كل شيء سيتغير في الخارطة العربية.. وفي خارطة العالم بفضل ثورة القدس المباركة. سوف تتغير التحالفات التقليدية وستتغير الحسابات القصيرة وستتغير المصطلحات القديمة. لن يكون العالم العربي ــ ولا العالم ــ بعد 28 سبتمبر 2000 كما كان قبل 28 سبتمبر 2000. أشياء كثيرة كبيرة بصدى التحول ومنها نظرة وسائل الاعلام الغربية لقضايا العرب, وأم القضايا العربية الاولى فلسطين. فاذا استثنينا قلة حقيرة من اعلام اليمين المتطرف والمتصهين في امريكا وأوروبا والذي يحركه اللوبي الاسرائيلي مباشرة, فإننا بدأنا نشهد صحوة اخلاقية على مستوى الخطاب الاعلامي والسياسي اصبحت تتفهم حقيقة الملف الفلسطيني وتصل تحليلاتها الى ما كان مجهولا ومحرما الخوض فيه اي جذور المأساة الفلسطينية. فقد لمسنا ميلا لدى الفضائيات التي ننعتها بالعالمية حتى وهي امريكية او بريطانية او فرنسية او يابانية, ميلا لقراءة تاريخ الكارثة الفلسطينية منذ مؤتمر ــ أو مؤامرة ــ بازل بسويسرا عام 1897 حين خطط اليهود بقيادة: تيودور هرتزل لقيام دولة اسرائيل محل فلسطين وطرد أهلها الاصلاء لإحلال شعب شتات من الدخلاء واللقطاء, ثم حين تحققت تلك الاحلام بقرار التقسيم 29/11/1947 وانتصرت عصابات ارهابية صهيونية شتيرن وهاجانا وايرجون على محاولات جيوش عربية نظامية استرداد الحقوق السلبية والارض المغتصبة. وبدأت كارثة ذلك الشعب بإجلائه عن تراب آبائه وأجداده ليقبع تحت الخيام جيلا وراء جيل من 1948 الى 2000 وربما الى ما بعد ذلك. ولاحظنا ان القنوات CNN و BBC و CBS و RAI الايطالية والقناة اليابانية والقناة الاسبانية وغيرها تحولت في ظرف ايام قليلة وتحت وطأة المقاومة البطلة الساطعة القوية الى مواقف اكثر اعتدالا فلم نر متكلما اسرائيليا يكذب الا ورأينا معلقا فلسطينيا يفند. وعرف الرأي العام العالمي وجوها لم تكن تحظى بثوان معدودة من (الهواء) مثل صائب عريقات وحنان عشراوي وفيصل الحسيني ومروان البرغوثي وحتى... الشيخ أحمد ياسين وحتى بل وخاصة حسن نصر الله. وفي سبع مناسبات دعيت للقناة الخامسة الفرنسية ليلى شهيد سفيرة دولة فلسطين بباريس وهي متحدثة متميزة بلسان فرنسي راق يجمع بين الحماس لقضية شعبها والمعرفة الجيدة للعقلية الفرنسية والاوروبية. نعم ان لعقلية الرأي العام الغربي منطقا خاصا بها ولغة خاصة بها وقد عرف هؤلاء الزعماء الفلسطينيون واللبنانيون مخاطبة العقل الجمعي الغربي الذي غسلته على مدى جيلين مياه الصهيونية الملوثة التي قلبت له الحقائق ونشرت الاباطيل وروجت الاساطير واشاعت البهتان وليس من السهل مواصلة هذا النصر الاعلامي الذي غنمناه في غمرة ثورة القدس فلعل تلك الهبة الاعلامية تتضاءل حين يرتكب قادة العرب خطأ قبول الامر الواقع بدعوى الواقعية, وحين يتعرضون للتهور الصهيوني والانحياز الامريكي.. ان ذلك الكسب الاتصالي الدولي الذي حققناه لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني قابل للانتكاس اذا ما شعرت وسائل الاعلام العالمية بأن الخندق بين الحكام العرب والمحكومين العرب تتم اقراره من جديد... فماذا سيكتب عنا ذلك القلم الامين الذي يحمله روبرت فيسك في بريطانيا او ذلك القلم المتميز الذي يخط به الصديق الوفي ميشال جوبير وزير خارجية فرنسا الاسبق في فرنسا؟ ماذا سنقول لتلك الضمائر الغربية الحية والمنصفة والعادلة حين نفتح بعض فضائياتنا العربية ونجد فيها عمليات تغييب الوعي العربي ببرامج (كاباريهات) هابطة مضادة تماما لواقعنا الثائر ولدماء شهدائنا الابرار. نحن مسئولون ــ سياسيين واعلاميين عربا ــ على الحفاظ على ذلك الرصيد المشرف من التحول الاعلامي العالمي لصالح حقوقنا المشروعة بأن نخطط لتوظيفه المستديم لخدمة الحق ونصرته واعلاء كلمته. ثم أليست تلك هزيمة نكراء للبهتان والعجرفة والوحشية والعنصرية... القادمة جميعها من الجانب الاسرائيلي العدو؟