يكاد المراقبون يجمعون على أنه سوف يكون من المستحيل بالنسبة لمستقبل العلاقات الصينية _ الأمريكية أن تشهد هذه العلاقات حلولا أو اتفاقا فى الرأى بين الطرفين أو تسوية لخلافاتهما بالنسبة الى قضايا ثلاث أساسية هى: حقوق الانسان. الديموقراطية. الحرية. طبعا يدعي الأمريكيون أنهم على حق حين يطرحون رؤيتهم الخاصة بهم بالنسبة لكل من تلك القضايا. ولكن هذا الحماس الأمريكى, وقد يبلغ مستوى التوتر أو الجلبة الدعائية فى بعض الأحيان, لا يكاد يهز شعرة كما قد نقول فى رأس التنين الأصفر المقيم فى أرض الصين. والسبب ببساطة هو أن لكل من الطرفين فى واشنطن وفى بيكين رؤيته الخاصة لهذه القضايا ان أمريكا مثلا تعمد الى (تفصيل) وتكييف وتشكيل وتطويع حقوق الانسان وممارسة الديموقراطية, ودعاوى الحرية على قد المقاسات التى ارتضاها الغرب لنفسه وتلك مقاسات تتسم فى كثير من الاحيان بقدر كبير من نفاق الازدواجية. الم تر التحيز المقيت الذى أبدته الآلة الاعلامية الأمريكية حين ظلت تصور انتفاضة شعبنا العربى فى فلسطين على أنها حركة عنف ضد اسرائيل المدججة بافدح وأحدث وأثقل أسلحة العصر.. وعندما يسقط عشرات الشهداء العرب المدنيين فذلك خبر يوردونه فى سياق النشرات, ولكن حين سقط ثلاثة من جنود الصهيونية المدججين بالأسلحة.. فذلك هو الحدث الجلل الذى تقطع من أجله الاذاعات وتهرع الكاميرات وترتعش الفلاشات وتتهدج أصوات المذيعين ويهرول المختصون الى استطلاع اتجاهات الرأى العام ناهيك أن يسارع أهل السياسة وأصحاب القرار فى أمريكا بالذات الى الكليشيه المكروه والمعهود مطالبين بضبط النفس بين جندى اسرائيلى محترف مسلح بصاروخ داخل درع دبابة وبين صبى.. طفل ممسك بحجر فى يد وبحقيبة المدرسة باليد الأخرى طالما أعلنت الصين أنها رفضت هذه الازدواجية فى طرح المفاهيم وفى الدعوة اليها.. لديها كما هو بديهى مفاهيمها وتعريفاتها الخاصة بها للحرية والديموقراطية وحقوق الانسان حيث لا تقتصر الحرية على أمور السياسة بل تتعداه الى مصلحة المجتمع حيث لا تقتصر الديموقراطية على تذكرة الانتخاب ولكن تتعداها الى إقرانها بضمان رغيف الخبز, وبحيث لا تقف حقوق الانسان عند حق الرأى أو التصويت بل تتعداها الى حقه فى التنمية وفى الحياة وفى سبل العيش وفى ممارسة العمل المنتج الشريف.. الخ أراء بريجنسكى على أن البروفيسور ز.بجنيوبريجنسكى فى دراسته الضافية التى نشرها عن الصين (فصلية ناشونال انترست الأمريكية, عدد الصيف الاخير عام 2000) يحاول أن ينفذ الى جوهر المسألة حين يوضح أن الصين, رغم هذه الاختلافات حول قضايا يراها البعض جوهرية وأساسية, الا انها لا تشكل خطرا داهما أو محدقا على الغرب أو أمريكا فى المستقبل المنظور بريجنسكى يقول فى دراسته: ان الصين اليوم ليست يابان الثلاثينيات ذات النزعة أو الصبغة العسكرية ولا هى الاتحاد السوفيتى فى حقبة الخمسينيات الى السبعينيات بكل ما كان يشكله من تهديد ايديولوجى واستراتيجى لمصالح الغرب وامريكا على الخصوص. * كل ماتمثله الصين من خطر فى رأى بريجنسكى هو احتمال دخولها حربا ضد تايوان ولا سيما فى ضوء المطالب الاقليمية للصين التى ترى, ويوافقها على ذلك دول شتى فى العالم, ان تايوان الجزيرة هى جزء لا يتجزأ من اقليم الصين دع عنك ماأصبحت تنادى به زعامات تايوان مؤخرا من حدوث التخلى عن الشعار المريح للطرفين وهو: صين واحدة ونظامان أو دولتان. *يرى الاستاذ بريجنسكى انه فى حال وقوع مثل هذه الحرب فإن الصين رغم ضخامة حجمها لن يكون لها كل الغلبة على تايوان رغم ضآلة حجمها بالنسبة الى دولة البر الصينى. لماذا؟ لأن تايوان استطاعت أن تطور صناعاتها ومن ثم ارتفعت بمستوى آلتها الحربية أشواطا بعيدة متقدمة ولأن الصين الأم كما قد نسميها تفتقر الى الآلة الحربية القادرة على اجتياح جزيرة تايوان واخضاعها واعادة ضمها الى اقليم الصين الكبرى. فى هذا السياق يقول بريجنسكى بالحرف: ان جمهورية الصين الشعبية تفتقر الآن وأيضا فى المستقبل المتطور الى قدرات الجسر الجوى والقدرات البحرية العسكرية, بما يتيح لها امكانية العبور الناجح عسكريا خلال غزوها المتصور فى تايوان لمضيق ضيق يبلغ طوله نحو 200 كيلو متر. من هنا عمدت الأوساط السياسية العسكرية فى الولايات المتحدة الى استبعاد أى غزو محتمل فى المستقبل القريب تشنه الصين على جزيرة تايوان. وثيقة أمريكية مهمة وفى هذا الصدد, تشير دراسة الأستاذ بريجنسكى الى وثيقة مهمة صادرة عن وزير الدفاع الأمريكى فى شهر فبراير عام 1999 وتحوى تقريرا للموقف بين الصين وتايوان وتقول الوثيقة: لن يتاح لجيش التحرير الشعبى (التابع لجمهورية الصين الشعبية) امتلاك القدرة العسكرية التى تتيح له مهاجمة جزيرة تايوان الا بحلول عام 2005 حين يصبح بمقدور قوات بيجين المسلحة ان تهاجم الجزيرة المذكورة من البر الصينى كما توجه ضربات موجعة بالطيران والصواريخ لتدمير مرافقها العسكرية الرئيسية والحاق اضرار جسيمة بما تمتلكه الجزيرة من بنية أساسية اقتصادية. بيد أن بريجنسكى يعلق على هذا التقرير الأمريكى قائلا انه لم يضع فى حسابه آفاق التطور المرتقب فى قدرات تايوان القتالية على مدار السنوات الخمس الاولى من القرن الحالى وهى تطورات يمكن أن تتيح للجزيرة توجيه ضربات انتقامية موجعة الى الصين الأم بل قد تلجأ تايوان الى زرع الألغام فى موانىء الصين الرئيسية بما يقطع اتصالاتها التجارية مع العالم بأسره. اتباع اسلوب البرجماتية والأمر فى كل حال يدفع الأمريكيين الى انتاج اسلوبهم العملى البرجماتى, المصالحى كما قد تسميه فى تعاطيهم مع قضايا وتعقيدات العلاقات بين واشنطن وبيجين. على الامريكيين أن يراعوا أولا ان أحاديثهم عن دمقرطة الصين بمعنى تحولها الى الديموقراطية باسلوبها الغربى لا يمثل بالضرورة خطوات ايجابية بشكل مطلق ان لهم عبرة ودرسا مستفادا فى تجربة روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتى طالما احاطت دعاياتهم بوريس يلتسين بشعارات الديموقراطية البراقة وظلوا يكيلون له المديح على ما أسموه بالتحول الديمقراطي فى روسيا الجديدة. الواعدة بانتخابات (الدوما) واسقاط الاسلوب الشمولى فى ادارة فرقة الحكم فى الكرملين. والذى حدث أن الكرملين أصبح مباءة للفاسدين والسارقين والناهبين فى ادارة يلتسين ومن حوله من أقارب واصهار ومحاسيب والذى حدث أن مجلس (الدوما) شديد الديمقراطية اصبح يضم المافيات التى تحكمت فى اقدار روسيا التى كانت مشغولة فى مصائبها دون أن تحقق ولا وعداً واحداً من وعود الديمقراطية, بل انتكست أحوالها الى حيث أصبح جيشها مثلا بغير أقوات أو امكانات ولا شك أن الصين راقبت هذا كله واستوعبت هذا كله ولم تعد ينطلى عليها التركيز الوحيد الجانبى على دعوة الديمقراطية السياسية دون مضمونها الاجتماعى واطارها القائم بالضرورة على نوع من العدل أو فلنقل تكافؤ الفرصة الاقتصادية. وهناك ثانيا العامل اليابانى فى صياغة مستقبل الصين وعلاقاتها مع أمريكا والغرب. الصين ترى اليابان كما يقول بريجنسكى, خصما تاريخيا من جهة وامتدادا لقوة وجبروت الولايات المتحدة من جهة أخرى. وفى اطار هذا الثالوث ادرك ساسة اليابان أهمية الاطلالة على جارتهم الصينية من منظور علاقاتهم وعلاقتها مع أمريكا. فى هذا يقول يوكيو هاتوياما رئيس حزب الديمقراطى اليابانى: علينا ان نبذل مزيدا من الجهود لتعزيز ثقة الصين فى اليابان لاننا لسنا على يقين مما ينطوى عليه المستقبل بالنسبة لعلاقات الصين مع أمريكا.. ونحن نرى أن من الخطر أن نظل فى حال من الركون أو الاطمئنان الى علاقات دائمة تضمنا باستمرار الى جانب أمريكا. ثالثا: على أهل الفكر والأكاديميين وعلى السياسيين فى أمريكا أن يعكفوا على رصد ومتابعة مايجرى بين صفوف نظرائهم من أعضاء النخب السياسية, داخل الصين نفسها. ومن أمثلة هذه الجهود ماقامت به مؤخرا مجلة (فورين بوليستى الأمريكية) المعنية بالشئون الدولية حين نشرت فى أحدث اعدادها الصاردة (أكتوبر 2000) عرضاً تحليليا لاحدث كتابين صدرا باللغة الصينية فى بيجين أولهما يحمل عنوان: (الوحدة عن القمة: استراتيجة أمريكا ومكانتها العالمية بعد الحرب البادرة) ويحمل الثانى عنوان: (هيمنة أمريكا العالمية ومصير الصين). والكتابان صادران عام 1999 وطبعا يتضح من عنوان كل منهما نظرة كوكبة مثقفى الصين الى أمريكا من حيث تفردها وهيمنتها والغريب أن مقولات الكتابين, رغم تباينها من حيث الرأى والتقييم والاتجاه, تكاد تتفق ان لم تجمع على ظاهرة نرى من جانبنا العربى انها صحيحة فى مجملها, وهذه الظاهرة تتلخص فيما يلى: ان أخطر مافى سلوك أمريكا, بعد أن اصبحت القطب الأوحد أو القوة العظمى الوحيدة فى عالم اللحظة الراهنة هو عدم الوضوح فى استراتيجيتها وهو الخلط المستمر بين الوسائل والغايات وهو الافتقار كما يقول الأكاديمى الصينى وانج جيسمى الى التركيز والى الاتساق المنطقى وهو مايدلل عليه الاستاذ جيسمى حين يقول ان أمريكا فشلت فى تحويل قدرتها المطلعة غير المتنازع عليها فى عالم اليوم الى قيادة حقيقية بغير منازع. ثورة الاستهلاك فى هذا السياق ايضا يجدر التطرق الى جهود امريكية متواصلة وحقيقية من أجل تحويل الصين, لا الى مرافئ الديمقراطية ولكن تحويلها فى واقع الامر الى أسواق الاستهلاك الترفى والكمالى والمستمر (عمال على بطال) كما يقول المثل الدارج وهذه الحالة يعبر عنها مصطلح (كونسيومزم) ويفيد فى ظلاله وايحاءاته معانى الاهتلاك والاسراف وبسط اليد كل البسط والتزيد فى استغلال الموارد, لا من أجل تلبية الاحتياجات الانسانية, ولكن من أجل اشباع.. مجرد اشباع شهوة الاقتناء والاستخدام. انها اعلام الكوكا وثقافة الهامبورجر أن صحت تسميتها ثقافة وخلق أو اختلاق احتياجات عند جماهير, ملايين المستهلكين للشراء المتواصل وسط صخب الدعايات والاعلانات والموضات لا عجب ان تحتل بهذه الظاهرة الاستهلاكية أو الاهتلاكية فى الصين, أستاذة أمريكية هى الدكتورة ديبورا ديفيز استاذ علم الاجتماع فى جامعة ييل المرموقة بالولايات المتحدة قد نشرت مقالا مهما شديد التكثيف بعنوان (ثورة الصين.. الاستهلاكية) (مجلة كونت هستورى المعنية بحوليات التاريخ الراهن السياسية, عدد سبتمبر 2000). ولقد يلاحظ القارئ الكريم ان العنوان يرد بمثابة رد أو تعريض أو فلنقل نكاية بشعار زعيم الصين الأكبر (ماوتسى تونج) عن ثورة (الصين.. الثقافية) وقد أراد به الزعيم ماو أن يجدد شباب ثورة الصين الراديكالية التى حررتها من الغزو اليابانى واقامت دولة الصين الشعبية عام 1949. السندوتش والديكتاتورية ومن خلال قدرتها كاستاذة جامعية تجهد الدكتورة ديفيز فى ربط الاستهلاك بالديمقراطية وفى وصل اقتصاديات السوق بالحرية السياسية ومن طريف مايذكره مقالها فى هذا الصدد عبارات قالت فيها: ان التهام سندوتش ماكدونالدز الكبير (بج ماك) لن يسقط ديكتاتورا ولكن بوسعه (تقصد الاكل) ان يرسل مليون رسالة يومية تفيد بأن الدنيا تغيرت وان أساليب الحياة القديمة قد آلت الى تبدل أو تحويل. وبعيدا عن هون التبسيط المخل والطريف ايضا لمثل هذه القضايا, فقد نعود الى البروفيسور زيجينيو بريجنسكى الذى يلخص آراءه المهمة ناصحا واشنطن الا تحيد عن جهودها لكى تنفذ التحولات المرتقبة والمتوخاة فى الصين وخاصة بين صفوف النخب السياسية والفكرية الصينية.. وفى هذا السياق يبلور بريجنسكى الهدف المنشود حين يقول: انه يتمثل فى حمل النخبة الصينية على التخلى أو الكف عن النظر الى الصين على انها المملكة الوسطى القديمة المعزولة أو على أنها الامبراطورية السماوية, أو على أنها الضحية المجنى عليها أو على أنها محور الثورة العالمية.. والمطلوب بشكل علمى أن تتحول نخبة الصين كى ترى بلادها على انها شريك صاحب مصلحة فى استقرار عالم أوروبا وآسيا ومن ثم تصبح لاعبا رئيسيا على صعيد نظام العولمة الجديد. (الصين اليوم ليست يابان الثلاثينيات ذات النزعة العسكرية, وليست الاتحاد السوفييتى فى الخمسينيات الى السبعينيات بما كان يمثله من خطر استراتيجى). كاتب سياسى من مصر