي بداية الطريق وليست نهايته كما يحاول البعض بث روح اليأس والتيئيس بين صفوفنا من خلال العناوين العريضة والتصريحات النارية العاجزة عن فعل اي شيء فقد ارست القمة التي عقدت في القاهرة يومي 20 و21 من الشهر الجاري حالة مبدئية لتهدئة النفوس ووضعت الاسس التي من الممكن اذا ما توبعت من خلال نوايا حسنة وافعال جادة ان تجد طريقها نحو فض المنازعات العربية وجسر الهوة الواسعة التي احدثتها حرب الخليج الثانية في الجسد العربي مقطع الاوصال. خاصة اننا نعيش في عالم متجدد يجنح في كل حركيتيه الى اختزال عامل الوقت وتقريب المسافات وبناء التكتلات الاقليمية والقارية التي من شأنها ان تحسن من مكانة الضعفاء وترمم اوضاعهم الداخلية والتي بالضرورة ستحسن من مواقعهم وامكانيات تزايد تأثيرهم وفعلهم على المستويين الاقليمي والدولي, بما يؤمن لهم حاجاتهم ومتطلباتهم الوطنية والقومية في الامن والاستقرار الاجتماعي ــ الاقتصادي والتفاعل المتوازن مع الآخر. اما بخصوص الاسئلة التي تتوالى تباعا على المستوى الشعبي عن الموضوع الذي اجتمعت من اجله القمة العربية وماذا انتجت؟ فقد ظهرت ثلاث وجهات نظر لكنها صبت رغم اختلاف التكتيكات التي يجب اتباعها في كيفية الدفاع عن الحق الفلسطيني والعربي فوجهة النظر الاولى, رأت اننا لسنا بعجلة من امرنا لاتخاذ قرارات نارية, وطرح سقف شعارنا السياسي وان الواقعية السياسية اهم سلاح يجب ان نتحلى به خاصة في هذا الظرف السياسي العالمي وموازين القوى المختلة لمصلحة اسرائيل اصلا والمدعومة دوليا وان القمة لمجرد انعقادها قد اعادت القضية الفلسطينية الى الحاضنة العربية بعد ان عملت اسرائيل والولايات المتحدة على سحبها بشكل قسري وتقطيع روابطها العضوية الوثيقة التي تربطها بالمحيط العربي كمقدمة لتغييبها ومن ثم احتضانها وحصرها في اطار رؤيتها مستخدمة كل وسائل الضغط والترهيب والترغيب مع الجانب الفلسطيني باعتبارها قضية اسرائيلية داخلية, بالاضافة الى ان اصحاب هذه الرؤية ومن خلال ردهم على جملة التساولات الاحتجاجية يرون ان هذه القمة اسست لعودة العلاقات العربية ــ العربية واظهرت بشكل او بآخر مدى تفاعل النظام السياسي العربي في اتخاذ مواقف سياسية ازاء نمط ميكانيكية الحركة الاسرائيلية المتسارعة الهادفة الى التغلغل باتجاه الوطن العربي تحت عنوان العلاقات الثنائية والمكاتب التجارية والمنطقة اساسا من مقولة التقدم في عملية السلام المتوازنة مع العرب والمنطلقة من المقولة الوهمية (ان اسرائيل تقدم السلام والعرب يقدمون العلاقات بكل اشكالها بما في ذلك التطبيع) وان هذه القمة قد اجابت بكل وضوح على مثل هذه التحركات والمقولات الوهمية التي لم تراع المصالح الفلسطينية والعربية, من خلال التسويف والتهرب اللذين لاتزال اسرائيل تمارسهما بكل صلف وعنجهية واللذان وضحا بأبشع صورة في عملية القتل الجماعية المنظمة التي تمارسها داخل فلسطين ضد ابناء الشعب الفلسطيني صاحب الحق وصاحب الارض وهذه الاجابة تجلت بكل وضوح في موقف عمان وتونس والمغرب بل وتركت الباب مفتوحا امام الدول الاخرى لاتخاذ مواقف موازية, انطلاقا من ان الواقع يتغير بشكل تدريجي وليس من خلال الخطب والشعارات التي تنادي بحرق المراحل وتظهر على انها ثورية بمضامينها لكنها تحمل شتى انواع الاحباط والتيئيس, علما انها تدرك ان تلك المراحل لم تنضج بعد واننا يجب ان نميز بين الرغبة الطامحة والحسابات السياسية لدى كل طرف من الاطراف العربية كل على حده, دون اغفال حقيقة قد تكون غاية في الاهمية ان القمة العربية بعد هذا الغياب الطويل قد صاغت الرسالة السياسية التحذيرية المصحوبة بالاجراءات السياسية الرادعة التي لم تقف عند حد من الحدود. وان هذه الرسالة والمواقف المتزامنة معها جاءت ايضا في ظل واقع يتسم بالضعف وغياب الارادة والرؤية العربية السياسية الموحدة ازاء مجمل القضايا العربية خاصة القضية الفلسطينية. اما وجهة النظر الثانية فقد رأت انه رغم النعمة التي جلبتها الانتفاضة لناحية إلتئام الشمل العربي الا ان القمة بكل اسف بقيت دون المستوى المطلوب فهي لم تطرح الآليات الجادة لدعم الانتفاضة, ولم ترتق حتى الى الحد الادنى قياسا بمستوى العدوان الهمجي التي تقوده قوات الاحتلال الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني. بالاضافة الى ان اجتماع القمة لم تستجب الى مطلب الشعوب العربية التي طالبت باتخاذ قرارات سياسية واضحة لمصلحة ابقاء جملة العلاقات السياسية من بعض الدول العربية مع اسرائيل وان الدعوات التي اطلقتها القمة في ختام اعمالها وما جاء في بيانها الختامي كانت في مجملها دعوات خجولة الى الحد من التطبيع لكن دون ان يسقطوا اصحاب هذه الرؤية بأن كل ما اتخذته القمة تتلخص بأنها ايجابية لكنها بالمقابل لا تزال منقوصة خاصة وان القضية تتعلق هذه المرة بالقدس العربية الاسلامية, وطالب اصحاب هذا الرأي بانه كان من الواجب على القادة العرب ان يستغلوا مثل هذا الظرف الاستثنائي جدا ويعملوا كل ما من شأنه ان يعيد لامتهم مكانة خاصة بين الامم وتجاوز كل الضغوطات الخارجية خاصة الامريكية منها, بالمقابل رأى اصحاب هذه الرؤية ان اي خطوة لوقف التطبيع مع اسرائيل يجب ان ينظر إليها على انها خطوة ايجابية على الرغم وكما اسلفنا ان القمة لم ترق الى مستوى فكرة المواجهة رغم انها مالت الى التشدد اللفظي وانها اخفقت في خلق موقف عربي موحد لكنها بالمقابل رأت في انشاء صندوقين بقيمة مليار دولار لحماية عائلات الشهداء والجرحى وحماية القدس من التهويد شيء يعتبر غاية بالاهمية وهذا القرار يعتبر احد القرارات السياسية الفاعلة, كما انهم لم يغفلوا اهمية المطالبة بلجنة تحقيق دولية, وحماية دولية للفلسطينيين داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة, بما في ذلك المطالبة باخضاع المنشآت النووية الاسرائيلية للاشراف الدولي واستخلصوا القول بأنه لابد من اتخاذ مواقف واضحة وقوية وموحدة ازاء العلاقة مع اسرائيل والعلاقة مع واشنطن وانه اذا ما عادت الاطراف الى طاولة التفاوض عليها ان تعترف بكل القرارات الدولية التي قامت على اساسها العملية السياسية في المنطقة, وان ما يسمى بالسلام يجب ان يكون سلام الاقوياء بالنسبة للطرف العربي وليس الاستجداء والبحث للطرف الاسرائيلي عن مخارج تؤدي بنهاية الامر الى التنازل عن الحقوق العربية وتزيد من الصلف الاسرائيلي. اما اصحاب الرؤية الثالثة فقد وجدوا في نتائج مؤتمر القمة العربية غير العادية بأن القمة بكل نتائجها بأنها مجرد مؤامرة ضد الشعوب العربية والحق العربي وان هذه القمة جاءت لتشرعن اتفاق شرم الشيخ الذي سبق انعقاد القمة, وللالتفاف على الانتفاضة وما حملته من تهديد لمصداقية النظام العربي الرسمي وانطلق اصحاب وجهة النظر هذه ان كل ما جرى ويجري هو مجرد مؤامرة محاكة ومرسومة ضد الشعب الفلسطيني والعربي وان كل ما اتخذته القمة مجرد ذر الرماد بالعيون لتهدئة ثورة الشارع العربي ليس الا وانه كان من الواجب اتخاذ مواقف جادة على الارض تفضي الى فتح الحدود العربية من اجل مواجهة اسرائيل عسكريا, انطلاقا من ان التسوية السياسية مرفوضة رفضا قاطعا ولا مكان للتعايش او التصالح مع هذا العدو. لكن الملفت للعيان ان هذه الرؤى لم تكن وقفة على الشارع الفلسطيني بل تطابقت نصا وروحا مع الرؤية العربية على المستويين الرسمي والشعبي, التي ظهرت بعد اختتام اعمال القمة واذاعة البيان الختامي وهنا لست بصدد رصد المواقف العربية. لكن يبقى السؤال, هل حقا ان قرارات القمة بقيت مفتوحة على كل الاحتمالات, ورهن بتطور الاحداث في الارض الفلسطينية؟ ام ان ما اتخذ من قرارات غير قابل للمساس او للاجتهاد رغم استمرار المذبحة التي يقودها جنود الاحتلال الاسرائيلي ومستوطنوه؟ الايام القليلة المقبلة وما تخبئه من مفاجآت هي وحدها القادرة على الاجابة عن كل التساؤلات وحل الالغاز في الشارع العربي العريض. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق