طالما كانت الفضائيات العربية هدفا لسهام النقد التي وجهناها نحن وغيرنا , وخاصة إلى مذيعات أو فلنقل بعضهن ممن اكتفين بأناقة المكياج وثراء المساحيق وابهة الملابس.. ثم لا شيء من قبل ومن بعد لا شيء سوى ازجاء الفضاء أو الفراغ الأثيري الكوكبي بأحاديث لا تودى ولا تجيب كما يقول المصريون حول الموضات والتسريحات والديكورات والحياة الخصوصية والشمائل العبقرية لأهل الفن من مطربين وأحيانا الرياضيين وصولا إلى أدق التفاصيل, وأسخفها في بعض الأحيان ــ ورحم الله سذاجة رواد السينما المصرية الذين كادوا في أيامهم يصورون الشعب المصري وكأنما كان يعيش أفراده حياة الصالات والكباريهات.. تخرج الفتاة من الحارة إلى الكباريه ويتحول الفتى الأول من نجار مغمور في حي شعبي إلى مطرب مشهور في الكباريه حتى كاد الناس يفهمون المسألة على طريقة يوسف بيه وهبي, ولسان حالهم يقول : ما الدنيا إلا كباريه كبير. نعم.. كانت معظم الفضائيات العربية قد اشتغلت وشغلت جمهور المشاهدين بعمليات تسطيح للقضايا وتبسيط مخل لاهتمامات الناس.. وقد نجم عن ذلك فراغ حقيقي في العمل الإعلامي العربي سارعت قناة مثل (الجزيرة) إلى استغلاله وشدت اهتمامات الناس الجادة إلى ما تقدمه من حوارات وأحيانا مشاغبات ومشاحنات سياسية. مع هذا كله.. نستطيع أن نقول باطمئنان شديد ان الفضائيات العربية, ربما بغير استثناء ارتفعت إلى مستوى رفيع من مسئوليتها المهنية والقومية خلال متابعتها أحداث وملابسات وتطورات انتفاضة الأقصى التي مازالت امتنا تعيشها حتى كتابة السطور. كأنما ردت الروح إلى كيان الإعلام الفضائي العربي فإذا بدماء متجددة من العافية الحرفية والوعي السياسي والقدرة الواعية الدينامية والمستنيرة على مواكبة الاحداث وشرح التطورات كل هذا ظل يتدفق إلى بنية منظومة الإعلام القومي العربي لدرجة أن تساءل معها الناقدون في استغراب مشوب بفرحة المفاجأة أين كان هذا كله؟ ولماذا ظلت الباروكات المستوردة والحلل والبذلات الأنيقة تخفي من تحتها كل هذا الوعي الذي تبدى, وكل هذه المهارة والقدرة التي تجلت في ( إدراك ) التغطية والمتابعة الإعلامية سواء في موقع الأرض المحتلة أو في مواقع مؤثرة وحاكمة شتى في وطن العروبة وفي خارجه على السواء؟ ولا ندري هل نسوق اعتذارنا إلى أهل الفضائيات العربية, أم نعاود تذكيرهم بأن الناس بحاجة إلى البضاعة الاعلامية التي باتوا يحرصون على تقديمها حيث تجمع بين جدية الموضوع وجاذبية العرض وحركية الأسلوب, أم ماذا؟ ومن أجل ترجمة (ماذا ) هو, لا بأس من معاودة التأكيد على أن الجدية غير السماجة, وأن تناول القضايا العميقة لا يغني عن حق المشاهد أو المستمع في الترفيه وهو جزء لا غنى عنه في مهام الإعلام الأساسية الأولى, جنبا إلى جنب إلى عنصري تدفق المعلومات وتثقيف العقل وإثراء الوجدان. وفي كل حال فقد تجدرت الثقة في قدرتنا كعرب على إدراك المسئولية والارتفاع للنهوض بتبعاتها.. خاصة وقد أصبح الشهيد النبيل.. وأصبح الجريح المناضل, وأصبح الفرد العربي الواعي في مظاهرة أو مسيرة أو امام صندوق العطاء المادي أو العيني أو على طاولة عطاء الدم ــ التبرع بالدم أصبح هؤلاء جميعا هم رموز البطولة ومحور الاهتمام في اعلامنا بقدر ما أنهم رموز الشرف والكرامة والنبل في افئدتنا ونفوسنا, ولعل هذا التحول الايجابي في مفهوم البطولة يتحول برموز البطولة ولو بالتدريج إلى حيث تسليط الضوء أو حتى بعض الضوء على أصحاب بطولات أخرى في مجتمع العرب المعاصر من علماء ومفكرين وتربويين ومبدعين بالمعنى الأوسع والأعمق للابداع الفني بحيث لا يقتصر على موهبة الصوت أو النغم بل يتعدى الأمر ليشمل موهبة التصميم وموهبة التشكيل ناهيك عن موهبة التطوير أو الاختراع مهما كان محدودا ومهما كان بسيطا.. يومها سوف يكتشف زملاؤنا أهل الاعلام الفضائي أن أمامهم مناجم لبطولات مجهولة بانتظار الكشف عنها: الأم التي ربت ورعت وقدمت لمجتمعها أبناء بنائين في هذا المجتمع, المعلمة في قرية نائية أو نجع قصي في زوايا الوطن وقد تخرج على يديها علماء ومسئولون وأساتذة مازالوا ينحنون أمامها بولاء المحبة والتوقير والامتنان, رجل الأعمال الذي لا يتردد في بذل المال الكثير لجلب مخطط من اقاصي المعمورة ومن ثم الإنفاق على تحقيقه ونشره لما فيه من نفع للإسلام والمسلمين, الفنان الكبير الذي يرعى براعم المواهب, الأكاديمي المتبتل في محراب البحث العلمي.. إلى آخر ما تحويه منظومة المجتمع العربي من دور الموهبة ولآلئ العطاء. في التحليل الأخير, نرى أن النتيجة النهائية تقول بالفم المليان: نجح الفضائيون العرب. ولكنها تضيف من باب الاحتراس لتقول: ولكن لم ينجح إلا القليل من ( المتداخلين العرب). ونقصد بهم الأفراد من رجال ونساء ممن يشاركون عبر الهواتف بالمداخلات, كثرتهم لا ينقصها النية الحسنة ولكن ينقصها التدريب الحسن أيضا على مهارة التعبير عما يجول في نفوسهم من خواطر وأفكار: يقطع المذيع أو المذيعة سياق برنامج مهم ويعترض حديث ضيف محترم مفيد ومستنير لكي يتلقى مكالمة هاتفية من السيد فلان في المغرب أو السيدة علانة من المشرق.. وهنا تبلع ريقك وتكظم مشاعرك وتسلم الأمر إلى صاحب الأمر.. وقبل أن تنظر في ساعتك لأن وقت البرنامج محدود إذا بصاحب المداخلة يبدأ بتوجيه التشكرات والتهاني والمجاملات والتحيات إلى أهل القناة الفضائية وخيرة مذيعيها ومذيعاتها متمدحا خاصة في حالة الفئة الأخيرة- بالوجه الحسن والمهارات العبقرية والقدرات اللوذعية.. وتزدرد ريقك ثانية عندما يهم السيد ( المتداخل ) بالدخول في صلب الموضوع. فإذا به وقد أعد قصيدة غير عصماء في معظم الأحيان يأبى إلا أن يسردها على مسامع الكافة داخل البرنامج وطبعا خارجه على السواء. وفي حالة غياب القصائد أو غياب المجاملات.. تجدنا وقد تعودنا في معظمنا ــ متداخلين أو غير متداخلين ــ على التمهيد لما نريد أن نقول من خلال ديباجة لا لزوم لها.. وإنما هي تدور حول الموضوع دون جدوى.. وان دخلنا في القضية لا تنتهي إلا بتكرار ما قلناه ولو بألفاظ أخرى أو عبارات مترادفة, ترى متى نتعلم فن الدقة في الخطاب العام؟ صحيح أن لا جمارك على الخطاب الخاص الذي يأتي على شكل نجوى أو ثرثرة أو فضفضة ولا بأس في كل ذلك شريطة أن يكون بين الفرد وآخرين ( لاحظنا في شوارع أمريكا بالذات أن هذا الأمر كثيرا ما يكون بين الفرد ونفسه حواراً ذاتياً بغاية الجدية وبغير انقطاع) لكن الخطاب العام عليه يقود القود وعليه ضوابط متابعة الآخرين ولا ينبغي أن يظل خاضعا بالنسبة لنا نحن العاربة أو المستعربة لحكاية البساط الاحمدي ولقواعد الاسترسال والاطناب والثرثرة والاستطراد وقواعد أن الشيء بالشيء يذكر, وقواعد وفتاوى في الكلام نحشوها بالالفاظ الحبيبة إلى قلوبنا من امثال لاسيما وإذا ربما ولا غرو وفي الواقع وليس من شك.. إلى آخر ما تحفل به جعبة اللوازم الاستطرادية من ألفاظ موروثة ربما من عهد السيدة أو الآنسة شهرزاد التي لم تكن تكف عن ثرثرتها إلا بعد أن يصيح الديك وتدركها خيوط الصباح, المشكلة أن حديث شهرزاد كان طليا والأكيد أن صوتها كان جميلا.. ومفردات لغتها كانت على أحسن ما يكون من حيث التفرد والدقة والجذب والالتقاء والعقبى للأخوة المتداخلين على متن الفضائيات.