من المدهش حقا أن يكون للهزيمة العربية عام ,1967 على مرارتها, بعض الحسنات. لكن يبدو أن هذا ما حدث بالفعل, حين تلاقى أبناء فلسطين المحتلة في سياق تلك الهزيمة ومواطنيهم التاريخيين الذين انقطعوا عنهم تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ 1948. لقد تفرق هؤلاء جراء هزيمة وتلاقوا بعد عقدين خلال هزيمة! هذا اللقاء أسس لظواهر جديدة في إطار التعامل بين الدولة الصهيونية ومواطنيها الفلسطينيين, الذين يعرفون بعرب ,1948 فلم تعد الصلة بين هذه الشريحة وعالمها العربي قوميا, أو القضية الفلسطينية وطنيا, تجرى خفية أو عبر الاستماع للاذاعات.. صار اللقاء مباشرا.. وإذا كانت هزيمة 1967 قد آذت طموحهم في الخلاص من كابوس المواطنة العنصرية في جوف إسرائيل, فإنها في الوقت ذاته, وبفعل الصمود العربي والمقاومة الفلسطينية وسهولة التواصل مع الأرومة العربية عموما, أحيت لديهم آمالا من نوع أخر. من ذلك مثلا, أن عرب 1948 تأثروا بنداء المقاومة, وباتت لديهم بمرور الوقت ثقة بأنفسهم وبذاتهم وهويتهم العربية, وتخلصوا إلى حد ملموس من عبء فكرة أنهم أقلية بين أغلبية يهودية. وفي ذلك ذكر (أبا إيبان) وزير خارجية إسرائيل الأسبق ذات مرة (.. يجب أن لا ننسى أن الفلسطينيين في دولتنا أقلية, لكننا نحن أنفسنا أقلية في العالم العربي الذي ينتمون إليه..) ثم إن عرب 1948 تعرضوا لتحولات إجتماعية اقتصادية كان من تداعياتها نشوء نخب حديثة عصرية, لا تعاني عقد الهزائم العربية, فضلا عن النمو السكاني الذي عزز قوامهم الاجتماعي في الدولة اليهودية, وحثهم على التأطر والتنظيم. على أن المستجدات الإيجابية توازت مع بروز مستجدات أخرى سلبية في إلحاق هزيمة كبرى بإسرائيل, رغم نتائج حرب أكتوبر ,1973 ثم الجنوح للاعتراف بالوجود الصهيوني ومنحه شرعية قانونية في فلسطين, وتراجع حركة النضال الفلسطيني المسلح.. قيل إن ذاك كله, أفضى إلى نمو تيار الأسرلة بين عرب ,1948 مع محاولة موائمة أوضاعهم في الدولة اليهودية وتحسين شروط المواطنة داخلها. وبسبب تدافع الإيجابيات والسلبيات, لم يستقر الفكر السياسي العربي, ولا حتى السياسة الفلسطينية, على توصيف دقيق لمستقبل هذه الجماعة ما بين الأرومة العربية الفلسطينية وبين ما يسمى بالأسرلة. ومع ذلك, كان اللافت أن عرب 48 يشاركون دوما إخوانهم في الضفة وغزة والقدس, حركتهم النضالية لاسيما في أوقات النهوض الوطني والصدام المفتوح مع الاحتلال الإسرائيلي. حدث ذلك إبان الانتفاضة الكبرى, وأثناء هبة النفق (1996).. وتكرر بقوة وفوران غير مسبوق في هبة الأقصى الأخيرة, كان ذلك ملحوظا للمتابعين, وبدا في هذا الاطار أن نخبة صناعة القرار في إسرائيل قد اعتادت على هذه المظاهر التضامنية, وراحت تحترز لها ومنها, وتتعامل معها كردود فعل عابرة, لا يستحق مرتكبوها القتل مع سبق الإصرار بشكل لا لبس فيه. لكن هذه المنهجية المناورة التي توخت عزل عرب 1948 عن (عرب 1967), إذا جاز المفهوم الأخير, والتمييز النسبي في التعامل, غابت عن السياسة الإسرائيلية تماما مؤخرا. فقد أوقعت القوات الإسرائيلية 14 شهيدا ومئات الجرحى بين المتضامنين من عرب 1948 ومع هبة الأقصى, خلال أقل من 48 ساعة. لقد ساوت إسرائيل بين الجميع في القتل.. والحق أن هذه الدموية المفرطة تجاه (الأقلية العربية), تثير التساؤلات عن مغزاها الحقيقي. ولا نعتقد في معرض الاجتهاد والاجابة, بأن الأمر يعزى إلى خروج أو انحراف مؤقت في سلوك القوات التي انيط بها التصدى للمحتجين, كما حاول قياديون إسرائيليون تبرير الأحداث لاحقا وهم بصدد ما يسمى بتهدئة الخواطر. ففي الأيام الثلاثة التالية للمقتلة, غضت هذه القيادات النظر عن الهجمات الإرهابية ضد الوسط العربي, التي اضطلع بها الوسط اليهودي, بل وشارك الجنود اليهود في هذه الهجمات بلا رادع وبأوامر صريحة من مسئوليهم ورؤسائهم الميدانيين. التفسير الأقرب إلى المنطق هو أن السلطة الصهيونية الحاكمة أرادت بسلوكها الإرهابي توصيل رسالة مزدوجة, إلى عرب 1948 من جهة وإلى فلسطين الملاجئ من جهة ثانية, هي تقول لعرب 1948 بأنها لايمكن أن تتسامح إزاء محاولتهم تشكيل رديف استراتيجي أو تكتيكي لإرادة التمرد الفلسطيني على السلام الإسرائيلي بعامة المقترح للقضية الفلسطينية. وأنها في لحظات الحسم قد تلجأ إلى آليات العنف ضد كل الدوائر الفلسطينية بغض النظر عن المكان. ومن آيات ذلك أن القيادة الصهيونية تجاهلت تماما كون عرب 1948 مواطنين إسرائيليين, وعاملتهم بمثل ما عومل به المنتفضون في الضفة وغزة. وهي تتصور أن رسالة كهذه ستكره الأقلية العربية (أو الاقليات العربية بزعمها) على الانصياع للأمر الواقع الممتد منذ 1948. في الوقت ذاته, حمل السلوك الإسرائيلي رسالة ضمنية إلى اللاجئين, المتحرقين لتطبيق حق العودة, فترويع عرب, 1948 أولئك الذين لم تشفع لهم المواطنة في الدولة لأكثر من خمسين عاما, يبلغ اللاجئين عن أي مصير ينتظرهم إذا هم تعلقوا بالعودة وطبقوها بالفعل. فالدولة اليهودية القائمة والحاكمة الآن في فلسطين لن تكون لهم على الإطلاق, إنها دولة اليهود فقط, فحري باللاجئين والحال كذلك البحث عن ملاذات أكثر أمنا والقبول بالتوطين خارج حدود هذه الدولة. ورسالة كهذه تبدو مهمة جدا في الوقت الراهن الذي يشهد ما يعرف بالتسوية النهائية لقضية اللاجئين. وتقديرنا المستند إلى تدبر السوابق أن إسرائيل ورسائلها ستمنى بالفشل الذريع. فلا الارهاب الموجه إلى عرب 1948 ولا نظيره ضد اللاجئين في كل مكان, ثنى هؤلاء أو هؤلاء عن أهدافهم الوطنية. والإشكالية هنا شديدة التعقيد, فالدولة بحكم تعريفها اليهودي لا يمكن أن تحتمل جيب عرب 1948 إلى الأبد, وليس بوسعها استقبال اللاجئين, وسوف يصعب عليها التخلي عن عقيدتها الصهيونية ولا عن الارهاب والعنف اللصيقين بها. فما العمل في أزمة استحكمت حلقاتها؟ مطلوب من فكر المقاومة العربية الفلسطينية بذل جهد جدي لإبداع صيغة مقنعة للاجابة عن هكذا سؤال. كاتب فلسطيني