نقر ونعترف بأن زمن الأحلام الكبيرة قد مضى. داهمتنا الأحداث وحاصرتنا الأنظمة وخضعنا في النهاية لمنطق العجز الذى ساد, وقبلنا بأن تظل موازين القوى في غير صالحنا وأسمينا هذا منتهى الحكمة, وانتهينا أن نعيش مهددين في حياتنا مطاردين خائفين على لقمة العيش.. وأرجعنا كل هذا إلى أننا قد بلغنا سن الرشد وفهمنا قدرنا وقدر الآخرين, وأصبحنا والحمدلله واقعيين. وهو ما يؤرق الحاسدين ويثير غيظ الشامتين, لكننا بكل ثبات ويقين سائرون في طريقنا, نأخذ من العالم شهادات حسن السير والسلوك باعتبارنا من الذين تابوا وأنابوا, وأصبحوا بفضل الله ورعاية أمريكا من القانعين الصابرين المعتدلين! نقر ونعترف أن زمن الأحلام الكبيرة قد ولى. أضعناه أو أضاعنا. لم نعد تلك الأمة التى كانت ذات يوم قريب قادرة على أن تحلم وتحقق أحلامها, أو تحلم وتقاتل في سبيل تحقيق أحلامها. فى صبانا.. حلمنا بالحرية, وكانت من الاحلام المستحيلة, ولكننا قهرنا المستحيل وتحرر الوطن من المحيط الى الخليج. نعم دفعنا الثمن غاليا ولكن هل يوجد وطن تحرر بغير دماء الشهداء؟ وهل كان ممكنا أن نكون (واقعيين) فلا نقاتل في 56 لأننا نواجه جيوش امبراطوريتين في حجم فرنسا وبريطانيا مع كيان صهيونى متعطش للتوسع وقائم على العدوان؟ وهل كان جنونا أن يسقط مليون شهيد جزائرى في سبيل التحرر, وأن تظل مصر تدفع ثمن مساندتها لكل شعوب الأمة العربية من الجزائر حتى الخليج؟ وهل كان علينا أن نترك قناة السويس في يد الأجانب, وأن يظل البترول العربى مملوكا لغيرنا يستزفونه لخيرهم وعلى حسابنا.. هل كان ذلك ممكنا حتى نصبح من المعتدلين الواقعيين, أم أنها كانت قضية حياة أو موت لشعوبنا,, وقضية أن نستقل أو لا نستقل نملك مصيرنا أم نتركه بيد الآخرين؟ وفى صبانا حلمنا بالتنمية لأوطاننا وبالعدل لشعوبنا.. وكان ذلك من الأحلام الممنوعة. فالفقر كان هو القدر المحتوم لبلادنا في ظل الاستعمار وبمعاونة الإقطاع, والعدل كان غائبا في ظل أنظمة تسمح بأن تتركز الثروة في يد نصف في المئة من الاهالي, بينما الأغلبية الساحقة تعانى الجوع, والحكومات لا تخجل وهى تقدم الوعود التى لا تتحقق لأن الواقع كان قاسيا والطموح كان متدنيا. ولم تتغير الأوضاع الا عندما امتكلنا الحلم بالتغيير, ثم امتلكنا القدرة على وضع الحلم موضع التنفيذ عندما أصبحت السلطة بيد ابناء الأمة الثائرين على الواقع المقاتلين من أجل تغييره. هنا فقط.. انطلقت طاقات الابداع في الأمة فحققت المعجزات. وبدأت في تعويض سنوات التخلف والقهر, ورغم الحصار والحروب المستمرة التى شنها اعداء الأمة فقد استمرت المسيرة. وحتى عندما انكسرت تجربة الوحدة المصرية السورية.. لم تتخل الأمة عن حلم الوحدة وإن كانت قد أدركت أن الجهاد لتحقيقها سيكون شاقا. وحتى عندما وقعت الواقعة ونجحت المؤامرة الكبرى ووقعت الهزيمة المريرة في 67 لم تنطفئ شعلة المقاومة وبدأت المواجهة على الفور.. مواجهة في الداخل لاصلاح, الخلل, ومواجهة ضد العدو بدأت بالصمود في وجه الهزيمة وانتهت بالعبور العظيم في أكتوبر 73 لتسترد الأمة قدرتها على الانجاز وعلاقتها بالانتصار. ولتبدأ الأحلام الكبيرة في العودة للظهور, وتبدأ معها المؤامرة لتحجيم الطموح العربى, ولوضع الأمة في اطار لا يمكن تجاوزه. وباسم الواقعية بدأت أكبر حملة لتزييف التاريخ. وأصبحت محاولة النهوض القومى في الخمسينيات والستينيات طموحا لا نملك مقوماته, وأصبح عبدالناصر مجرد مغامر, وأصبحت الوحدة العربية تجاوزا للخطوط الحمراء, وأصبح مجرد العمل العربى المشترك جهلا بالتاريخ وتهديدا للاستقلال والاستقرار معا! وبإسم الواقعية ذهب من ذهب للصلح مع اسرائيل, وهرول من هرول, وسقط من سقط, وظللنا صامتين وجيوش العدو تدخل أول عاصمة عربية, وتدمر بيروت وتحتل أجزاء من لبنان, وتذبح الأطفال في صبرا وشاتيلا. وباسم الواقعية تسلل عرفات عن طريق (أوسلو) ليوقع أسوأ اتفاقية يمكن أن تنتهى بها حركة مقاومة وطنية نالت اعتراف العالم وشرعية الوجود وعمق المساندة. وباسم الواقعية تم التخلي عن 78% من أرض فلسطين التاريخية مقابل أن يوافق الاسرائيليون على الجلوس مع عرفات وأن توافق أمريكا على قبول التوبة عن كل كفاح الشهداء الفلسطينيين الذى أصبح في ظل (أوسلو) وتوابعها.. مجرد (ارهاب) ينبغى أن يتوقف! وعندما صرخنا في وجه هذا الطوفان كان الجواب هو الحديث عن استقلالية القرار الفلسطينى.. وهو الجواب الذى أراح الكثيرين من الحكومات والتنظيمات اليمينية واليسارية, والتى وجدت في ذلك السبيل لكى تتخلى عن مسئولياتها تحت شعار أن مايقبل به الفلسطينيون لابد أن نقبل به.. خاصة إذا كان هذا هو الممكن الوحيد, أو هكذا قيل.. يرحمكم الله ويرحمنا! وبدون الاغراق في التفاصيل, فقد عشنا ربع قرن تحت مظلة مايسمى بـ (الواقعية) وهذه هى الحصيلة. نحن أشد ضعفا, وعدونا أكثر قوة. نحن مازلنا نبحث عن حقوقنا الضائعة, وعدونا يزداد عنفا وشراسة وتمسكا باحتلال الأرض واغتصاب الحقوق. نحن نقدم (التنازلات) فلا نأخذ الا المطالبة بالمزيد من التنازلات. وعندما تنفجر الانتفاضة فهى تنفجر في وجوه الجميع, لتكون اعلانا بفشل النهج الذى تم جر العرب إليه طوال السنوات الماضية تحت شعار (الواقعية) والتى استغلتها اسرائيل وأمريكا أسوأ استغلال لتفرض (الواقع) الذى تريده. الخطأ كان ومازال في أن يصبح قبول (الواقع) هو علامة الاعتدال حتى ولو كان واقعا ظالما وقبيحا. الخطأ كان ومازال في فهم البعض لمحاولة تغيير الواقع على أنه تهور أو مغامرة أو ارهاب ينبغى منعه والا فقدنا شهادات حسن السير والسلوك. هذا المنطق حاولوا فرضه قبل حرب أكتوبر, وكان هناك الرفض الحاسم, لأن الفهم (الواقعى جدا) كان يدرك أن ما أخذ بالقوة لن يسترد بغير القوة, وأن التفاوض من موقع المهزوم لن يأتى الا بحلول استسلامية تفرض الأمر الواقع كما تريده اسرائيل. وهكذا لم يبدأ التفاوض الا في ظل المدافع وبعد انجاز العبور, وبعد أن أخذت اسرائيل الدرس بأن العرب لن يقبلوا الهزيمة ولن يرضخوا للأمر الواقع مهما كان الثمن ومهما بلغت التضحيات. ونفس المنطق حاولوا فرضه على لبنان, ورفض لبنان رغم قلة الإمكانيات والضغط الأمريكى والارهاب الاسرائيلى أن يرضخ, وظل سلاح المقاومة مشروعا طوال 22 عاما حتى اضطرت اسرائيل الى الاعتراف بالهزيمة, والخروج في مشهد ذليل سيظل في ذاكرتنا وذاكرتهم زمنا طويلا. هل كنا قبل أكتوبر غير واقعيين حين رفضنا الهزيمة؟ وهل كانت المقاومة اللبنانية غير واقعية وهى ترفض الخضوع لشروط اسرائيل, وتواصل الحرب وتقديم الشهداء حتى غيرت (الواقع) وكتبت تاريخا جديدا للبنان والمنطقة ولتاريخ الصراع العربى الإسرائيلى؟ ثم.. من هم الواقعيون الحقيقيون في فلسطين هل هم الذين قبلوا أن يصفوا المقاومة بـ (الإرهاب) ودخلوا المفاوضات بعد القاء السلاح.. أم الذين فهموا العدو جيدا وأدركوا أنه لا يفهم الا لغة القوة وعرفوا النهاية الأليمة لطريق أوسلو؟ هل هم الذين أوصلوا عملية التسوية الى التفاوض حول السيادة على المسجد الأقصى أم أطفال الحجارة الذين خرجوا ليقدموا أرواحهم لكى يعيدوا القضية إلى وضعها الطبيعى.. قضية أرض محتلة لابد أن تتحرر, وواقع قبيح لا يمكن قبوله ولابد من تغييره بكل الوسائل المتاحة والمشروعة؟ وهل الواقعية هى الرضوخ للتصور الاسرائيلى لمستقبل المنطقة بحيث تكون اسرائيل هى القوة المهيمنة, ويكون العرب مجرد عمالة رخيصة وبترول رخيص وأسواق مفتوحة. أم أن (الواقعية) هى في رفض كل ذلك ومقاومة المشروع الصهيونى حتى النهاية بكل مايمثله من عنصرية واستعلاء واحتلال الأرض واغتصاب للحقوق؟ اننا واقعيون بكل معنى الكلمة. واقعيون والله العظيم. واقعيون ندرك إمكانياتنا وإمكانيات العدو, ونعرف أننا في عالم تتسلط على مقدراته الولايات المتحدة الأمريكية, ونفهم أن التوازنات الاقليمية والدولية في غير صالحنا. ولكننا نفهم أيضا أن هذا كله ليس جامدا أو باقيا للأبد, ولكنه واقع سيتغير حتما, والمهم أن نعمل لكى يكون التغيير القادم في صالحنا. نحن واقعيون من رأسنا إلى أقدامنا, واقعيون كما كان جنود أكتوبر واقعيين وهم يستعدون ويصمدون ويعبرون الى النصر رغم اختلال موازين القوى, ودعم أمريكا للعدو. واقعيون كما كان جنود المقاومة اللبنانية وهم يقاتلون لتحرير أرضهم, وكما كانت الجزائر وهى تدفع مليون شهيد لتتحرر, وكما أطفال الحجارة وهم يعلنون حرب التحرير والاستقلال التى لا ينبغى أن تتوقف مهما كانت الظروف حتى تصل إلى أهدافها, وستصل حتما اذا واصلت القتال الذى يضع العرب أمام مسئولياتهم, ويضرب الغطرسة الاسرائيلية في العمق, ويضع أمريكا امام خيار لابد أن توضع فيه: إما الانحياز لاسرائيل كما تفعل الآن, وإما مصالحها في المنطقة. هذه هى الواقعية كما نفهمها.. أن نعرف الواقع جيدا ثم نسعى لتغييره, أن ندرس العدو ثم نقاتله حتى نحرر الأرض ونعيد الحقوق. أن نؤمن بأن التفاوض لن يكون الا ترجمة لـ (الواقع على الأرض) وأن الذين يلقون السلاح قبل الآوان لن يسمع أحد صوتهم ولن يعطيهم أحد حقوقهم وسيظلوا يتسولون من العدو الأقوى سلاما هو العار بعينه. نحن واقعيون بلا قيد أو شرط. نعرف أن الماضى لا يعود, وأن زمن الأحلام الكبيرة قد ولى ولو إلى حين. ولكن ذلك لا يفرض علينا قبول الهزيمة, ولا يلغى من قاموسنا سلاح المقاومة, ولا يمنعنا من إدراك أن السلام لن يأتى به الا الأقوياء, وأننا نملك الكثير من عناصر القوة وأوراق الضغط لكى نصل إلى السلام العادل الذى نريده. والمهم أن نملك إرادة المقاومة وان نحسن استخدام ما لدينا من إمكانيات, وأن نعرف كيف نوظف أوراق الضغط. وهذا هو المأزق الذى فجرته الانتفاضة في وجه الجميع. ولن يكون الخروج من المأزق سهلا. فعلى اسرائيل أن تدرك أن (الواقع) الذى تريد فرضه لن يكون أبدا, وأن درس لبنان لابد أن يتكرر في فلسطين. وعلى السلطة الفلسطينية أن تعيد النظر في الموقف كله وأن تدرك أن الانتفاضة ليست مجرد ضغط لاستئناف المفاوضات على قاعدة أوسلو الكارثية. وعلى الحكومات العربية أن تدرك أنها مرحلة جديدة وأن الأمور لا يمكن أن تعود كما كانت في 28 سبتمبر. فقد انطلقت الانتفاضة وتغير الواقع.. وسيتغير حتما.