أثار حوار العقيد القذافي قائد الثورة الليبية مع قناة الجزيرة جدلا ساخنا على اتساع رقعة الوطن العربي, لكن المؤيدين والمعترضين على جرأة القذافي التي كشفت مسودة مشروع القمة العربية اتفقوا على ان العقيد استهدف في المقام الاول تأمين دعم عربي صريح وجريء لانتفاضة الاقصى. وكان قادة الدبلوماسية العربية في مقدمة الذين اختلفوا مع الزعيم الليبي إذ رأوا فيما اقدم عليه بشأن كشف مشروع البيان الختامي للقمة خروجا عن المألوف. وقد نتفق مع هؤلاء ولكن من المعقول ان تتحول هذه المسألة الى مفصل خلاف او محور معركة تشغل حيزا كبيرا من اجهزة الاعلام وبال الرأي العام. وقد طالعت باهتمام ما كتبه الاستاذ عبدالله بشارة الامين العام السابق لمجلس التعاون الخليجي في (بيان الاربعاء, الصادر امس واعتقد ان كل من يقرأ ما كتبه بشارة سيجد فيه طرحا لا يخلو من الشطط في التحليل والغلو في الهجوم على شخص العقيد القذافي على نحو يجافي الموضوعية في التحليل. وإذا كنت استوعب اتاحة (البيان) لبشارة فرصة عرض رأيه على قرائها باعتبارها منبرا ليبراليا ديمقراطيا وليس فقط من منطلق الالتزام تجاه بشارة باعتباره كاتبا مشاركا في (بيان الاربعاء) فإني على قناعة بأن الجريدة ستتيح لي ولغيري كذلك حيزا للاختلاف مع رؤية بشارة. فالزعيم الليبي لم يكن يصدر عن عدم ثقة في مؤسسة القمة العربية او يتحلل من المسئولية القومية او يتهكم على القادة العرب. على عكس ذلك تماما فإن العقيد القذافي كان حريصا على مشاعر اخوانه من القادة العرب وقال ذلك صراحة وكان يدرك الخلل في موازين القوى السياسية فهو يعتبر ان القمة العربية لا تستند الى ظروف موضوعية تهيىء لها فرصة اتحاد القرارات التي يتطلع اليها الشارع العربي الذي كان يغلي من المحيط الى الخليج. وأكد الزعيم الليبي في الحوار انه مع انعقاد قمة قادرة على طموحات الشعب العربي في الشارع العربي وضد قمة دون ذلك ويرى انه من الافضل تأجيل القمة الى موعدها المحدد له سلفا مارس المقبل. وكان القذافي منسجما مع نفسه ومع التزامه القومي حينما لم يحضر الاجتماع واكد ذلك الالتزام بسحب موفده الى الاجتماع. هذا موقف لا ينم عن شعارات ثورية دائما عن التزام بالحق وهي الرؤية نفسها التي حدت بالعقيد القذافي لاتخاذ قرار ابعاد الفلسطينيين الشهير اعتراضا على اوسلو وتداعياته التي لا تزال مستمرة. صحيح ان القمة اتخذت قرارات ايجابية لكن ثمة اجماع عربي على ان الشعب العربي كان يرغب في اكثر من ذلك. إذا كان بشارة يعترض على مواقف القذافي التي يرى فيها تحللا عن المسئولية, فالاجدر برجل ترأس جهازا بثقل أمانة مجلس التعاون ان يعزف على ما يوحد وليس ما يفرق وأن يركز على ما يجمع لا على ما يبعثر الجهود فلعل رجلا له تجربة في العمل العربي المشترك يدرك ان تضخيم الخلافات بين القادة لا يعود على الامة بفائدة.