عندما تدافعت بعض الحكومات العربية عقب اعلان (اتفاق أوسلو للسلام) الى اقامة علاقات رسمية كاملة او شبه كاملة مع اسرائيل وتراجعت حكومات عربية اخرى عن عدائها للدولة اليهودية, كان لدى كل من هذه الحكومات جميعا تبرير جاهز مفاده: اذا كان الفلسطينيون اصحاب القضية الاصلاء انفسهم صالحوا اسرائيل فمن يحق له ان يلومنا؟ الآن يعيد التاريخ نفسه. فلسان الحال الجماعي للقادة العرب الذين اختتموا اجتماع قمة في القاهرة الاحد يقول في تبرير القرارات التي تضمنها البيان الختامي ان الفلسطينيين لم يطالبونا بأكثر من ذلك. والاشارة بالطبع هنا ليست الى جماهير الشعب الفلسطيني المشتبكة في حرب شاملة يتبارى فيها الحجر مع قوة نارية اسرائيلية تتكون في حدها الاقل من رشاشات سريعة الطلقات وفي حدها الاعلى من مروحيات تقذف صواريخ.. وانما الاشارة هي الى الرئيس عرفات والوفد الرسمي الفلسطيني الى القمة. فهل من الانصاف توجيه لوم الى أولئك القادة العرب؟ مقولة (الفلسطينيون لم يطالبوا بأكثر من هذا) ليست على صحتها الظاهرية السبب الحقيقي للتخاذل العربي. هي مجرد ذريعة كان يبحث عنها القادة العرب فوجدوها لدى عرفات. لقد حدد عرفات بخطابه في الجلسة الافتتاحية النغمة التي قررت مسار الاجتماع. فبينما كان ايهود باراك يعلن على العالم تجميد (السلام) مع الفلسطينيين على خلفية عواء الرصاص الاسرائيلي في رام الله ونابلس وجنين والخليل وغزة رفع عرفات في خطابه راية السلام مستطردا في هذا السياق بالقول ان (الموضوعية تقتضي ان نشيد بدور الرئيس الامريكي بيل كلينتون ووجوده من أجل اقرار السلام). تحاشى عرفات ابلاغ الامة العربية والعالم بأية نوايا لتصعيد الانتفاضة وتطويرها على طريق الكفاح المسلح.. ولم يفته ان يمتدح قمة شرم الشيخ التي اوعز بعقدها كلينتون بغرض اجهاض الانتفاضة. وهذا بالضبط ما كان يتمناه القادة العرب وهم مقبلون على اجتماع القمة لتفادي الوقوع في حرج من واشنطن او اسرائيل او كليهما. اجل اقبل القادة العرب ايضا على لقاء القمة وفي اذهانهم اصداء الغليان في الشارع العربي.. فكان المطلوب ان خلق معادلة لصياغة بيان ختامي قوي الكلمات من ناحية لمحاولة استرضاء الشارع ولكن فارغ المضمون من اجل ترضية واشنطن. محور البيان هو مطالبة اسرائيل (بالتوقف الفوري عن كافة الممارسات الاستفزازية والكف عن سياسة القمع). هذه كلمات قوية, لكن سياق البيان يتوقف عند بهرجها.. فليس هناك اية اشارة الى كيفية حمل اسرائيل على التوقف عن سياسة القمع الدموي.. لا قطع علاقات مع الدولة اليهودية ولا حتى مجرد التلويح بذلك.