كانت الادبيات منذ عدة عقود من الزمن تدور بحرارة وإلحاحية حول ضرورة تحقيق الوحدة العربية وإقامة دولة واحدة من المحيط الى الخليج. غير ان مثل هذه الدعوات القوية تراجعت تدريجيا وانطفأ وميضها شيئا فشيئا, الى ان فقدت الكثير من جديتها, فأصبح الحديث في هذا المنحى يتخذ صيغة الاماني والاحلام ومع توالي السنين تحولت الادبيات نحو الدعوة الى التضامن والتعاون والتكاتف. اما اليوم فقد اصبح اقصى ما نتمناه رأب الصدع وإزالة الخلافات المحتدمة بين صفوف العرب وتحقيق المصالحة بينهم. وهذا ما دعا المفكر الدكتور سليمان العسكري في افتتاحية مجلة العربي المنشورة في شهر اغسطس لعام 2000 الى توجيه مناشدة حارة لإطلاق عنان ثقافة جديدة باسم (ثقافة المصالحة) من اجل وضع حد للخلافات القائمة بين الجماعات والاحزاب والكتل المختلفة داخل كل دولة عربية, وكذلك بين الدول العربية نفسها. وعلى الرغم من الضرورة الماسة لمثل هذه المصالحة وأهميتها القصوى في تحديد مسار المستقبل العربي, فإننا أردنا هنا بهذا الشرح ان نبين اين كنا وكيف اصبحنا؟ وإلى أي حد تراجعت مطامحنا, فأضحينا نتمنى المصالحة بعد ان كنا ننشد الوحدة التي ترتبط ارتباطا وثيقا مع فكرة القومية العربية. وفي كتاب (أحاديث في العروبة والقومية) يرجع الشاعر القومي الكبير احمد السقاف بداية الشعور القومي العربي الى ايام الامبراطوريتين الرومانية والفارسية, عندما ادى اشتداد الضغط على العرب في الشام والعراق وجنوبي الجزيرة, الى الدعوة لقيام الاسواق التجارية التي تشكل بداية الشعور القومي العربي. اما القومية الحقيقية, فقد بدأت في رأيه منذ معركة ذي قار المعروفة. ثم تطور هذا الشعور خلال الخلافات الاسلامية والاموية والعباسية. ولكن المد القومي خبا واضمحل بعد سقوط بغداد بيد الصفويين وحلول التجزئة, فأصبح عقد العرب منتثرا ومجدهم مندثرا, غير ان الشعور القومي عاد الى الانتعاش عقب ثورة يوليو وتحقيق الوحدة بين سوريا ومصر بقيادة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر. وبعد انهيار الوحدة بدأ التراجع القومي المريع حتى غدا الحديث عن الوحدة بمثابة أمنيات للمستقبل البعيد. ومع ذلك, ما زالت تظهر ادبيات ودراسات عربية كثيرة تتعلق بالوحدة وتدرس مختلف جوانبها, ولا سيما العقبات التي تحول دون انجازها, ومنها كتاب (الوحدة العربية, المشكلات والعوائق) الذي يتبع فيه الكاتب السياسي ناجي علوش طريقة منهجية تعتمد على الاستقصاء التاريخي, في دراسة الوحدة التي تعني من وجهة نظره قيام دولة واحدة تجمع كل الاقطار العربية المنتمية الى جامعة الدول العربية وجميع الاراضي المحتلة, بما فيها فلسطين واسكندرون والاحواز وديار بكر ومرعش وجزيرة بن عمر وسبتة ومليلة. أما حدود هذه الدولة, فتشمل في نظره مناطق شاسعة جدا تمتد على حدود البحر الابيض المتوسط والمحيط الاطلسي والمحيط الهندي وبحر العرب والهضبة الاثيوبية وسلاسل جبال زاجروس وطوروس. ويرى علوش في الوحدة اندماجا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا كاملا. اما الامة العربية, حسب مفهومه, فإنها تعني الجماعة التي تقطن حدود الدولة المشار اليها, وتجمعها عوامل مكونة عديدة مثل الارض واللغة والتاريخ الواحد والثقافة والمصالح المشتركة. وهو يعتقد ان اشكالية الوحدة ناشئة عن تعدد السبل الموصلة اليها وعن اختلاف القوى الوحدوية وبرامجها, الامر الذي قاد, ليس الى فشل الوحدة فحسب, وانما الى الاخفاق على صعيد السوق العربية المشتركة واتفاقية الدفاع المشترك وغيرهما من المجالات. ان العالم اليوم يتوجه نحو الديمقراطية مع عودة الروح الى القومية, مما يفرض على العرب, حسب رأي علوش, أن يتوجهوا نحو الحل القومي الوحدوي الديمقراطي, مع التأكيد على الحاجة الى دولة مركزية قادرة على تحقيق الاندماج القومي ووضع اسس التنمية ومعالجة مشكلات التبعية والتجزئة. ومن المفكرين الذين شغلهم هم الوحدة محمد عزة دروزة مؤلف كتاب (الوحدة العربية) الذي يعزو فيه تجزئة الوطن العربي الى عقبات خارجية وعقبات داخلية مثل الاقليمية والطائفية والفردية والاسروية وضمور الوعي العام والفوارق بين مختلف سكان الاقليم, والمسافات الشاسعة التي تفصل بين الدول العربية. اما الدكتور نديم البيطار, فيرجع الفشل الى كون الفكر القومي العربي عاجزا وغيبيا وتبشيريا وغير علمي, بينما يرى مفكر عربي آخر ان العقبات الحقيقية امام الوحدة تتجلى في التخلف العربي العام ومصالح اصحاب القرارات والتناقضات الهيكلية للاقطار العربية, بالاضافة الى قوى الهيمنة ونحن نرى ان جميع الاسباب السابقة التي عرضها المفكرون, وليس بعضها, هي المسئولة عن عدم قدرتنا على تحقيق الوحدة. ولكن هل علينا ان نسدل الستار عليها نهائيا؟ بالطبع لا, فهناك بدائل تمهيدية لابد من اللجوء اليها في الطريق الطويل الشائك الموصل الى الهدف الوحدوي النهائي. وهذه البدائل يجب ان تبدأ بالمصالحات العربية الايديولوجية والسياسية والاجتماعية, وهو ما دعا اليه الدكتور سليمان ابراهيم العسكري, وبعد ذلك, فهناك خطوات وحدوية لا حصر لها مثل تسهيل انتقال السكان وإلغاء التعرفات الجمركية بين الدول العربية والتوسع في التكتلات العربية الاقليمية وتحقيق السوق العربية المشتركة وتشجيع انتشار الدوريات ذات النهج العربي القومي والتوحيدي مثل (البيان) (الاماراتية) والعربي (الكويتية) و(شئون عربية) الصادرة عن الجامعة العربية وغيرها. وبتعبير آخر, فإذا لم يكن بإمكاننا ان نغزل خيوط الفجر الوحدوي العربي بضربة كف, فإن علينا ان نلجأ الى خطوات متدرجة بطيئة تمتد على مدى حقبة طويلة من الزمن حتى نصل الى الهدف النهائي المنشود. كاتب سوري